الماضي يلاحقه ويضيق الخناق عليه، ولم يعد يستطيع الفرار منه.
إنها غلطة وحيدة اقترفها في لحظة طيش، غير أنها ظلت تلاحقه وتشعل النيران في أعماقه. القلق يطبق عليه الخوف مع اقتراب موعد الفحص الخاص بالزواج، قلق استحضر تلك المحطة الآثمة التي قاده إليها أحد أصدقائه في إحدى السفريات والتي لا شك قد طواها النسيان لدى الجميع إلا هو.
كان يرتجف كل ليلة أمام هذا الكم الكبير من المعلومات التي بدأت يقرأها عبر الكمبيوتر الخاص به عن مرض العصر الفتاك الذي حير العلماء والأطباء وعجز الجميع عن ايجاد العلاجات الناجعة له. كانت تلك المعلومات كفيلة بتحريك كل كوامن الرعب والخوف لديه وان تدفعه للعزلة ولمقاومة هذا الصوت الذي أصبح يتردد داخله بيقين عن احتمالية إصابته بهذا المرض اللعين المسمى الإيدز.
كان يرى أعراض المرض التي قرأها كلها على جسده الذي بدا مع الأيام نحيلًا هزيلاً منطوياً كلما اقترب موعد الفرح. تفجرت الخلافات مع خطيبته وأسرته نتيجة هذا الوجوم المفاجئ والعزلة المفاجئة وعدم التركيز في متطلبات الفرح، ظن أهله أن سوءاً ما قد أصابه وعرضوا عليه الذهاب إلى الطبيب إلا انه رفض ذلك تماماً وتحجج بأن انشغاله بالتحضير للفرح وراء هذه الحالة التي هو عليها، إلا أن كل تلك الحجج والمبررات لم تخف هذا الفزع الذي بدأ يسري في أعماقه. لاحظ ذلك أخوه الذي ما أن وطئت قدماه المنزل حتى راحت الأم تحدثه عن حالته أخيه وانطوائه على نفسه طيلة الأيام الماضية، فحاول معرفة سبب تلك الحالة المفاجئة على أخيه إلا أنه لم ينجح طيلة ايام العطلة الأسبوعية التي قضاها مع الأهل قبل أن يعود إلى عمله.
استبد القلق بالجميع خاصة خطيبته وأهلها وظنوا أنه ربما يرغب في فسخ تلك الخطبة وهو ما واجهته به خطيبته إلا انها لم تحصل على إجابة تقضي بها على هواجس الشك التي بدأت تتردد داخل الجميع. يومان فقط على اجراء هذا الفحص كان لا يسمع إلا صوتاً واحداً يزلزل كيانه كهزيم الرعود، هو الصوت الكامن داخله والذي قد يفتك به في أية لحظة، صوت الفضيحة التي تنتظره وتنظر أسرته بالكامل.
في صباح تلك الليلة تناول الافطار بعد إلحاح من والدته خاصة انه سيذهب لمركز رأس الخيمة الصحي لإجراء الفحص، إلا انه حمد الله انها لم تلاحظه، في الطريق إلى هناك بدأت يدعو ربه ويتضرع إليه ويطلب منه الستر.
وهو في الطريق إلى البيت غير وجهته فجأة إلى مكان على شاطئ البحر كلما ارتاده بصحبة أصدقائه، كاد قلبه يسقط حينما رن هاتفه، حيث كان يتصور أن أحداً ما سيتصل به في أية لحظة لإبلاغه بالخبر المشؤوم.
بعد مرور أسبوع وفي الثامنة صباحاً كان صوت خطيبته عبر الهاتف يبارك له النتيجة الرائعة للفحص الطبي وخلوهما من أي أمراض، سقط الهاتف من يده، وأخذ يصرخ ويثور ثم يلهج بالحمد والثناء لله الذي ستره.
كانت غلطة واحدة، لكنها ظلت تلاحقه ولولا رحمة الخالق وغفرانه، لأودت به إلى الموت المحقق مصاباً بمرض العصر، أو إلى الجنون.