فتوحات العلم والطب على وجه التحديد، قد تجد في معظمها حذراً من رجال التشريع الإسلامي ومنظري الأعراف الاجتماعية، لكن التشريع الإسلامي لا يقف وحده عائقا، أمام تقبل هذه الفتوحات وتقنياتها الحديثة.

فمجلس هيئة علماء المسلمين أقر وبالإجماع منذ عقود طويلة قضية غاية في الحساسية وهي جواز نقل عضو من إنسان إلى آخر إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وفتاوى فقهاء المسلمين أجمعت في غالبيتها على مشروعية التبرع بالأعضاء سواء من الأحياء أو الأموات، وهو ما اعتبره الاطباء العرب فتحا دينيا ترك بالغ الأثر في هذا المجال. فاستبدال الأعضاء السليمة بالأعضاء الحيوية التالفة يعتبر من أعظم الانجازات البشرية في العصر الحديث، كيف لا وهي تنقذ آلاف المرضى من الموت أو المرض؟

قانون زراعة الأعضاء في الدولة مضى على إصداره 18 عاما وشكلت العديد من اللجان الوطنية لتفعيل البرنامج ولكن رغم كل ذلك ما زال يسير بخطى خجولة وما زالت عمليات نقل وزراعة الأعضاء تتم على نطاق ضيق وهو زراعة الكلى في حال وجود متبرع من أقارب الدرجة الأولى، بسبب خلافات بين الجهات التشريعية واللجان المشكلة حول جواز نقل زراعة نقل الأعضاء من المتوفين دماغيا.

هذه القضية الشائكة التي ما زالت مثارا للجدل والخلاف بين رجال الدين حول جواز نقل الأعضاء من المتوفين دماغيا في بعض الدول دفع الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لتوجيه دعوة لجميع الدول العربية لحسم القضية، معتبرا أنها مسألة حسمتها دول إسلامية كثيرة. وهذه القلة القليلة المعطلة باستمرار جدلها وهي تضع يدها في ماء بارد، لا تستشعر معاناة ما يزيد على 40 ألف عربي تحترق قلوبهم وهم في انتظار الموت أو يعيشون حياة شعارها العجز، ومنقذهم الوحيد هو زراعة عضو جديد.

ورغم عدم وجود إحصائيات في الدولة حول أعداد المرضى ممن هم بحاجة لزراعة الأعضاء إلا أن الدكتور فيصل شاهين رئيس مركز زراعة الأعضاء في الكويت أشار في إحصائية تقريبية إلى أن عدد المرضى العرب ممن هم بحاجة الى زراعة الاعضاء يقدر بنحو 120 شخصا لكل مليون نسمة من السكان.

أسباب الإخفاق

الدكتور فيصل البدري عضو واختصاصي زراعة الأعضاء وعضو اللجنة الوطنية لزراعة الأعضاء قال بالنسبة لزراعة الكلية لا يوجد هناك معوقات طالما وجد المتبرع، فالمريض والمتبرع بإمكانهما الذهاب لأي مركز متخصص وأخذ موعد ومن ثم إجراء العملية، ولكن بالنسبة لأخذ الأعضاء من المتوفين دماغيا فهي عملية معقدة تحتاج إلى إمكانيات كبيرة منها التنسيق بين المستشفيات وأسماء المرضى المحتاجين لزراعة الأعضاء حسب الأولوية عمر المريض ومدى حاجته، والأمراض الأخرى التي يعاني منها.

ويضيف بدري أن المسألة تحتاج أيضا في هذه الحالة إلى فريق طبي متخصص وطائرات تكون دائما على أهبة الاستعداد على مدار الساعة للانتقال إلى مكان حدوث الوفاة الدماغية لإحضار الأعضاء بعد الحصول على تقرير لجنة طبية وشرعية تؤكد وفاة المريض دماغيا وموافقته المسبقة أو موافقة ذويه، وبنفس الوقت تحضير المريض الذي ستجرى له عملية الزراعة، خاصة وان الأعضاء المنقولة لها عمر زمني للاستفادة منها، وبالتالي يشدد بدري على أن «الفكرة تحتاج لدعم مادي ولوجستي كبير».

بعض دول المنطقة وعلى رأسها السعودية وفرت هذا الدعم وبالتالي نجحت الفكرة ولكنه يتساءل هل بإمكان الدول العربية الأخرى توفير ذلك؟ لا بد أن تكلفة ذلك عالية جدا، ورغم ذلك يرى بدري ان زراعة الأعضاء على المدى البعيد ارخص وأوفر لأي دولة من صرف الأدوية، وأرخص من إرسال المرضى للخارج لإجراء العمليات، وفي حال افترضنا أن المريض بقي طوال عمره يعيش على الأدوية ترتفع التكاليف إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف، وهذا استنزاف للموارد المادية والكوادر الوطنية.

والأهم من كل ذلك في توفير البنية اللازمة لإجراء مثل هذه العمليات وتشجيع المتبرعين، حسب تأكيدات الدكتور بدري، بأن جميع دول العالم تقريبا باتت الآن تمنع زراعة الأعضاء لغير مواطنيها، وبالتالي يجب علينا التخطيط لمثل هذه المراكز للأجيال القادمة.