على الرغم من أن الرحم ليس مهما للحياة إلا أن القدرة على الإنجاب لها أهمية من الناحية الاجتماعية والنفسية، فكثير من حالات الطلاق وقعت بسبب عدم قدرة المرأة على الإنجاب نتيجة لاستئصال الرحم لأي سبب طبي كان أو نتيجة لوجود عيوب في الرحم لا تمكنه من القيام بدور الحاضن الطبيعي للجنين. ورغم الانجازات الكبيرة والقفزات النوعية التي حققها الطب الحديث خلال السنوات العشر الماضية ومنها زراعة القلب والكبد وحتى الرئتين وظهور تقنيات لعلاج الأمراض الخطيرة المستعصية مثل بعض أنواع السرطانات عن طريق الخلايا الجذعية إلا أن محاولات زراعة الرحم وحل مشكلة مئات الآلاف من النساء حول العالم اللواتي حرمن من نعمة الإنجاب باءت جميعها بالفشل.
بعض المراكز الطبية في بعض الدول الاسيوية راحت مؤخرا تروج عبر بعض المواقع الالكترونية لنجاح مثل هذا النوع من العمليات، مقابل مبالغ طائلة مستغلة بذلك حاجة الأزواج وتحديدا الزوجات لإنجاب ما يوصف بزينة الحياة الدنيا، وتجنب التفكك الأسري والخلاص من المشكلات الاجتماعية والتخلص من عقدة الذنب التي ترافق المرأة العاقر طوال حياتها.
محفوفة بالمخاطر
الدكتورة حسنية قرقاش استشارية أمراض النساء والولادة والعقم حذرت من الوقوع في فخ المواقع الالكترونية والانصياع وراء مثل الشائعات قائلة أنه لم تجر أية عملية من هذا النوع في الدولة، وأن "جميع المحاولات التي تمت لغاية الآن لزراعة الرحم على مستوى العالم لم تنجح بعد، وقد جرت العديد من العمليات ومنها عملية في السعودية عام 2000 وتم آنذاك الحصول على الرحم من متبرعة حية، واضطر الأطباء إلى إزالة الرحم من جسم المرأة المتلقية بعد ثلاثة أشهر بسبب تخثرات في الأوعية الدموية، وجميع التجارب العالمية الجارية منذ أكثر من عقد لزراعة الرحم سواء من الأحياء أو الأموات من المتبرعات من النساء لم تنجح، مشيرة إلى أن هذا النوع من العمليات ما زال محفوفا بالمخاطر أسوة بأي من عمليات زراعة الأعضاء، سواء كانت المخاطر تلك للعملية الجراحية بذاتها كالتخدير وخطوات الجراحة ومرحلة النقاهة، أو تلك المخاطر المتعلقة بضرورة تناول أدوية تمنع رفض الجسم للرحم المزروع طوال الحياة أو طوال فترة بقاء الرحم في المرأة المتلقية.
وقالت إن زراعة الرحم تعتبر من العمليات الدقيقة والمعقدة لأن الرحم عضو معقد تزوده بالدم 4 شرايين صغيرة جداً بحسب معايير زرع الأعضاء مما يزيد من خطر الإصابة بتخثر الدم، مشيرة إلى أن فشل الزراعة والاضطرار إلى إزالة الرحم المزروع والنجاح في ذلك دون التسبب بأي مشاكل صحية للمرأة، لا يعتبر أمراً مهدداً للحفاظ على حياتها بعد ذلك بخلاف الكبد أو القلب مثلاً، لأن الرحم ببساطة ليس عضواً حيوياً في الجسم، بمعنى أن حياة المرأة لا تعتمد على وجوده وعمله.
أسباب عدة
قال الدكتور سمير صوالحة استشاري أمراض النساء والعقم وعضو المجلس الأوروبي لجراحة المناظير، إن فقدان الرحم يحدث لأسباب عدة منها استئصال الرحم جراء نزيف حاد تعرضت له المرأة بعد الولادة، أو نتيجة تليف، أو من الممكن أن يكون سرطاناً في الرحم أو في عنق الرحم، أو عيوباً خلقية تمنع الحمل. وقال إن عملية زراعة الرحم لا تجري بطريقة روتينية وقد أجريت مرة واحدة لسيدة خسرت رحمها بعد نزيف حاد جراء ولادتها، حيث تبرعت لها إحدى قريباتها برحمها. واعتبر صوالحة أن زراعة الرحم تتطلب دقة كبيرة كون الرحم هو أكثر الأعضاء المحتوية على شرايين، كما أنه عضو معقد فالدورة الدموية خلال الحمل تصل إلى الرحم بخمس أو ست مرات أكثر من بقية أعضاء الجسم، وبالتالي هو عضو حساس
وأشار إلى أن الدراسات التي تتم في أميركا مازالت تقام على الحيوانات وقد نجحت كزراعة ولكن لم يتم الحمل بعد، موضحاً أنه من الناحية النظرية أن الحمل لا يجب أن يكون طبيعياً بل يجب أن يتم اللجوء إلى طفل الأنبوب، وذلك للتحكم في مسألة الحمل بالهرمونات.
وقال صوالحة بعد زراعة الرحم في حال قدر لذلك النجاح، من الممكن أن تعيش المرأة حياتها الطبيعية، ومن المفترض أن تعود الدورة الشهرية إليها طالما أن عمل المبايض طبيعي. أما من الناحية التقنية فلفت صوالحة إلى انه ليس هناك تأكيد على نتيجة هذه الزراعة، وأتوقع ان الدراسات ستأخذ الكثير من السنوات، وهناك الكثير من التساؤلات اليوم حول نوعية الأدوية التي يجب أن تُعطى للأم، وهل من الممكن أن يتمكن الرحم من حمل الجنين تسعة أشهر؟ علماً بأنه من المفترض إن تم الحمل أن تكون الولادة قيصرية وبعدها يتم استئصال الرحم المزروع لأنه لا يمكن تركه بعد الولادة.
وحول ما تردد من اخبار حول نجاحة اطباء اتراك في زراعة الرحم قال: علينا ان ننتظر لان المهم في العملية ليس زراعة الرحم وانما الحمل والانجاب.
الفقه والزراعة
أجاز مجمع الفقه الإسلامي عملية زراعة الرحم في حال توفر المتبرعة للمرأة التي فقدت رحمها أو القدرة على الإنجاب وقد نص القرار على أن "زرع بعض أعضاء الجهاز التناسلي التي لا تنقل الصفات الوراثية ـ ما عدا العورات المغلظة ـ جائز لضرورة مشروعة، ووفق الضوابط والمعايير الشرعية" والرحم لا يحمل شيئاً من الصفات الوراثية التي يخشى انتقالها للمنقولة إليها، وإنما هو عبارة عن وعاء ينمو فيه الجنين.

