أكد الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الاعلى للقوات المسلحة، ان دول شبه الجزيرة العربية ستعاني بشكل جدي وحقيقي من مشكلة المياه خلال الخمسين عاما المقبلة التي تشهد تضاعف عدد سكانها مقارنة بما هو عليه حاليا.
وقال ان المياه بالنسبة للامارات ومنطقة الخليج في غاية الاهمية مقارنة بالنفط، ويرجع السبب في ذلك الى ان سكان شبه الجزيرة العربية البالغ عددهم حاليا 75 مليون نسمة سيتضاعف خلال الخمسين عاما المقبلة الى 150 مليون نسمة.
وأضاف سموه في تعقيبه على المحاضرة التي شهدها بمجلس سموه بقصر البطين امس الاول، وألقاها الدكتور بيتر غليك مؤسس ورئيس معهد المحيط الهادي في اوكلاند، اننا لدينا اليوم الكثير من الموارد التي تمكن دول المنطقة من انتاج المياه ولكن بعد 50 عاما سيختلف الموقف تماما عما هو عليه الآن .
وأكد ان هذا الأمر يجعل المياه في غاية الاهمية لدول المنطقة، لأنه لا يوجد نهر في شبه الجزيرة العربية وكميات المياه بسيطة وليست لدينا تقنية تساعدنا على انتاج المياه العذبة، لذلك فإننا نواجه مشكلة جدية وحقيقية، الأمر الذي جعلني أفكر بصوت عال لأن المشكلة في غاية الأهمية بالنسبة لنا جميعا.
وحضر المحاضرة سمو الشيخ محمد بن سعود بن صقر القاسمي ولي عهد رأس الخيمة، وسمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان ممثل الحاكم في المنطقة الغربية، ومعالي محمد احمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي، وسمو الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان ممثل الحاكم في المنطقة الشرقية، والفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وسمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان رئيس ديوان ولي عهد ابوظبي، ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، ومعالي الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان وزير الاشغال العامة، وعدد من الوزراء وكبار المسؤولين.
كوكب المياه
وقال الدكتور بيتر غليك في محاضرته التي ألقاها تحت عنوان " المياه العذبة في العالم.. السعي نحو مستقبل مستدام ": ان المياه تعد من المصادر النادرة ونحن نعيش على كوكب الارض، ولكنه في واقع الامر يمكن ان نسميه كوكب المياه لأن معظم اجزائه مغطاة بالمياه ونعاني ندرة في كمية المياه العذبة، رغم انها المصدر الاكثر اهمية لنا ولغيرنا، لأنها ترتبط بكل شيء بالغذاء والصناعات والطاقة والبيئة والطبيعة .
أزمة مياه
وأضاف أن العالم يعاني ازمة مياه في اشكال واماكن مختلفة من العالم وعلى الرغم من الجهود الهائلة التي بذلت وإنفاق اموال طائلة لإقامة مشاريع البنية التحتية إلا اننا لم نتوصل الى حل لمشكلات المياه.
واوضح ان العالم يواجه تحديات كبيرة في توزيع وتلوث وجودة المياه وهناك صراعات سياسية وعسكرية أحيانا على مصادر المياه، بالاضافة الى تغير المناخ وتأثيره على مصادر المياه، والكثير من المشكلات والتحديات ترتبط كذلك بالمؤسسات التي تدير المياه.
3% المياه العذبة
واكد ان كوكب الارض به الكثير من المياه ولكنها للاسف هي مالحة لا يمكن استخدامها في ري المحاصيل الزراعية، وتشكل النسبة الغالبة وتوجد 3% فقط مياه عذبة على شكل جليد وفي منطقة القطب الشمالي وجرينلاند، وهناك مياه جوفية وهذه يصعب الوصول اليها وهناك جزء بسيط يعادل نصف في المائة من مياه الانهار، وهي موزعة توزيعا سيئا، الامر الذي يشكل تحديا كبيرا أيضا.
تلبية الاحتياجات
واشار غليك الى ان المشكلة الكبرى أننا فشلنا خلال القرن العشرين في تلبية الاحتياجات الاساسية من المياه لمعظم سكان العالم، وهناك نحو مليار نسمة في العالم لا يستطيعون الوصول الى المياه العذبة وأعداد كبيرة لا يستطعيون الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أيضا.
وقال ان ندرة المياه تتزايد حيث توجد اشكالات كبيرة في مناطق كثيرة من العالم مثل حالة الجفاف التي شهدتها استراليا قبل 9 سنوات، وشهدت الولايات المتحدة جدلا سياسيا حول مصادر المياه ولم يكن بإمكانها الحصول على احتياجاتها من المياه لأن المياه كانت ملوثة وعندما نحصل عليها نفشل في تنقيتها.
وأكد ان الفشل في تلبية الاحتياجات الاساسية من المياه يؤدي الى تفشي الامراض والوفيات وهناك نحو مليوني حالة وفاة سنويا مرتبطة بتلوث المياه في العالم كان يمكن معالجتها، مشيرا الى أن العالم يسير في الاتجاه الخاطئ، لأن عدد الوفيات يتزايد في العالم لفشله في توفير المياه الصحية والمعالجة لجميع سكانه.
قضية سياسية
وأوضح بيتر غليك ان المياه تشكل أيضا قضية سياسية وليست فنية او علمية فحسب، ولدينا تاريخ طويل من الصراعات على المياه العذبة، وشهدت بلاد بين النهرين اول صراع على مياه الري وأخذت الصراعات اشكالا مختلفة واستخدمت المياه كهدف في هذه الصراعات، مشيرا الى ان المخاطر المرتبطة بهذه الصراعات في حالة تزايد، نظرا لزيادة السكان في العالم.
واشار الى أنه على الجانب الآخر فإن المياه يمكن ان تكون قضية او سببا للتعاون، حيث تتعاون الدول التي تطل على بعض الانهار فيما بينها لتوزيع مياها، كنهر الاردن الذي تتشاطأ عليه الاردن وسوريا ولبنان وفلسطين، وكلها تستخدم مياهه وتتعاون فيما بينها واتفاقية السلام بين الاردن واسرائيل تنظم ذلك، اي ان المياه يمكن ان تكون مصدرا للتعاون وليست مصدرا للصراعات.
التغير المناخي
واضاف ان التغير المناخي من حولنا يؤثر على مصادر المياه، لأنه يؤثر على الدورة الهيدروجينية وتشكيل الغيوم التي تسقط الامطار، الامر الذي يؤثر بدوره على ادارة المياه في العالم، وهذه من الظواهر التي تتزايد باستمرار وإذا لم تعالج فإن التغير المناخي يزداد سوءا.
مصادر متجددة
وقال ان المياه من المصادر المتجددة في معظم الأوقات ومثل ما لدينا مشاكل في الوصول الى النفط لدينا نفس المشاكل في الوصول الى المياه أيضا في ظل الصعود الكبير في عدد سكان العالم الذي يتزايد بسرعة، مشيرا الى ان كميات المياه تتناقص في ظل تزايد الطلب عليها، لذا يجب العمل على زيادة مواردها لتلبية الاحتياجات والاستفادة من تدفقات الانهار في العالم، مثل نهر المسيسبي والنيل في مصر وأنهار اخرى.
المياه الجوفية
وقال ان 40% من المياه المستخدمة في الانتاج الزراعي في العالم تأتي من المياه الجوفية، وهي غير قابلة للتجدد وإذا استمررنا في ذلك لا يمكن استدامتها للنهاية، وإذا ما اردنا ان نستخدم موارد المياه بشكل مستدام.
الإدارة الذكية للمياه
واقترح الدكتور بتير غليك عددا من الرؤى لاستخدام المياه العذبة في ظل المشاكل التي يعاني منها العالم في استخدامه للمياه، ومنها إعادة النظر في عرض المياه من خلال الادارة الذكية لموارد المياه ومعالجة المياه واعادة استخدامها، والتي تعد واحداً من المصادر التي تشتهر بها المنطقة، وعلينا استخدام طرق لتقليل تكلفة انتاج المياه وتقليص الاضرار المتعلقة بالتحلية، مشيرا الى ان 97% من المياه التي يتم تحليتها يستخدم مع ضرورة إعادة الطلب على استخدام المياه، لأننا ننفق الكثير من التكاليف على انتاجها، ولكن لا نستخدمها مع تقليل من النفايات.
تكامل مصادر الطاقة
وشدد على اهمية إعادة النظر في إدارة المياه من قبل المؤسسات المختلفة، وأن تكون هناك مؤسسات جديدة ، وأن تكون الحالية اكثر فعالية، وأن نزيد الرقابة عليها، وأن يكون هناك تكامل بين مصادر الطاقة المختلفة ومنها المياه.
وقال يمكننا في أجزاء كثيرة من العالم ان نبني المزيد من البنى التحتية ونقل المياه من منطقة لأخرى، وأن نبني السدود الكبيرة وانشاء خزانات كبيرة لتخزين المياه في اوقات الجفاف مثلما يحدث في سنغافورة وكاليفورنيا، ويمكن كذلك ترشيد استخدام المياه في الصناعة، حيث هناك مصانع كالحديد تحتاج الى كميات مياه ضخمة جدا.
وأضاف ان الولايات المتحدة استطاعت تحسين مستوى استخدام المياه بشكل كفوء، مشيرا الى أنه مع النمو السكاني لم يعد هناك طلب متزايد على المياه، وتم توجيه المياه لاستخدامها في الزراعة والصناعة، وتم تقليل استخدام المياه في الصناعات التي تستهلك كميات كبيرة من المياه، وتستهلك اميركا حاليا كميات اقل من تلك التي كانت تستهلكها قبل 30 او 40 عاما مضت، نظرا لكفاءة استخدام المياه.
واشار الى ان المياه من المصادر القابلة للتجدد، ولكن هناك بعض مصادر المياه غير القابلة للتجدد مثل المياه الجوفية، ويصبح من الصعب الحصول عليها، ولذا يجب التفكير في الاستخدام المستدام للمياه من المصادر المتجددة.
المياه المحلاة
وقال ان المياه المنتجة من تحلية مياه البحر تعد من انقى المياه على الكرة الارضية وآمنة جدا، ولكن المشكلة في احتياجها الى كميات كبيرة من الطاقة من الوقود الاحفوري، بالاضافة الى التخلص من الاملاح الناتجة عن عملية التحلية وهذه عملية مكلفة جدا.
وقال ان الامارات من المناطق التي لا توجد بها مصادر كثيرة للمياه، ومع تصاعد الحاجة للمياة المحلاة المرتفعة التكلفة يمكن اللجوء الى استخدام المياه المعالجة لري الحدائق وهي اقل تكلفة في انتاجها.
تسعير عادل للمياه
واشار الى ان الدول عليها ان تقوم بفرض تسعيرة عادلة للمياه، وأن يكون السعر مناسبا وفي كثير من مناطق العالم المياه غير مكلفة وتباع بأسعار مخفضة للمستهلكين، مما يجعلهم يفرطون في استخدامها، لذا من الاهمية بمكان تسعير المياه بشكل يحافظ على عدم الافراط فيها وزيادة استهلاكها دون مبرر .
وأوضح ان المياه مصدر عالمي وهناك بعض الدول تعتمد على نقل المياه من دول اخرى مثل سنغافورة التي تقوم باستيراد المياه من ماليزيا، ويمكن ان يتم النقل اذا كانت لمسافات قصيرة، لأنها مكلفة جدا على الرغم من ان المياه اكثر غنى وثراء من الوقود، ولكن لا يمكن نقل المياه من النرويج او كندا، لأنها مكلفة ومن الأجدى بناء محطات تحلية .
توزيع سيئ
وقال ان كلاً من النفط والمياه يتوزعان توزيعا سيئا في العالم، ولكن الاستخدام السيئ للنفط يكون اعلى من المياه لوجود بدائل اخرى للطاقة وانتقاله بسهولة بين مناطق العالم، ولكن لا يوجد بديل للمياه ولا يوجد ما نروي به الارض غير المياه وهي بطبيعتها نادرة ومن هنا تأتي اهميتها مقارنة بالنفط. واكد ان مشكلة المياه حقيقية وفي وضع سيئ، وهناك اعباء وتكاليف سياسية وبشرية وبيئية في حال عدم قيامنا بإجراءات لمواجهة التحديات التي تنجم عن ذلك على الصعيد السياسي والمشاكل التي تلحق بصحة الانسان، مشيرا الى ان هناك اشياء ايجابية تتمثل قي استخدام التقنيات الحديثة لاستخدامها والتفكير في الاستهلاك الافضل للمياه.
إعجاب بمدينة مصدر
وأخيرا اعرب بيتر غليك عن سعادته وإعجابه بما شاهده في مدينة مصدر التي وصفها بالمتميزة على المستوى الصناعي والمؤسساتي في تطبيق التقنية الذكية لاستخدام المياه، وهي مثال واضح للتفكير في الطاقة المتجددة التي تستخدم مياهاً أقل.
الإدارة الذكية للمياه
واقترح الدكتور بتير غليك عددا من الرؤى لاستخدام المياه العذبة في ظل المشاكل التي يعاني منها العالم في استخدامه للمياه، ومنها إعادة النظر في عرض المياه من خلال الادارة الذكية لموارد المياه ومعالجة المياه واعادة استخدامها، والتي تعد واحداً من المصادر التي تشتهر بها المنطقة، وعلينا استخدام طرق لتقليل تكلفة انتاج المياه وتقليص الاضرار المتعلقة بالتحلية، مشيرا الى ان 97% من المياه التي يتم تحليتها يستخدم مع ضرورة إعادة الطلب على استخدام المياه، لأننا ننفق الكثير من التكاليف على انتاجها، ولكن لا نستخدمها مع تقليل من النفايات.

