مرضى يتجرعون الالم في صمت، حيث لا ذنب لهم سوى ما اقترفه اباؤهم من أخطاء سببها العادات والتقاليد، أو السكوت عن المرض من باب العيب، والنتيجة أطفال يخرجون الى الحياة يحملون بين ظهرانيهم آلاما وامالا عراضاً على امل الشفاء، والنتيجة مصاب يعاني المرض ومجتمع يدفع ثمن اخطاء ابنائه، وملايين الدراهم تصرف ليصبح هذا المرض عبئا على صاحبه وعلى مجتمعه، ولكن لا حياة لمن تنادي فعلى الرغم من حملات التوعية والفحوصات الاجبارية لما قبل الزواج الا انه مازال يكتشف بين 10 الى 14 حالة في مركز دبي وحده ناهيك عن المسكوت عنه في باقي امارات الدولة. علما ان الدولة تنفق 940 مليون دولار لعلاج هذا المرض.

البيان ارتأت تسليط الضوء على معاناة مرضى الثلاسيميا للوقوف على لب المشكلة، وعرض ومعرفة سبب الاستمرار بها علما ان نسبة الاصابة انخفضت كثيرا في الدولة من اربع حالات اسبوعيا الى حالة واحدة في الشهر، فعلى الرغم من مرور أكثر من خمس سنوات على صدور قرار الفحص الطبي قبل الزواج وجهود الجهات المعنية في الحد من انتشار مرض الثلاسيميا ورفع نسبة الوعي لدى افراد المجتمع الاماراتي، إلا أننا لم نصل بعد إلى الاهداف المرجوة المتمثلة في اختفاء ظهور حالات جديدة للمرض.

الدكتورة مريم مطر رئيسة مجلس إدارة جمعية الامارات للأمراض الجينية أكدت أن حملة "اماراتنا خالية من الثلاسيميا" التي انطلقت في 2004 إلى 2012 ، اسهمت في خفض اصابة المواليد الجدد بالمرض من اربع حالات في الاسبوع إلى حالة واحدة في الشهر ،لافتة إلى أن نسبة الوعي بمرض الثلاسيميا عام 2004 تقدر بـــ 7% بين الطلبة، وبلغت النسبة 89.7 % عام 2006 ، أي بعد عامين فقط من انطلاق الحملة.

فحص ما قبل الزواج

وقالت إن فحص ما قبل الزواج هو فحص للمقبلين على الزواج لاظهار الامراض المعدية ويتم علاج الطرف المصاب من خلال التحصين واعطائه اللقاح المناسب ومن خلال التثقيف الصحي بالاجراءات الوقائية للمريض وشرح واف للطرفين لكيفية حماية الشخص نفسه من المرض وحماية المجتمع. وأضافت ان فحص ما قبل الزواج أسهم في رفع ونشر الوعي بالنسبة لأهم الامراض الوراثية الاكثر انتشارا في الدولة "أمراض الدم الوراثية" والتي تتمثل في "بيتا ثلاسيميا و الانيميا المنجلية و الفوال الحساسية من البقوليات "، وأتاح للأفراد المقبلين على الزواج معرفة التاريخ الطبي المتوقع للأجيال المقبلة "الابناء" مقدما مع طرق الوقاية والحد من انتشارها في العائلة، إلى جانب معرفة الخدمات الصحية المتوفرة في الدولة أو خارجها من طرق الوقاية المبكرة.

عينة مبكرة

وأشارت الدكتورة مطر إلى أنه خلال فترة 12 اسبوعا من بداية الحمل يتم أخذ عينة من نسيج الجنين وفحصها لمعرفة أن الطفل حامل للمرض أم مصاب، والفرق هنا أن المصاب طفل يحتاج إلى علاج وتكلفته مرتفعة جدا ونقل دم كل ثلاثة اسابيع، أما الحامل للمرض يضمن معرفة حالته الصحية وعندما يقترن بالطرف الاخر يفضل ألا يكون حاملا للمرض، إلى جانب أن الحامل للمرض يعرف كيف يحافظ على النمط الصحي له طوال عمره من خلال الوعي الكافي بالاشياء التي تقلل أعراض الخلل الجيني الذي يحمله.

فقر دم

واشارت إلى أن حاملي مرض الثلاسيميا يعانون فقر دم خفيف وحبة واحدة من فيتامين "الفولك اسيد" تساعدهم على أن تكون لياقة كرات الدم الحمراء لديهم أفضل وبالتالي تكون لياقتهم الصحية افضل ،وبالنسبة للمقبلين على الزواج ويحملون أي مرض من امراض الدم الوراثية " الثلاسيميا الانيميا المنجلية الفوال " ،نقدم لهم شرحا وافيا عن تبعات الزواج والاضرار النفسية والاجتماعية والمادية المترتبة على الاسرة والمجتمع وننصحهم إذا تزوجوا بأن يكون الانجاب تحت اشراف طبي. واشارت الدكتورة مطر إلى أن الفحص الطبي ما قبل الزواج ليس اختراعا جديدا وإنما الكثير من الدول طبقته واستطاعت أن تضمن اجيالا أكثر صحة وسلامة للوطن، وعلى سبيل المثال لم يولد في قبرص خلال 10 سنوات أي طفل مصاب بالثلاسيميا، وذلك بسبب الوعي في المجتمع.

مشكلة الإمارات الشمالية

وأوضحت أنه في الامارات الشمالية الكثير من الشباب يكتبون الكتاب في نفس اسبوع الزواج وهذا يترتب عليه اضرار كبيرة، حيث يعرف الشاب أو الفتاة أن أحدهما حامل لمرض الثلاسيميا بشكل متأخر بعد أن يكون الشاب حجز كل شيء لحفل الزفاف ودفع معظم تكاليف الزفاف.

قانون إلزامية الفحص

وقالت إن الانجازات التي حققتها الجمعية خلال السنوات الماضية، خاصة حملة "اماراتنا خالية من الثلاسيميا" والتي نتج منها اصدار قانون الزامية الفحص الطبي قبل الزواج، الذي يساعد بشكل كبير في الحد من انتشار المرض مستقبلا، إضافة إلى اجراء مسح ميداني لأكثر من 13الف طالب و طالبة للكشف المبكر لامراض الدم الوراثية وتأسيس قاعدة بيانات لأكثر من 11 ألف إماراتي عن أمراض الدم الوراثية الأكثر انتشاراً في الدولة، مشيرة إلى أن دولة الامارات كانت ضمن أول أربع دول في العالم لديها أعلى نسبة اصابة في الثلاسيميا وحاليا بعد نجاح الحملة تراجعت لتصبح ضمن أول عشرين دولة.

الفحص الطبي قبل الزواج تحت المجهر

فمما لا شك فيه أن إلزامية الفحص الطبي حققت نتائج ايجابية تمثلت في زيادة الوعي المجتمعي بخطورة المرض وأبعاده المختلفة، وانخفاض طفيف في عدد المواليد الجدد المصابين بالمرض الذي يمثل مشكلة ، نظرا لارتفاع تكاليف العلاج ناهيك عما يسببه من متاعب والآلام للمرضى ، وما يخلفه من مشاكل أسرية واجتماعية وصلت في بعض الأحيان الى الطلاق ، ناهيك عما يسببه ايضا من خسائر على الصعيد الاقتصادي لتلك الأسر بشكل خاص والدولة بشكل عام نظرا لانقطاع الأهل المتواصل عن العمل سواء كان لمراجعة الاطباء لتلقلي العلاج او المتابعة المنزلية للطفل المصاب . تقييم التجربة تتطلب منا أن نكون أكثر واقعية حتى وان كانت الحقائق مؤلمة ، فالمعطيات على الأرض تشير إلى أن نسبة الاصابة بالمرض والتي كان يفترض ان تختفي بحلول العام 2012 ، ما زالت جاثمة ، وما زالت تلقي بظلال قاتمة على المجتمع والدولة وبدليل ان هناك 10_14 حالة جديدة يتم تشخيصها في مركز الثلاسيميا بدبي سنويا ناهيك عن الحالات الاخري التي يتم تشخيصها في ابو ظبي والإمارات الأخرى ، وهذا بحد ذاته اخفاق يجب التوقف عندة مطولا لمعرفة أسباب ظهور مثل هذه الحالات.

الإخفاقات التي صاحبت تطبيق القرار وطوال السنوات الماضية وأدت إلى ظهور هذه الحالات كثيرة ومنها اولا: عدم الالتزام الكامل من قبل بعض الإمارات بتطبيق القرار بحذافيره نظرا لعادات وتقاليد متأصلة لدى البعض ، اضافة الى لجوء بعض المأذونين المخولين بكتابة كتاب الطرفين المقبلين على الزواج بدون شهادة تفيد خلوهما من المرض ، او لجوئهما لعمل الفحص قبل ايام قليلة من الزواج ، وفي حال كانت النتيجة ايجابية يتعذر عليهما فسخ عقد الزواج خاصة بعد ان تكون بطاقات الفرح للمدعوين قد وجهت وتم استئجار صالة الأفراح والفرق الموسيقية حجزت .

الإخفاق الثاني تتحمل وزره جميع الجهات المعنية بالثلاسيميا في الدولة نظرا لإخفاقها في اخضاع كافة طلبة المدارس في المرحلة الإعدادية او الثانوية لمثل هذا الفحص ، علما آن جميع الجامعات في الدولة لا تقبل أي طالبا إلا بعد إحضار شهادة التوفل او السات او الايلتس ، وتكتفي بطلب تقرير طبي من الطالب يفيد خلوه من الأمراض الوراثية والمعدية من أي مركز طبي " خاصة الجامعات الخاصة " ، وهناك العديد من اطباء القطاع الخاص يصدرون شهادات اللياقة الطبية على الهاتف أو الايميل بمجرد تزويد الطالب لهم بالبيانات المطلوبة ، علما ان الفحوصات الطبية المطلوبة تشمل فصيلة الدم وفحص كامل لكريات الدم ( الأمراض الوراثية مثل الثلاسيميا وأنيميا الدم المنجلية وغيرها) وفحص الهيموجلوبين والتهاب الكبد البائي نوع (ب) ونقص المناعة المكتسبة (الايدز) وفحص الروبيلا (الحصبة الألمانية) والسفلس والتهاب الكبد البائي نوع( ج ) .

تحقيق النتائج المرجوة والوصول إلى المرحلة الصفرية في ظهور حالات جديدة يتطلب الاطلاع على تجارب الدول الأخرى التي نجحت فعلا في القضاء على المرض ومن ضمنها قبرص التي أصبحت نموذجا يحتذي لكافة دول العالم ، ولم تكتف فقط بإصدار القوانين والتشريعات بل فرضت رقابة صارمة على تنفيذها ، وتركت المجال مفتوحا لمن تظهر لديهما إعراض حمل الجينات المسببة للمرض لان الزواج بالتالي يعتبر من المسائل الشخصية التي لا يحق لأحد التدخل بها او وقفها ،ولكن مقابل ذلك إقرار وتعهد يوقع عليه الطرفان بأنهما يتحملان المسؤولية الكاملة عن ولادة أطفال مصابين بالمرض مستقبلا وهو ما يرفع العبئ عن كاهل الدولة بتحمل تبعيات المرض ، وبالتالي علينا عدم الاكتفاء بتوجيه النصح والإرشاد لمن يثبت حملانهم بالمرض بل ينبغي توقيعهم على ايفاد يحملهم مسؤولية تبعات قرار الزواج ، بدلا من إنجاب أطفال مصابون بإمراض شتى وتحميل الدولة وزر وتبعيات مثل هذه الامراض ، خاصة وان هناك بعض الدراسات التي تم إجراؤها في المركز العربي للدراسات الجينية التابع لجائزة حمدان للعلوم الطبية تشير الى ان دولة الإمارات تنفق سنويا ما يقارب 940 مليون دولار أميركي على علاج الإمراض الوراثية وفي مقدمتها مرض الثلاسيميا . ما قطعناه لغاية الآن في مجال مكافحة الأمراض الجينية والوراثية خظوة من ألف ميل ، علما بان لدينا من الجمعيات والمراكز المتخصصة ما يفوق أي دولة أخرى في المنطقة مثل جمعية الإمارات للثلاسيميا ومركز الثلاسيميا و جمعية الامارت للأمراض الجينية ومركز علوم الوراثة والأبحاث والمركز العربي للدراسات الجينية ، ورغم ذلك ما زلنا نزحف ببطئ.