أكد الدكتور أحمد سليمان المستشار القانوني في هيئة الصحة بدبي، أن قانون المسؤولية الطبية يشمل الطبيب الزائر والطبيب المقيم على حد سواء، والمسؤولية الجنائية تقع على عاتق الطبيب الزائر حال وقوعه في الخطأ الطبي، حيث يوجب القانون الاتحادي رقم (10) بشأن المسؤولية الطبية على كل من يزاول المهنة في الدولة تأدية واجبات عمله بما تقتضيه المهنة من الدقة والأمانة وفقا للأصول العلمية المتعارف عليها، وبما يحقق العناية اللازمة للمريض، مع عدم استغلال حاجة المريض لتحقيق منفعة غير مشروعة لنفسه أو لغيره ودون التمييز بين المرض، وفق نص القانون. ودعا الدكتور سليمان خلال محاضرة حول الخطأ الطبي والمسؤولية الناتجة "واقع الإمارات نموذجا" والتي نظمت مساء الأحد الماضي في مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام في أبوظبي، وزارة الصحة والهيئات الصحية المحلية في الدولة الى الاهتمام برصد الأخطاء الطبية في مؤسسات الدولة الصحية قبل وبعد القانون وتحديد مدى تأثيرها على واقع الممارسات الطبية القائمة، مشيرا إلى أنه منذ إصدار القانون في عام 2008 وحتى الآن لا توجد جهة مسؤولة تقوم بعملية رصد الأخطاء، كما طالب بأهمية أن تبادر المؤسسات الصحية بالدولة إلى تنظيم دورات عملية تهدف إلى تبصير الأطباء وممارسي الرعاية الصحية بالمفاهيم والجوانب القانونية التي تحيط بالعمل الطبي ومعرفة مواد قانون المسؤولية الطبية الخاص بالدولة، ولفت إلى أن هيئة الصحة في دبي خلال العام المقبل ستقوم بتنظيم سلسلة ندوات في هذا الشأن، سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص. وأضاف أن قانون المسؤولية الطبية على الرغم من أنه ولد ولادة قيصرية إلا أنه يمثل بادرة طيبة وخطوة على الطريق، حيث إن دولاً عديدة في المنطقة لا يوجد لديها مثل هذا القانون خاصة أنه يتضمن مجموعة كبيرة من المواد التي تكفل حقوق جميع الأطراف المريض والطبيب والجهة التي تقوم بالعلاج، كما يتضمن مجموعة من العقوبات والغرامات، كما نص أيضا على تشكيل لجنة عليا مشكلة من جهات معنية مختلفة. وأوضح أن توقيع المريض على بياض أو تعهدات من قبل الطبيب أو الجهة المشرفة على العلاج لا يعفي من المسؤولية الطبية في حالة وقوع الخطأ الطبي أو في حال مخالفة الأصول العلمية المتعارف عليها، وعليه فإن الطبيب المخطئ تفرض عليه العقوبة الجنائية المقررة بغض النظر عن التوقيع من عدمه، أما الإشكالية هنا فإن هذا التوقيع يمكن أن يعفي الطبيب من تحمل المسؤولية المدنية باعتبار أنه عقد موقع بين الطرفين.

وأكد أن الأخطاء الطبية في دولة الإمارات لا تمثل ظاهرة بل حالها في ذلك حال دول العالم، حيث تستقبل المستشفيات والمراكز الصحية يوميا آلاف المراجعين، والكل يتلقى العلاج بسلام ولكن عندما يقع خطأ طبي ولو بسيط فيجب أن نضعه في حجمه الطبيعي.

 

تعقيدات فنية

وردا على سؤال لـ «البيان» يتعلق بإشكالية اعتماد القاضي في حكمه في قضايا الأخطاء الطبية على التقارير الطبية التي يكتبها الأطباء أنفسهم، أكد الدكتور سليمان أن قضايا الأخطاء الطبية التي تنظر أمام المحاكم غالبا ما يعتريها أمور فنية وطبية معقدة لا يستطيع القاضي فيها بناء حكمه إلا من خلال تقارير اللجنة الطبية التي يتم تشكيلها من استشاريين متخصصين ومحلفين في نفس المجال الطبي المتعلق بالمشكلة وبعد دراسة متأنية تقوم اللجنة بكتابة تقريرها بموضوعية تامة ومن هذا المنطلق يستطيع القاضي إصدار الحكم العادل.

وقال الدكتور سليمان إن أهمية الخطأ الطبي تبرز من أهمية مهنة الطب باعتبارها من المهن القديمة التي برزت مع بزوغ شمس البشرية ومع حاجة الناس للتطبب من الأمراض التي تعتري حياتهم، فمع وجود الحاجة الدائمة والمستمرة للبشرية في الحصول على علاج طبي لما يعانونه من أمراض باختلاف أنواعها، فإن الطب كمهنة تتطور بتطور تلك الأمراض على مر العصور.

وأضاف: (وبما أن مهنة الطب تتعامل بصورة مباشرة مع جسم الإنسان فإن أي خطأ يصدر من الطبيب يترتب عليه إلحاق الضرر بالمريض يكون ذا صدى ودوي بخلاف الأخطاء الأخرى للمهنيين، فمثلاً قد يترتب على خطأ الطبيب إصابة المريض بعاهة بينما المهن الأخرى طالما كانت لا تتعامل من النفس البشرية فإن أخطاءها قد تكون مقبولة، وإن فرض على مرتكبيها بعض الجزاءات إلا أنها تعتبر اخف من الجزاء المترتب على الأخطاء التي تصيب النفس البشرية، فخطأ الطبيب قد يصل لدرجة وفاة المريض ولو كان بصورة غير متعمدة عندئذ يحاسب الطبيب متى ما توافرت الأركان بجريمة القتل الخطأ).

 

ماهية الخطأ الطبي

وقال إن المشرع الإماراتي بين في المادة رقم (14) من قانون المسؤولية الطبية مفهوم الخطأ الطبي بأنه هو الخطأ الذي يرجع إلى الجهل بأمور فنية يفترض في كل من يمارس المهنة الإلمام بها أو الذي يرجع إلى الإهمال أو عدم بذل العناية اللازمة"، وبالتمعن في هذا النص فإنه يتوجب علينا التفرقة بين الخطأ الطبي وبين المضاعفات الطبية، فالخطأ الطبي هو إخلال الطبيب بالتزاماته التي تفرضها عليه أصوله مهنته وقواعدها والتزاماته العامة التي يفرضها عليه القانون، وفي المقابل فإن العمل الطبي قد يترتب عليه وجود مضاعفات طبية بحق المريض، فقد يصاب بالدوار أو يصاب بالحساسية في جلده أو قد يكون هناك نزيف، فمتى ما كان ذلك فإن الطبيب لا يسأل عن تلك المضاعفات طالما كانت تلك المضاعفات من الأمور الطبية المتعارف عليها وليست بسبب خطأ طبي من جانب الطبيب، ولكنه في المقابل سوف يسأل عن إهماله أو عدم بذله العناية اللازمة إذا ما ترك المريض دون متابعة لحالته الصحية لكيلا تتفاقم تلك المضاعفات، بل يتوجب عليه العمل على احتواء تلك المضاعفات باتباع الأصول العلمية المتعارف عليها.

وأشار إلى أنه من أمثلة الأخطاء الطبية المخالفة للأصول العملية المتعارف عليها، أن تقوم الطبيبة بإجراء ولادة مستعصية دون الالتفات لدلالات عدم تمدد عنق الرحم سوى نصف سنتيمتر فقط منذ زيارة المريضة الساعة 3.15 حتى الساعة 8.5 أي وقت الولادة، أو إعطاء المريض جرعة دواء أكبر من اللازم، أو إعطاء المريض وصفة زيت كبد الحوت دون تحديد الجرعة أو كيفية استخدامها، مما يؤدى لوفاة المريض، أو وصف العلاج قبل إجراء الكشف السريري على المريض.

 

أمثلة قضائية

ومن الأمثلة القضائية التي أوردها الدكتور سليمان ما قضت به المحكمة الاتحادية العليا بأن: "الطاعنين الثاني والثالث ارتكبا خطأ فنياً مخالفاً للأصول الطبية المتعارف عليها، حيث إن الطاعن الثالث أجرى فحوصا ناقصة ولم يتمكن من اكتشاف الأورام، ولم يقم بإسداء النصح لعمل أشعة الماموجرام أو اخذ عينة من الثدي للفحص المجهري، كما وان الطاعنة الثانية لم تطلب إرجاء الفحوص الضرورية المكملة لاكتشاف المرض وإنها وضعت علاجا غير ضروري هو مضاد حيوي، وإن هذا الإهمال أدى إلى تأخر اكتشاف المرض والتدخل العلاجي المناسب وإلى تطوره من الدرجة الأولى إلى الدرجة الثانية.

 

الإهمال الطبي

كما أوضح أن الإهمال عند ممارسة العمل الطبي عند اتخاذ الطبيب موقفا سلبيا تجاه واجباته كطبيب، فيكون غير مكترث أو غير مبال بما تفرضه عليه مهنته من واجبات تجاه مرضاه، إذ يتوجب عليه أن يكون موقفا إيجابيا متجها للقيام بعمله طبقا لما رسمته الأصول العلمية والفنية المتعارف عليها، ولقد عرفت المحكمة الاتحادية العليا الإهمال بأنه: "هو حصول الخطأ بطريق سلبي، نتيجة ترك واجب أو الامتناع عن تنفيذ أمر ما، فتشمل هذه الصورة الحالات التي يقف فيها المتهم موقفاً سلبياً فلا يتخذ الاحتياطات التي يدعو إليها الحذر وكان من شأنها أن تحول دون حدوث النتيجة.