قبل عشر سنوات، مر احد المواطنين في معاناة من أجل ايجاد اجابة لتصرفات ابنه غير المفهومة، وأثناء قيامه في رحلة سياحية إلى سنغافورة مع عائلته، وأثناء تجوله لفت نظره منشور دعائي يوزع ضمن حملة للتوعية باضطراب التوحد. وكانت تلك بداية تعرفه على التوحد. عند عودته إلى دبي، بدأ على الفور بالبحث عن الخدمات المتخصصة التي تقدم للأطفال المصابين بالتوحد، ولكنه لم يجد!
وهكذا بدأ حملته في تبني قضية التوحد وتكريس خبرته ووقته في لقاءات مع المسؤولين الحكوميين سعياً من أجل الحصول على الحقوق الخدمية للأطفال المصابين بالتوحد. وبالفعل، تكللت جهوده أخيراً بالنجاح في عام 2001 بحصوله على مرسوم يقضي بافتتاح مركز متخصص لتأهيل الأطفال المصابين بالتوحد تحت مسمى مركز دبي للتوحد. تجربته الشخصية كأب لطفل مصاب بالتوحد كانت هي الدافع الأساسي له للعمل دون كلل أو ملل للتغلب على الصعوبات التي بدت بلا نهاية من أجل التعرف على المزيد من المعلومات حول اضطراب التوحد وذلك لمساعدة الأسر الأخرى التي لها نفس الوضع. وبنفس روح العزيمة وحب العطاء انطلق وموظفو المركز وأعضاء مجلس إدارة المركز في المضي قدماً بتقديم أفضل الخدمات المتخصصة للأطفال الذين تم تشخيصهم بالتوحد في دولة الإمارات.
أنشئ مركز دبي للتوحد كمركز خيري متخصص بمرسوم من المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم طيب الله ثراه في دبي بتاريخ 18 نوفمبر 2001، انطلاقا من رسالة الإسلام السماوية الخالدة وتحقيقاً لأهدافه الإنسانية النبيلة وتجسيداً لقيم ومعاني التكافل والتآزر والترابط، يقدم المركز خدماته المتخصصة المتنوعة للأطفال المصابين بالتوحد ضمن الفئة العمرية من سنتين إلى عشر سنوات وقد حمل المركز على عاتقه رسالة دمج الأطفال المصابين بالتوحد في المجتمع بنجاح من خلال تقديم البرامج العلاجية الفعالة بطريقة شمولية وتركيز جهودنا لخلق وعي مجتمعي باضطراب التوحد.
ويقدم مركز دبي للتوحد خدماته التخصصية للأطفال المصابين باضطراب التوحد، وتشمل هذه الخدمات التشخيص والكشف المبكر، الخدمات التربوية والتعليمية والتأهيلية للأطفال المصابين بالتوحد، وخدمات التطوير والدورات، والخدمات الأسرية.
فريق العمل
يقول محمد العمادي المدير العام وعضو مجلس إدارة مركز دبي للتوحد: "أثمن ما في المركز موظفونا المخلصون الملتزمون الحاملون لقضية التوحد، فريق متنوع، يجمع بين الخبرات والتجارب من مختلف أنحاء العالم. فريق يضم متخصصين في مختلف المجالات التربية الخاصة من معلمي التربية الخاصة واخصائيي النطق واللغة والمعالجين النفسيين والعلاج الطبيعي والإداريين. ويضم المركز نادياً للموظفين لتشجيعهم على الإبداع وبناء فريق من خلال مختلف الأنشطة الاجتماعية والثقافية".
وعن مراحل تطور المركز يقول العمادي: في عام 2001 بدأنا بثلاثة موظفين بجمع معلومات عن اضطراب التوحد تقييم مبدئي للحالات تقديم الإرشاد الأسري مرحلة التقييم وتقديم الاستشارات، وفي المرحلة الثانية (2003) وصل عدد الأطفال إلى 46 طفلا وعدد الموظفين 62 منهم 13 اختصاصيا نفسيا واختصاصية نفسية إكلينيكية واختصاصية نفسية و5 اختصاصيي نطق ولغة و3 اختصاصيي علاج وظيفي واختصاصيان للعلاج الحركي، ويضم المركز 11 فصلا إضافة إلى وحدات متخصصة وكادر تسويقي متخصص وكادر طبي (طبية وممرضة) وكادر إداري متعدد التخصصات.
وحول الخدمات التي يقدمها المركز قال العمادي: "في البداية كان المركز يقوم بتوفير برامج التدخل المبكر الاساسية، وفي عام 2005 حدثت نقلة نوعية نحو تحقيق الأهداف الشاملة والمهمة للمركز. وما يتميز به مركز دبي للتوحد تحقيقاً للفائدة القصوى للاطفال اعتماد اعداد قليلة من الطلاب في الفصول حيث يراعى وجود اربعة طلاب في كل فصل يشرف عليهم معلما تربية خاصة مما يمكن المعلم من تحقيق اهدافه خلال السنة الاكاديمية، ان اتباع تلك النسب تم اعتماداً على ابحاث ودراسات متخصصة واقتداءً بمراكز عالمية تعتمد تلك النسب في توزيع الطلبة على المدرسين".
إنجازات المركز
وحول انجازات المركز يقول محمد العمادي سعى المركز وبخطوات مدروسة لتحقيق الأهداف التي أنشئ من اجلها حيث قام المركز بتحقيق مجموعة من الأهداف تمثلت بإدارة مدرسة تعليمية للأطفال المصابين بالتوحد حيث يقدم المركز خدماته التربوية والتعليمية إلى 46 طفلاً مصاباً بالتوحد، معتمداً على البرامج التربوية العالمية والنسب التي تضمن مخرجات تعليمية متميزة تضم مختلف التخصصات التربوية المساندة وزيادة وعي المجتمع بحاجات الأشخاص الذين يعانون من التوحد وأسرهم ومن يعتني بهم وذلك من خلال الأنشطة والفعاليات التي تتم خلال السنة الأكاديمية وزيادة وعي وكفاءة المتعاملين مع الأشخاص الذين يعانون من التوحد وأسرهم ومن يعتني بهم من خلال عقد ورش العمل والمحاضرات والمؤتمرات التي تسلط الضوء على اضطراب التوحد ومعرفة العلامات التحذيرية والتدخل المبكر وتوفير خدمات التشخيص وتقييم حالات المصابين بالتوحد.
وحدة التعليم
تقول عفاف الحداد عضو لجنة وحدة التعليم تحتوي وحدة التعليم على اكبر عدد من الكادر الوظيفي وتتكون بشكل اساسي من معلمي التربية الخاصة المؤهلين، يتم توزيع الاطفال في الفصول اعتمادا على عمر الطفل ودرجة الاضطراب والقصور اللغوي مراعين النسب العالمية بحيث يضم كل فصل دراسي أربعة أطفال يشرف عليهم تربوياً 2 من معلمي التربية الخاصة تتم متابعتهما من قبل مسؤولة المعلمات.
وحدة خدمة المجتمع
وتقول سارة باقر رئيس وحدة خدمة المجتمع عضو لجنة التشخيص بأن الوحدة تعتبر حلقة الوصل بين المركز واولياء الامور، يتم في البداية الترحيب باولياء الامور الجدد والاستماع الى اهتماماتهم وتلبيتها اعتماداً على سياسات المركز، كما تقوم الوحدة بتنظيم فعاليات داخلية وخارجية لاسر الاطفال الملتحقين بالمركز، كما تسهم في نشر الوعي وتثقيف المجتمع باضطراب التوحد من خلال عقد المحاضرات والندوات وورش العمل، وتضم الوحدة خدمات التشخيص والتدريب والاستشارات الاسرية.
كما تضيف الاستشارية الأسرية مايا حلو بأن احدى المسؤوليات المناطة بتلك الوحدة تقديم الاستشارات التربوية المتخصصة وعقد ورش العمل الدورية لأولياء الأمور ولإخوة وأخوات الأطفال المصابين بالتوحد والتي كان لها مردود ايجابي على تقبل الأطفال من تلك الفئة ودمجهم في محيط العائلة قدر المستطاع.
العلاج النفسي
توضح الأخصائية النفسية الإكلينيكية ارورميلا سنها انه لا توجد دلالات طبية تظهر على المصابين بالتوحد بالتالي لا يوجد فحص طبي لتشخيص التوحد، بل إن معايير تشخيص هذا الاضطراب تعتمد على الجانب السلوكي حيث يتم تشخيص الطفل بناء على السلوكات المطابقة لمعايير تشخيص التوحد، فهناك مجموعة من أدوات التشخيص المعتمد والمتعارف عليها عالمياً يستخدمها المختصون ذوو العلاقة للحصول على تشخيص دقيق للطفل، كما هناك العديد من الصعوبات التي أستطيع القول وبكل ثقة إننا تجاوزناها في مركز دبي للتوحد من خلال التدريب والمتابعة مع المراكز العالمية المعتمدة.
وأوضحت أن عملية تشخيص التوحد تتم من خلال لجنة خاصة بالتشخيص تتكون من كادر مؤهل تأهيلا عاليا يقع على مسؤوليتها تشخيص وتقييم الحالات التي يشك بأنها تعاني من اضطرابات طيف التوحد وتتكون من منسق برامج الأسرة، الأخصائية الإكلينيكية النفسية، الأخصائي النفسي التربوي، وأخصائي العلاج النطقي، وأخصائي العلاج الوظيفي، وأخصائي التربية الخاصة، حيث يمر الطفل بمجموعة من المراحل قبل الحصول على التقرير النهائي مروراً بالمقابلة الأولية حيث يعتمد المركز هنا على أداة مسحية متخصصة قام بتطويرها أعضاء الفريق ومن ثم دراسة حالة معمقة للطفل عن طريق إشراك أولياء أمور الطفل في عملية التشخيص مما يوفر الكثير من المعلومات والملاحظات حول الطفل وسلوكياته .
خدمات مساندة
وتقول هبة قطب رئيس وحدة العلاج الوظيفي والخدمات المساندة بأن رسالة الوحدة هي إظهار الجوانب الإبداعية الكامنة لدى الاطفال المصابين بالتوحد، حيث تم استحداث الوحدة في مارس 2006 كواحدة من الوحدات المهمة في المركز والتي تقدم كما من الخدمات المتنوعة والبرامج العلاجية داخل وخارج المركز على حد سواء. واعتماداً على ان كل طفل او شخص مصاب بالتوحد هو وحدة واحدة بحد ذاته ومختلف عن غيره فقد تبنى المركز اساليب علاجية مختلفة بهدف تحسين مستوى الاداء الوظيفي، تقدم الوحدة خدماتها العلاجية في جلسات فردية وجماعية حسب احتياجات الاطفال.
تضم الوحدة مجموعة من البرامج العلاجية والمتمثلة بالعلاج الوظيفي والعلاج الحركي والعلاج بالموسيقى وخدمات التدريب على الحاسوب والتربية الفنية، اضافة الى ذلك تبنت الوحدة مجموعة من البرامج العلاجية الحديثة مثل العلاج الحسي مع التركيز على البرامج والانشطة الخارجية كالسباحة وركوب الخيل.
وقال الدكتور محمد فتيحة رئيس وحدة النطق والتواصل منسق برامج التدريب إن ضعف التواصل لدى الأطفال المصابين بالتوحد يعتبر من المشكلات الرئيسة والتي تؤثر على نظام التواصل والتفاعل الاجتماعي، وايماناً من مركز دبي للتوحد بأهمية توفير خدمات تربوية متكاملة استحدثت هذه الوحدة في عام 2003 لتشخيص وتقييم وعلاج اضطرابات النطق واللغة والتواصل، فتمثلت رسالتها برفع مستوى القدرات التواصلية للاطفال المصابين بالتوحد، من خلال توفير خدمات العلاج النطقي واللغوي وتعديل البيئة وتدريب وتوعية الآخرين.
ويقول الدكتور فتيحة أن مركز دبي للتوحد أولى ومنذ نشأته اهتماما خاصا ببرامج التدريب والتي لم تقتصر على التعليم المستمر لكادر المركز بل تعدى ذلك العاملين مع أطفال التوحد وأولياء أمورهم والقائمين على رعايتهم في المنطقة، كما تنوعت برامج المركز التدريبية فركزت على الجوانب التربوية ذات العلاقة باضطراب التوحد إضافة إلى البرامج الإدارية والفنية.
وحدة التسويق
وتقول هيولي مراد رئيس وحدة الاتصال والاعمال: برز دور وحدة التسويق في الحملات التوعوية المتميزة التي قامت بها خلال السنوات السابقة والتي كان لها ابرز الاثر في توعية كافة شرائح المجتمع باضطراب التوحد.
تمكن المركز في السنوات القليلة الماضية من تسليط الضوء على اضطراب التوحد، خلال حملاته التوعوية التي تقام سنويا في شهر ابريل، حيث حددت الامم المتحدة الثاني من ابريل من كل عام يوماً للتوعية بهذا الاضطراب، وبهذا استطاع المركز تسليط الضوء على اضطراب التوحد والوصول الى كافة شرائح المجتمع وتعريف اولياء الأمور والقائمين على برامج الرعاية الاولية بماهية هذا الاضطراب.
