دخلت دولة الإمارات في سباق لا هوادة فيه مع كل من روسيا والبرازيل وتركيا وتايلاند على الفوز باستضافة دورة العام 2020 من معرض إكسبو العالمي، وقد لمس صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ــ رعاه الله ـــ كبد الحقيقة باعطاء توجيهاته بتشكيل جهاز تنفيذي للمنافسة دوليا على استضافة معرض إكسبو العالمي 2020 تحت شعار «تواصل.. لخلق مستقبل أفضل»، إذ تدور رحى المنافسة على الفوز بما درج على تسميته مجازا بالجائزة العالمية الكبرى أو جائزة الجوائز التي تكون في الغالب من نصيب الدول التي تركت بصمات واضحة على مسيرة التطور الإنساني من خلال تقديم مساهمات بالغة الـتأثر على مختلف جوانب الحياة الإنسانية بمختلف أبعادها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.. الخ.
ويحقق الفوز بهذه الجائزة حزمة مردودات وعوائد غير محصورة على الجانب الاقتصادي والتجاري بالمعنى الضيق، بل يتسع نطاقها ليشمل مردودات وفوائد منظورة وأخرى غير منظورة تتعلق في محصلتها النهائية باعتبارات «المكانة» «الدور» العالميين، وتسمو هذه القيم على ما دونها من أهداف اقتصادية وتجارية، حيث يكون لها أهمية بالغة خاصة للدول التي تنشد الحصول على إقرار دولي بمنجزاتها وإسهاماتها، ورغم تعدد أشكل هذا الإقرار، إلا أن الفوز باستضافة معرض إكسبو العالمي يمثل الشكل الأكثر تواترا في تجارب الأمم والشعوب.
وحاز معرض إكسبو العالمي أو الجائزة الكبرى ـــ إذا ما صح التعبير ـــ على مسميات متعددة تعكس مكانته المتميزة كشكل من أشكال الدبلوماسية التجارية في العلاقات الدولية، منها المعرض العالمي، ومعرض العالم، والمعرض الكوني، ورغم تعدد ألقابه ومسمياته، إلا أن مضمونه يتمحور حول تنظيم معارض ضخمة في مختلف أنحاء العالم، وتشير الأدبيات إلى أن معرض أكسبو العالمي كان يلقب باسم «المعرض العظيم» عندما تم تنظيمه للمرة الأولى في عام 1851 بقصر كريستال بالاس في حديقة الهايد بارك بالعاصمة البريطانية لندن.
وحمل آنذاك اسم «المعرض العظيم للمنتجات الصناعية لكافة الأمم»، ومنذ هذا التاريخ، كان اسم «المعرض العظيم» الأكثر استخداماً وشيوعاً، وهي تسمية يعود منبتها إلى الأمير ألبرت زوج الملكة فيكتوريا الذي ولد في 26 أغسطس 1819 وتوفي في 14 ديسمبر 1861،ومثل المعرض حينذاك أول معرض دولي للمنتجات المصنعة، وقد ترك تأثيرات وبصمات على مختلف جوانب المجتمع البريطاني آنذاك، بما في ذلك الفنون والتعليم والتصميم والتجارة والعلاقات الدولية والتجارية، وفي مرحلة لاحقة، جرى تسمية معرض إكسبو العالمي باسم «معارض العالم» وهي تسمية مازالت مستخدمة حتى الوقت الراهن.
فارقة في التطور
وتكمن جاذبية معرض أكسبو بالنسبة لدولة الإمارات أسوة بالدول الأخرى سواء الفائزة أو المرشحة، في كون دورات هذا المعرض تشكل فارقة في تاريخ تطور الدول المستضيفة، وهناك أمثلة عديدة مستقاة من تجارب الدول تؤكد أن التوجه نحو تنظيم مثل هذه المعارض أرتبط عادة باعتبارات المكانة والمنافسة، إذ أرادت بريطانيا من وراء تنظيمها «المعرض العظيم للمنتجات الصناعية لكافة الأمم» أن تطلق رسالة إلى مختلف الأمم والشعوب في العالم بأنها دولة صناعية قائدة ورائدة، ورغم مشاركة العديد من الدول، إلا أن بريطانيا سعت حينذاك إلى إبراز تفوقها ووضعها المهيمن.
وينسحب الوضع ذاته على الولايات المتحدة في استضافتها للمرة الأولى لمعرض أكسبو العالمي في عام 1867، حيث تزامن استضافتها لهذا الحدث مع احتفالها بمرور مئة عام على توقيع إعلان الاستقلال، كما أستضاف معرض أكسبو العالمي لعام 1915 في مدينة كاليفورنيا بغرض تسليط الضوء عالميا على حدث إنجاز مشروع قناة بنما، كذلك الحال استهدفت الصين من استضافتها لمعرض أكسبو 2010 في مدينة شانغهاي أهدافا عديدة من بينها إبراز مكانتها الاقتصادية كلاعب رئيسي في الاقتصاد العالمي.
مراحل تطور معرض أكسبو العالمي
وبطبيعة الحال، ليست الأهداف المرتبطة بالمكانة والدور العالمي هي مجمل الأهداف التي تتطلع إليها الدول من استضافتها لهذا الحدث العالمي، إذ تطورت هذه الأهداف مع المراحل التاريخية لمعرض إكسبو العالمي، حيث يعود منبت معارض أكسبو إلى التقليد الفرنسي بتنظيم معارض وطنية والتي شهدت تطورا ضخما بتنظيم المعرض الفرنسي الصناعي في عام 1844، واحتذت الدول الأوروبية الأخرى بحذو فرنسا في تنظيم معارض وطنية، وأخيرا، تم تنظيم المعرض الحقيقي الدولي الأول في لندن في أول مايو 1851، ومنذ بداية عقد معرض أكسبو الأول، مرت هذه المعارض بثلاث مراحل تاريخية متعاقبة، تميزت فيها كل مرحلة بخصائص متفردة ومتميزة على النحو التالي:
أولاً: المرحلة الصناعية (1851 1938)
عرفت هذه المرحلة من تاريخ أكسبو باسم «الحقبة الصناعية»، وغطت هذه المرحلة الفترة الزمنية المحصورة بين عامي 1800 و1938، وفي غضون هذه الفترة، كانت معارض العالم تركز بشكل جوهري على التجارة، واشتهرت بعرض التطورات والابتكارات التكنولوجية، حيث خدمت كمنصة تعرض أحدث الابتكارات في مجال العلوم والتكنولوجيا من مختلف أنحاء العالم، وشهدت هذه الفترة تنظيم معارض مثلت علامات بارزة في تاريخ معرض أكسبو والتي شكلت الأساس الذي انطلقت منه الشهرة العالمية التي أكتسبها منذ إطلاقه في عام 1851، فعلى سبيل المثال، جرى تنظيم هذه المعارض في لندن عام 1851 وباريس 1889 وشيكاغو 1893 وباريس 1900 وبافلو 1901 وسانت لويس 1904 وسان فرانسيسكو 1915، وشهدت هذه المرحلة العرض الأول لابتكار جهاز التليفون.
ثانيا: مرحلة التبادل الثقافي (1939 1987)
مثل معرض أكسبو الدولي الذي جرى تنظيمه في مدينة نيويورك (1939 1940) علامة فارقة في تطور مسيرة معارض أكسبو، حيث تغيرت محاور ومجالات تركيزه، فمنذ هذا التاريخ وصاعدا، أصبحت معارض العالم تعطي تركيزا قويا لمفاهيم وتعبيرات ذات مدلول ثقافي، وبدأت كذلك في طرح قضايا تتعلق بالإنسانية، كما أضحت أكثر توجها نحو المفاهيم المتعلقة بالمستقبل والأفكار الخيالية، ورغم أن التكنولوجيات والابتكارات ظلت ملمحا بارزا لهذه المعارض، إلا أنها لم تعد الملمح الوحيد المهم.
حيث تم تنظيم معرض نيويورك (1939 1940) تحت مسمى «بناء عالم الغد»، كما تم تنظيم معرض نيويورك (1964 1965) بعنوان «السلام من خلال التفاهم»، كذلك أنعقد معرض مونتريال (1967) تحت مسمى «الإنسان وعالمه»، وشكلت هذه التسميات مؤشرا على التحول الضخم في مسيرة معارض أكسبو حيث أضحت بمثابة ساحة لتقاطع والتقاء الثقافات وتبادل الحلول، وشكل هذا التحول علامة بارزة في تطور معارض أكسبو، ويعد معرض مونتريال (1967) أكثر معارض هذه الحقبة أهمية، فمنذ هذا التاريخ، بدأ المنظومون في إطلاق تسمية «معارض العالم» على معرض أكسبو.
ثالثا: مرحلة بناء العلامات التجارية للأمم والشعوب (1988 حتى الوقت الحالي)
بدءا من أكسبو 1988 الذي عقد في مدينة بريسبان الاسترالية، شرعت الدول في استخدام معارض العالم على نطاق أكثر اتساعا وقوة كمنصة تسهم في تحسين صورها القومية من خلال أجنحتها المشاركة، وتعتبر معارض أكسبو التي جرى تنظيمها في كل من فنلندا واليابان وكندا وفرنسا وإسبانيا كحالات تعبر عن هذه المرحلة الحيوية من مراحل التطور التاريخي لمعرض أكسبو، وأوضحت دراسة ضخمة أعدها تياكو والفيز بعنوان «معرض أكسبو هانوفر بالأرقام» أن 73% من الدول المشاركة في معرض أكسبو هانوفر 2000 استهدفت بشكل أساسي تحسين صورتها القومية.
وفي عالم اليوم الذي يعد فيه تحسين الصورة القومية أحد الأصول القيمة والثمينة، أضحت الأجنحة المشاركة بمثابة حملات دعائية، وأصبح معرض أكسبو قاطرة بناء العلامة التجارية للدول والأمم، وبمعزل عن الأسباب القيمية والثقافية، تولي الدول والمدن المستضيفة لمعارض أكسبو أولوية كبيرة لمسألة الاستفادة من المعرض في الترويج لعلامتها التجارية، وبحسب دراسة أعدها والي أولينز خبير العلامات التجارية، استخدمت إسبانيا معرض أكسبو 1992 في تسليط الضوء على صورتها الجديدة كدولة ديمقراطية حديثه، وفي تقديم نفسها كعضو بارز في الاتحاد الأوروبية والمجتمع الدولي.
وفي الوقت الحالي، تجسد معارض العالم معالم وعناصر المراحل التاريخية الثلاث، فهي تعرض الابتكارات الجديدة كما أنها تخدم في تسهيل عملية التبادل الثقافي والحضاري، فضلا عن استخدامها من قبل المدن والدول والمناطق في بناء العلامة التجارية.
المعارض الدولية والمتخصصة
المعارض المعترف بها، فهي أصغر في حجمها ونطاقها، كما يستغرق انعقادها فترة قصيرة نسبيا تتراوح بين 3 أسابيع إلى 6 شهور، وفي السابق، كان يطلق على هذه الفئة من المعارض اسم المعارض الدولية أو المعارض المتخصصة، بيد أنه لم تعد تستخدم رسميا هذه المسميات، ويجب إلا تتجاوز المساحة الكلية لهذه الفئة من المعارض 1000 متر مربع، ومن المسموح به فقط تنظيم معرض معترف به خلال الفترة الزمنية الفاصلة بين تواريخ انعقاد دورتين من المعرض الدولي المتخصص .
( ج ) عوائد استضافة الإمارات لدورة معرض إكسبو العالمي 2020
يحقق فوز دولة الإمارات باستضافة دورة معرض أكسبو 2020 فوائد ترتبط بمحاور مختلفة ، تتمثل في التالي:
أولا : التأكيد علي مكانة الدولة كفاعل رئيسي في النظام الاقتصادي الجديد ، حيث تمكنت الدولة على مدار أربعة عقود من بناء نموذج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية يعد فريدا ومتميزا في سياقه الإقليمي ،وتستحق تجربتها المتميزة في التحول إلى مركز مالي وعالمي مرموق على الساحة الدولية أن تعرض بمختلف جوانبها على محفل عالمي ، وبطبيعة الحال ، يعد معرض أكسبو 2020 الساحة المثلى لإظهار جوانب التفوق والتميز في نموذج الإمارات التنموي ، وهو أمر من شأنه أن يطلق رسالة بأن الإمارات قد أصبحت دولة فاعلة إقليميا وعالميا ، وبالتالي ، تجني المكسب الذي جنته دول كثيرة سبقتها في هذا المجال ، وهو الفوز باعتراف دولي بالمكانة الجديدة التي أرتقت إليها على سلم الارتقاء والتطور .
ثانيا : التحفيز على تطعيم نموذج الإمارات في التنمية بمقومات النمو المستدام في المستقبل ، وتتجلى أهمية هذا الهدف في النجاح الذي حققته الدولة في بناء نماذج للمدن العالمية وهي أبو ظبي ودبي ، وذلك استنادا إلى مفاهيم المستقبل التي كانت سائدة في حقبة التسعينات من القرن الماضي.
ثالثا : تقديم خبرة إنسانية متميزة في صهر الشعوب في بوتقة تعايش واحدة ، وتكمن قوة هذه الخبرة في نجاح دولة الإمارات في خلق بيئة تعايش بين ما يزيد على مئتي جنسية في العالم ، تنحدر إلى خلفيات ثقافية ودينية متعددة.
رابعا : عرض مساهمة الدولة في تغيير الموروثات والقيم التقليدية المتعلقة بمزاولة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط ، خصوصا فيما يتصل بالدور التبشيري الذي نهضت به في مجال إرساء بيئة أعمال تتماشى مع أفضل الممارسات الدولية ، وهي في هذا المجال لعبت دورا في قوة التغيير ضد الممارسات التقليدية في مزاولة الأعمال من خلال دعمها المتواصل للقيم والأفكار الجديدة المتعلقة بالحوكمة والشفافية والإفصاح .
خامسا : تحقيق عوائد تجارية واقتصادية: رغم أن العوائد التجارية ليست في منزلة الأهداف والقيم المرتبطة بالمكانة ، إلا أن بعض تجارب استضافة مثل هذا الحدث العالمي أظهرت أن هناك مردودا اقتصاديا بالإمكان تحقيقه ، وهو ما تجلى في حالة استضافة الصين لدورة أكسبو 2010 ، حيث تزايد أعداد الزوار بشكل مضطرد على مدار دورات معارض أكسبو ، حيث وصل عدد الزوار في معرض أكسبو أوساكا الذي جرى تنظيمه في اليابان في عام 1970 إلى حوالي 64.2 مليون زائر ، وأرتفع هذا الرقم في معرض أكسبو شنغهاي 2010 إلى 73 مليون زائر ، إلى جانب مشاركة 250 دولة ومنظمة دولية ، ويشكل هذا الحجم الضخم من المشاركة قوة داعمة لاقتصاد الإمارات من خلال إنعاش قطاعات السياحة والضيافة والعقارات ، ومع استمرار الدولة في إتباع استراتيجية التنويع الاقتصادي بعيدا عن النفط .
وأخيرا وليس آخرا ، فأن تقدم دولة الإمارات بطلب استضافة معرض أكسبو 2020 يحقق لها مكسبا على صعيد تدعيم صورتها وسمعتها كدولة تنتهج نهج الدول المتقدمة التي تخطط لعقود قادمة ، رغم كونها تنتمي جغرافيا إلى منطقة لم تألف أغلب دولها مسألة التفكير المستقبلي.
