اعتبر مراقبون أن الموازنة العامة للقطاع الحكومي في إمارة دبي للعام 2012 تقدم دليلاً إضافياً على انطلاق اقتصاد دبي بالفعل إلى آفاق جديدة من النمو والازدهار، بعدما تمكن في العام الماضي من سلك مسار التعافي من تداعيات أزمة مالية أرهقت الكثير من الاقتصاديات المهمة في العالم، ووضعت الميزانية الجديدة مزيجاً من القيم العليا السامية لانطلاقة اقتصاد الإمارة على أسس ومقومات النمو المستدام تجمع بين الأهداف المتعلقة بالنمو والتحفيز الاقتصاديين، والأهداف الخاصة بالرفاهية الاجتماعية وتحقيق الأمن والاستقرار من أجل خلق بيئة عمل داعمة للإبداع والتميز، وبالتالي بلورت الميزانية توجهاً يصهر الاقتصاد والمجتمع في بوتقة واحدة.

وتشكل موازنة حكومة دبي لعام 2012 في نظر المراقبين مؤشراً على انتهاج إمارة دبي نهجاً وسطاً في الموازنة بين تعزيز وتحفيز النمو الاقتصادي وترشيد الإنفاق، بحيث لم تأخذ الميزانية شكل الموازنة التوسعية على نحو مفرط، كما أنها لم تأخذ هيئة الميزانية التقشفية بشكل زائد، وإنما خلقت توازناً بين هدف تغذية النمو من جانب، ولاسيما في ما يتعلق بمجال الإنفاق على تكملة مشروعات البنية التحتية، وضبط الإنفاق الحكومي وترشيد أوجه النفقات.

 

«التعافي المالي والازدهار الاقتصادي»

وتستحق موازنة 2012 أن تلقب وبجدارة بأنها ميزانية «التعافي المالي والازدهار الاقتصادي» وهو ما يتجلى في تراجع حجم العجز بين المصروفات والإيرادات مقارنة بالعامين المنصرمين، إذ تحدد حجم العجز للعام 2012 بين الإيرادات العامة 30.431 مليار درهم والنفقات العامة 32.258 مليار درهم بقيمة 1.827 مليار درهم، مقابل عجز قيمته 3.778 مليارات درهم في موازنة عام 2011 و6 مليارات درهم في موازنة 2010، ورغم أن العجوزات في موازنات الأعوام السابقة أسوة بالعام الجديد لم تتجاوز نسبة 3% من الناتج المحلي للإمارة، إلا أن نسبة العجز من الناتج المحلي الإجمالي في موازنة عام 2012 تقل كثيراً مقارنةً بموازنتي 2011 و2010، حيث بلغت في موازنة 2012 ما نسبته 0.6% من إجمالي الناتج المحلي المتوقع لإمارة دبي، مقابل 2% في موازنة 2010.

 

تراجع العجز

ولم يتراجع حجم عجز موازنة 2012 فحسب، بل تراجع كذلك الإنفاق العام ليبلغ 32.258 مليار درهم مقابل 35.4 مليار درهم في موازنة 2010، و33.684 مليار درهم في موازنة 2011، وهو ما يدل على نجاح حكومة دبي في قطع شوط كبير في مجال نشر ثقافة التميز المالي الحكومي والالتزام بالتوجهات والسياسات المالية العامة لحكومة دبي، والحرص على فاعلية وكفاءة عمليات إعداد وتنفيذ الموازنات وبالتالي الاستخدام الأمثل للمال العام والمحافظة عليه. إلى جانب تزايد الوعي لدى المسؤولين في الدوائر والهيئات الحكومية بالعمل على تحسين كفاءة إدارة المال العام بما يتماشى مع تطوير وتحديث موازنة البرامج والأداء التي تطبقها الإمارة.

 

ارتفاع الإيرادات

وقابل تراجع النفقات العامة، ارتفاع الإيرادات العامة في موازنة 2012 لتصل إلى 30.431 مليار درهم، مقابل إيرادات قيمتها 29.906 مليار درهم في موازنة 2011، وهو ما يدل على نجاح حكومة دبي في تعظيم قاعدة إيراداتها على نحو يمكنها من الانطلاق إلى آفاق جديدة من النمو والازدهار، وبناء على الخطة الاستراتيجية للإمارة، استأثر قطاع البنية التحتية والمواصلات والتطوير الاقتصادي بنسبة 41% من إجمالي الإنفاق العام، حيث يضم مجموعة من القطاعات الحيوية منها الطرق والمواصلات والطيران المدني والمطارات والسياحة والتنمية الاقتصادية، في حين تم توجيه 29% من إجمالي الإنفاق العام إلى قطاع التنمية الاجتماعية، الذي يشمل مجالات الرعاية الصحية والتعليم والإسكان والثقافة لتعظيم الرفاهية للمواطنين والمقيمين.

وفي رأي المراقبين، يعد استئثار قطاع البنية التحتية والمواصلات والتطوير الاقتصادي بهذه الأولوية ضمن أولويات موازنة 2012، بمثابة مؤشر على أن إمارة دبي تتهيأ للاستفادة من الفرص التي تتيحها مجمل المستجدات العالمية والإقليمية من خلال التحديث المتواصل لجاهزيتها، حتى تكون الإمارة في وضع يتيح لها تحقيق معدلات عالية من النمو الاقتصادي، حيث إن دعم ميزانية 2012 لقطاعات النمو المستدام أو ما درج على تسميته «جوهر أعمال إمارة دبي»، يرتكز على قاعدة من معدلات نمو مبهرة سجلتها هذه القطاعات خلال عام 2011 رغم مضاعفات الأزمة المالية العالمية، وهو ما يعزز أداءها خلال المرحلة المقبلة، وتجلت معالم هذا النجاح في البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية في إمارة دبي، حيث حقق الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة لإمارة دبي ــ بحسب إحصائيات مركز دبي للإحصاء ـــ نمواً بنسبة 1.8% خلال الربع الأول من العام الجاري مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي محققاً نحو 76.3 مليار درهم، وجاء النمو في نشاط الصناعات التحويلية في مقدمة الأنشطة الدافعة إيجاباً لاقتصاد الإمارة، إذ نما هذا النشاط بنسبة 14.2% خلال الربع الأول من العام الجاري مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي دافعاً مجمل الاقتصاد إيجاباً بنسبة 1.78%، كما حقق نشاط المطاعم والفنادق نمواً بنسبة 18.3% مساهماً بدفع الاقتصاد إيجاباً بمعدل 0.7%، وأيضاً حقق قطاع السياحة نمواً في الفنادق والشقق الفندقية رافقه ارتفاع في عدد النزلاء وشهد القطاع السياحي في الإمارة نمواً في المرافق السياحية حيث ازداد عدد الفنادق ليصل إلى 385 فندقاً في الربع الأول من عام 2011 وارتفع عدد النزلاء في الفنادق والشقق الفندقية بنسبة 14%مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، حيث بلغ عدد نزلاء الفنادق 1.848.271 نزيلاً مقارنة بـ1.692.024 نزيلاً في الربع الأول من عام 2010.

 

استكمال البنية التحتية

وبحسب بيانات موازنة 2012، من المقرر أن يصل الإنفاق الاستثماري الحكومي إلى (5.9) مليارات درهم، أي ما يمثل نسبة 18% من إجمالي الإنفاق العام بهدف استكمال مشروعات البنية التحتية والمشروعات التنموية بالإمارة، وذلك وفقاً للخطط الموضوعة التي يعول عليها المساهمة بشكل فعّال في الاستمرار في رفع معدلات النمو الاقتصادي وتحفيز الاستثمارات المحلية والأجنبية. ويقل معدل الإنفاق الاستثماري في موازنة 2012 عن موازنات الأعوام السابقة، إذ بلغ 7.5 مليارات في ميزانية 2011 و10.7 مليارات درهم في ميزانية 2010، ونحو 12 مليار درهم في موازنة 2009.

 

تحسين النمو الاقتصادي

أكد أحمد بطي أحمد الرئيس التنفيذي لمؤسسة الموانئ والجمارك والمنطقة الحرة، مدير عام جمارك دبي، أن الموازنة العامة للقطاع الحكومي في إمارة دبي للعام 2012 التي اعتمدها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي (رعاه الله)، عكست بدقة توجيهات سموه بالتركيز على تطبيق سياسة مالية حكيمة، حيث استندت الموازنة الجديدة إلى تنويع مصادر الإيرادات العامة، والتركيز على القطاعات الاقتصادية في الإمارة ذات القيمة المضافة.

وأشار إلى أن الموازنة الجديدة تسهم في تحسين النمو الاقتصادي بالإمارة، وتعزز السيولة المحلية، كما أنها ستزيد من كفاءة العمل الحكومي وخاصة أن نسبة 7 في المئة من إجمالي الإنفاق الحكومي سيخصص لقطاع الخدمات العامة والتميز الحكومي الذي يتضمن عدة جهات بينها جمارك دبي. وأضاف: إن المؤشرات التي تضمنتها موازنة عام 2012 تدل على اهتمام القيادة بالتطوير الشامل في المجالات كافة، وقدرة دبي على التعامل مع المستجدات، والتحديات الحالية، والمستقبلية، وتعكس قوة اقتصاد الإمارة وقدرتها على تنويع مصادر الدخل.

وقال مدير عام جمارك دبي: إن موازنة عام 2012 ستدعم مكانة دبي الاقتصادية وجاذبيتها الاستثمارية، باعتبارها المكان الأمثل لممارسة الأعمال في المنطقة، في ظل تمتع الإمارة بنظم وتشريعات اقتصادية متميزة، تتوافق مع أفضل المعايير والممارسات العالمية المتبعة في تسهيل حركة التجارة المشروعة، فضلاً عن البنية التحتية المتقدمة، إذ سيتم استثمار جزء كبير من الموازنة في استكمال مشروعات البنية التحتية والتنموية بما يعادل 5.9 مليارات درهم، فضلاً عن المخصصات التي سيتم توجيهها لقطاع الخدمات، والأمن والسلامة، والخدمات العامة، وغيرها من أوجه الإنفاق التي ستسهم بالتالي في توليد مزيد من الفرص الاستثمارية لقطاع الأعمال وفق استراتيجية تكفل تحقيق نمو مستدام.

 

رفع كفاءة القطاع الحكومي

أشاد الدكتور حمد بن الشيخ أحمد الشيباني مدير عام دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي باعتماد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله قانون الموازنة العامة لإمارة دبي للعام 2012، مؤكداً أن الميزانية تعكس القدرة القوية لحكومة دبي واستمرار دعم ورفع كفاءة القطاع الحكومي وتحفيزه.

ونوه الشيباني إلى أن موازنة إمارة دبي للعام المقبل خصت الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بمزيد من الدعم الذي توليه حكومة دبي للقطاعين، لافتاً إلى أن ميزانية قطاع الشؤون الإسلامية لعام 2012 تشمل دعم المساجد والعناية بها لتؤدي دورها في المجتمع وإنشاء مراكز تحفيظ القرآن الكريم ونشر المعرفة والثقافة الإسلامية وتنمية الوعي الديني من خلال توزيع المصاحف الشريفة والمطبوعات والكتب الدينية والتسجيلات الإسلامية وإعداد التقويم الهجري والميلادي وتنظيم شؤون الحج والعمرة وتنظيم الإفتاء في الإمارة.وأشار إلى أن ميزانية العمل الخيري في الإمارة تشمل دعم جهود الجمعيات الخيرية والمؤسسات الإسلامية ومراكز تحفيظ القرآن الكريم والإشراف والرقابة عليها ودعم الأنشطة الخيرية وحملات الإغاثة والفعاليات الخيرية والعمل على تنمية البرامج والمشاريع التي تقيمها الجمعيات الخيرية داخل وخارج الدولة.

 

تؤكد القدرة على مواجهة التحديات

قال طيب عبدالرحمن الريس، الأمين العام لمؤسسة الأوقاف وشؤون القصر: إن موازنة إمارة دبي للعام 2012، التي اعتمدها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، تشير بوضوح إلى إصرار الإمارة على المضي قدماً في درب التنمية والتطوير، والحفاظ على المكتسبات والإنجازات التي تحققت على مدار العقد المنصرم، مع العمل على توفير كافة أسباب ومحفزات عملية النمو الاقتصادي عبر السعي لاستكمال مشاريع البنية التحتية الرئيسية والمشروعات التنموية.

مشيراً إلى أنه يبدو واضحاً مدى ما تجسده هذه الموازنة من قدرة على مواجهة التحديات، والتصدي بمرونة وحزم متوازيين لكافة المستجدات التي من شأنها أن تعيق عملية التطوير المتواصلة في إمارة دبي، مع اعتماد معايير الكفاءة في تحديد مسارات الإنفاق الحكومي بأسلوب يضمن ترسيخ أسس الاستدامة المالية، وهو ما برز بشدة في تراجع عجز الموازنة إلى 1.8 مليار درهم بنسبة انخفاض قدرها 53% مقارنة مع ميزانية العام 2011.

وأشار إلى أن اعتماد موازنة عام 2012 يمثل عدداً من رسائل الاطمئنان سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، فعلى المستوى الداخلي تؤكد هذه الموازنة استمرار نهج دبي في الحفاظ على مستويات الرفاهية الاجتماعية والسعي لتوفير المزيد من فرص العمل التي قدرتها الموازنة بحوالي 2400 فرصة عمل جديدة، أما على المستوى الخارجي، فقد خصصت الموازنة 18% من الإنفاق الاستثماري للمشاريع التنموية ولاستكمال البنية التحتية وهو ما يمثل فرصة كبيرة للمستثمرين سواء المحليين أو الدوليين للاستفادة من هذا المناخ الاستثماري الذي لا يوجد له مثيل في منطقة الشرق الأوسط.

 

مشروعاتنا الجديدة

أكد المهندس حسين ناصر لوتاه مدير عام بلدية دبي أن اعتماد حكومة دبي للميزانية في موعدها كل عام مع نهاية السنة، من الأمور التي تشعرنا بالفخر وتستحق الإشادة، مشيراً إلى أن ذلك يشكل دافعاً للدوائر الحكومية للمضي قدماً في برامجها المعتمدة للتنفيذ. وأضاف: "قدمنا مشروعاتنا الجديدة والاستكمالية لاعتمادها، وبناء على هذه البرامج بدأنا بوضع الخطة التنفيذية وأخذنا بالاعتبار المشروعات الخدمية التي تخدم المدينة وسكانها، وهذا ينطلق من كوننا دائرة خدمية تسعى دائماً لتقديم أفضل الخدمات للمدينة، ونسعى من خلالها لتغطية كافة احتياجاتها ومتطلباتها من أسواق، وخدمات النفايات، والصرف الصحي، والمباني الترفيهية والحدائق وغيرها". وأوضح أن البلدية راجعت مع اللجنة المختصة بميزانية دبي كل مشروع بالتفصيل والمدة الزمنية المخصصة لإتمامه، مشيراً إلى أن البنود الأخرى العامة المتعلقة بالرواتب والأجور والمصروفات الجارية تأتي بناء على المعتمد من قبل الميزانية الخاصة بالدائرة.