«أبو البنات».. وصمة اجتماعية للرجل الذي لم يحظ بنعمة إنجاب الذكور، في بعض الطبقات الاجتماعية، التي مازالت تحتفي بالولد، و مما يجعلها واحدة من المشكلات التي تنذر بعواقب جسيمة، غير أن التقدم الطبي قد جعل هذه المشكلة، سهلة الحل، وقابلة للتلافي، مع توفر وسائل تحديد جنس الجنين، وهي خدمة طبية تتوفر في مؤسسات الدولة العلاجية، وتحقق - حسبما يقول الأطباء - نسبة نجاح تصل إلى 99.5%، وهي فضلاً عن ذلك، ليست مرتفعة التكلفة، إذ تتراوح أسعارها ما بين سبعة آلاف في القطاع الحكومي وخمسة عشر ألف درهم في القطاع الخاص. ويجري مركز دبي للأمراض النسائية والإخصاب، نحو 120 حالة سنوياً لتحديد جنس الجنين، وذلك وفق الضوابط التي ينص عليها القانون الاتحادي في هذا الشأن.

 

الضمير

لا يرى دمرداش المستشار القانوني في مكتب كلداري للمحاماة أي حرج في تعميم فكرة ان معظم مراكز الإخصاب في القطاع الخاص في الدول العربية لا تفرق بين الحلال والحرام، وبالتالي تبقى عمليات التلاعب بالجنس مقابل الإغراءات المالية وإمكانيات التلاعب بالأنساب قائمة، خاصة إذا تركت بلا رقابة قانونية صارمة وملاحقة بعض المراكز، ومتابعتها ومراقبتها مراقبة دقيقة.

ويؤكد حسين دمرداش أن قانون مراكز الإخصاب في الإمارات رقم 11 لسنة 2008 حدد شروط ترخيص المراكز، وكذلك اللائحة التنفيذية، لكن للأسف لم يتدخل في عملية الضمير، وما يحدث داخل بعض المراكز قد يكون ادهى وأمرّ من عمليات تحديد جنس الجنين.

 

أهمية كبرى

الدكتورة عواطف البحر، استشارية أمراض النساء والولادة والإخصاب والمدير الطبي لمركز دبي للأمراض النسائية والإخصاب، أكدت لـ«البيان» أن المركز ملتزم تماماً بتطبيق قانون الدولة في ما يتعلق بتحديد جنس الجنين، وهو قانون يراعي الجوانب الشرعية، وعادات وتقاليد المجتمع. وذكرت أن «تطبيق هذه التقنية يتوقف على وضع الأسرة، فإذا ما كانت تعاني نقصاً في أحد الجنسين، تتم تلبية طلبها، أما إذا كان الطلب إنجاب ذكور وفي الأسرة ذكور، فيتم الرفض». وأشارت إلى أن تقنية تحديد جنس الجنين تكتسب أهمية كبرى في الوقاية من بعض الأمراض الوراثية، فربما تظهر أمراض في أحد الجنسين، ولا تظهر في الآخر، لذلك يتم تحديد جنس الجنين، تجنباً لإنجاب طفل مريض.

وقالت انه في الكثير من الحالات تحمل الزوجة كل عام سعياً لإنجاب ذكر أو أنثى، ما يحمّل الأم عبء الحمل المتكرر، والتعرّض لجراحات الولادة، وبالتالي فإن عمليات تحديد جنس الجنين لبعض الحالات جاءت للتخفيف عن الزوجة، خاصة في حال كان لدى العائلة أربعة أو خمسة أطفال من نفس الجنس.

 

شروط وضوابط

وتضيف «يقوم المركز شهريا بعمل 8 ـ 10 حالات لتحديد جنس الجنين، أي بمعدل يتراوح بين 96 ـ 120 حالة سنويا، كلها لحالات لديها مشاكل تتعلق بالإنجاب، سواء كان ذلك في إنجاب الذكور دون الإناث أو العكس أو أمراض جينية او أسباب أخرى، منها مرض أي من الزوجين ووجود موانع تعيق من الحمل مستقبلا. وتستطرد الدكتورة عواطف قائلة ان العملية لدينا ليست في غاية السهولة كما يتصورها البعض، بل ان هناك ضوابط وشروطاً لتحديد جنس الجنين يجب توافرها قبل البدء بعملية تحديد جنس الجنين، ومنها مثلا أن يكون لدى الأسرة أربعة او خمسة ذكور وترغب في أنثى أو العكس، أو ان يكون لدى الزوج او الزوجة أمراض مثل الأمراض السرطانية تعيق عملية الحمل وتؤثر على عدد الحيوانات المنوية، .

 

إقبال واسع

 

الدكتورة هنا زاهيد اختصاصية أمراض النساء والولادة والعقم في المركز ان عمليات تحديد جنس الجنين تتم عن طريق تقنية يطلق عليها تقنية «بي جي دي» (p g d)، وتستخدم في الأصل لفحص الكروموزومات، وفحص الأمراض الوراثية لتجنبها والكشف عن أي تشوهات أو عيوب خلقية، ومن خلالها يمكن معرفة نوع الجنين في مرحلة النطفة قبل وضعها في رحم الأم، ثم يستبعد الكروموزوم x الذي يدل على أنه أنثى، ويبقى على الكروموزوم y، لأنه ذكر، ومن خلال ذلك يتم التحكم في نوع الجنين، وقد حققت هذه الطريقة نسبة نجاح عالية في الوصول إلى الجنس المطلوب.

ولاحظت أن الإقبال كبير من مختلف الجنسيات، لكن النسبة العليا هي للآسيويين والغربيين.

وأشارت إلى أن الاعتقاد السائد أن العرب هم الأكثر إقبالاً على اختيار الذكور اعتقاد خاطئ، إذ يُقبل العديد من العرب على إنجاب الإناث، والأمر يتوقف على توازن الأسرة، فإذا كان هناك نقص في الإناث يطلب الزوج أن يكون الجنين المقبل أنثى، والحال نفسها مع الذكور.

 

مشاكل أكبر

ويقول الدكتور سمير صوالحة انه في الدول الأجنبية لاتوجد ضوابط لتحديد جنس الجنين كما هو الحال في الدول العربية، ولكن هناك بشكل عام الكثير من المخالفات التي قد تحدث بعيدا عن اختيار الجنس ومن تلك المخالفات إرجاع عدد كبير من الأجنّة لضمان فرص أكبر لحدوث الحمل! ومن ثم التخلص من الأجنة الزائدة، أو إعطاء هرمونات كثيرة قد تسبب الحساسية، بل حتى الوفاة، أو التسبب في اختلاط الأنساب باستعمال حيوانات منوية أو بويضات من طرف ثالث غير الزوج والزوجة، لذلك لا بد من مراقبة عمل مراكز الإخصاب مراقبة شديدة.

واوضح الدكتور أمين الأميري، وكيل وزارة الصحة المساعد للممارسات الطبية والتراخيص ان الوزارة تراعي عند إنشاء مراكز الإخصاب في القطاع الخاص ضمن المنشآت الصحية الخاصة الالتزام باللائحة التنفيذية لقانون الإخصاب، مشيرا إلى أن عدم الالتزام بمواد قانون الإخصاب يعد مخالفة كبرى، تستوجب توقيع عقوبات مشدّدة على الطبيب بسحب ترخيص مزاولة المهنة، ومنعه من العمل نهائياً في الدولة، إضافة إلى إغلاق المنشأة المخالفة. وقال إن اللائحة التنفيذية للقانون الاتحادي رقم 11 لسنة 2008 في شأن ترخيص مراكز الإخصاب في الدولة، أوضحت كل الأمور المتعلقة بممارسة هذا العمل، لافتا إلى أن المادة رقم 20 من اللائحة التنفيذية توضح مؤشرات ومعايير تقييم أداء مراكز الإخصاب، ومنها مدى توافر الكوادر الطبية والفنية والإدارية، ومستوى جودة التعقيم والتطهير، ومدى سلامة حفظ البويضات غير الملقحة والحيوانات المنوية.

 

 

 

رأي

دار الإفتاء في دبي: مباحة لولا كشفها عن العورة

 

رأت دار الإفتاء في دبي انه لا بأس على المسلم شرعاً أن يسعى لاختيار جنس مولوده ذكرا أو أنثى بالطرق المباحة شرعاً، كتناول الأم لبعض المأكولات مثلاً؛ فثمة آراء لأطباء قدامى تدعمها أبحاث لأطباء معاصرين تشير إلى أن ذلك قد يكون له أثر في اختيار جنس المولود.

وجاء في رأي دار الإفتاء «أما اختيار جنس الجنين في عصرنا هذا فإنه يتم عن طريق فصل الحيوان المنوي قبل تلقيح البويضة. وإجراء مثل هذه العملية، الذي يظهر لنا أنه مباح شرعاً لولا أنها لا تتم إلا بالكشف عن العورة لغير ضرورة، فإن كان الذي يجري العملية هو الزوج نفسه فلا مانع منها. وقد عرضت هذه المسألة على المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثامنة عشرة، فلم يخرج منها برأي موحد، بل أجل دراستها لمستقبل دوراته، وذلك لدقتها وكثرة تفاصيلها».

ونصحت دار الإفتاء بأن يترك الإنسان الاختيار جملة في كل ما يمكن حصوله دون تدخل منه ولا اختيار؛ وعليه أن يرضى بما قسم الله تعالى له، فذلك هو التفويض الذي يجلب للقلب الطمأنينة ويبعد عنه القلق والاضطراب؛ وأن يسأل الله تعالى الذرية الطيبة، فقد يكون في الأنثى أضعاف ما في الذكر من الخير، وقد يكون العكس؛ قال الله تعالى «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ». (القصص:68)

وقال الله تعالى: «لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ» (الشورى: 49 ـ 50)

وفي الحكم: «أرح نفسك من التدبير فما قام به غيرك عنك لا تقم به أنت لنفسك» والله تعالى أعلم. (تقنيات المساعدة)

 

جدل

فوضى محتملة

 

السؤال المشروع حول عملية تحديد جنس الجنين يتحول إلى كارثة عندما نكتشف انقساما في الرأي، يترك حالة من الفوضى العارمة على مستوى العالم العربي بأسره.

فقد أفتى مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ بحرمة التحكم في جنس الجنين، معتبرا ذلك ضربا من العبث الذي سيؤدي في النهاية إلى «وأد البنات» والإخلال بالتوازن البشري الذي أراده الله لتعمير الكون.

ومن جانبها اعتبرت دار الإفتاء المصرية الحكم الشرعي لاختيار نوع الجنين هو الإباحة، وهو الأصل في الأشياء، ولا تحريم إلا بنص. كما أن سعي الأسرة لإنجاب طفل من جنس بعينه مشروع لحل المشكلات النفسية والاجتماعية لكثير من الأسر التي رزقها الله بالبنات دون البنين، أو الأسرة التي ترغب في إنجاب بنت بعد أن رزقت بالذكور، وليس ذلك تغييرا لخلق الله.

وعلى الجانب الآخر تماما تقف الدكتورة منال التهتموني الناشطة في حقوق المرأة ومسؤولة معهد العناية بصحة الأسرة في مؤسسة نور الحسين في الأردن، رافضة أن يتم اختيار جنس الجنين في المجتمع الذكوري وفق ضوابط اجتماعية، بل تعتبر ذلك تمييزا بين الجنس البشري على أساس جندري ويجب أن تحرم من الناحية القانونية والدينية، وتقول هذا «وأد للأنثى حتى وهي جنين»، ومنظمات حقوق الإنسان تغفل عن هذه القضية، والطامة الكبرى، كما تصفها التهتموني، أن هذه القضية أصبحت تجارة، حيث يقوم الطبيب بنشر الإعلانات في الصحف علناً.