ذكرت خطبة الجمعة أمس أن القضاء علامة من علامات نجاح الأمم وتطورها، وسبب من أسباب أمنها واستقرارها، لأنه ملاذ الناس لتحقيق العدالة والفصل في حل النزاعات والحكم بين المتخاصمين.

وأضافت أن الإسلام أولى جانب القضاء أهمية كبرى، وأضفى عليه الهيبة والاحترام، فجعله مقصداً من مقاصد بعثة الأنبياء والمرسلين، قال الله سبحانه: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)، وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز نبيين كريمين كانا يقضيان بين الناس فقال: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين).

وذكرت أنه تأكيداً لذلك فقد أوكل الله عز وجل أمر القضاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليقضي بين الناس فقال تعالى:(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما) وقد امتدح النبي، صلى الله عليه وسلم، القضاة العادلين المقسطين وبشرهم بالقرب من الله سبحانه يوم القيامة، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم :« إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا».

 

القضاء ليس مهنة

وذكرت خطبة الجمعة أن القضاء ليس مهنة يتصدر لها من يحب المنصب، وإنما هو مسؤولية كبرى تتعلق بها حقوق الآخرين، ويحمل القضاء فيها هم المتنازعين وشطط الجهل وعتب المحبين، لأنه يستمد سلطته من شريعة الله تعالى ومن هيبة ولي الأمر رئيس الدولة، وقد احترم الحكام والعلماء والصالحون عبر التاريخ أمر القضاة وكانوا يحتكمون إليهم في المنازعات ولا ينقضون لهم حكما، فهذا سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أمير المؤمنين يتحاكم إلى قاضيه شريح، فيقضي القاضي للخصم لعدم كفاية الأدلة، وينفذ أمير المؤمنين رضي الله عنه الحكم، بل إن أحد حكام بني العباس تقدم مع خصومه إلى قاضي البصرة، فلما رآه القاضي مقبلا أطرق إلى الأرض ولم يقف، فلما انقضى الحكم وقف القاضي وسلم على الحاكم، فقال له: والله لو قمت حين دخلت إليك لعزلتك، ولو لم تقم حين انقضى الحكم لعزلتك.

ونوهت الخطبة إلى أن القضاة بشر يصيبهم ما يصيب باقي الناس من السهو والخطأ، وقد التمس لهم النبي، صلى الله عليه وسلم، العذر في ذلك لبذلهم الوسع في الاجتهاد إذا اجتهدوا، بل وأثابهم على اجتهادهم، فعن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول:« إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر».

 

تحايل المتخاصمين

وأضافت أن تحايل بعض المتخاصمين وقدرتهم على إلقاء الحجج قد يكون سبباً في مجانية الحكم للصواب أحياناً، ولذلك وجه النبي، صلى الله عليه وسلم، الخطاب للمتخاصمين أن يتحروا الأمانة والصدق والوضوح في أقوالهم أمام القضاء، فعن أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال:« إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله، فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها».

وجاء في الخطبة الثانية أن الحكم الذي يصدر من القضاء أمر ملزم يجب احترامه لأنه مستمد من النصوص الشرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية، لكن البعض قد لا يروق له الحكم لهوى في نفسه أو لقلة معرفته بأبعاد الحكم القضائي، فيعمد إلى القدح والذم بدلاً من أن يلجأ إلى الوسائل المشروعة في تدارك الحكم، وهذا مناف لتعاليم الإسلام ونهجه في احترام القضاء قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما).