هشام صالح الواحدي شاب مواطن في الخامسة والعشرين من عمره يعد نموذجاً متميزاً في الصبر والتحدي، استطاع بإرادته القوية الصلبة أن يتغلب على الآلام والمحن التي تعرض لها نتيجة إصابته بسرطان المخ وهو في الثالثة عشرة من عمره، أدى إلى موت خلايا العصب البصري وفقدانه البصر كليا وهو في السادسة عشرة من عمره ولكن بمساعدة أسرته التي أحاطته بالحب والحنان والرعاية تمكن من قهر الإعاقة البصرية التي تعرض لها ليواصل دراسته بطريقة «برايل» الذي تعملها عقب الإصابة وهو كفيف ليحصل على الشهادة الجامعية في الدراسات الإسلامية واللغة العربية بتفوق ويلتحق بالعمل في مطبعة المكفوفين التابعة لمؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية وذوي الاحتياجات الخاصة في وظيفة مدقق للمطبوعات بطريقة «برايل»، حيث أثبت كفاءة عالية وحقق نجاحاً كبيراً في عمله وكان دائماً محل إشادة وتقدير من رؤسائه وزملائه في العمل.

هشام هو أكبر أشقائه في عائلته المكونة من تسعة أفراد (أربعة أولاد وخمس بنات) جميعهم يساعدونه ويفخرون به لأنه إنسان نافع ومفيد لمجتمعه ووطنه الذي لم يبخل عليه بالعلاج والتعليم وإيجاد الوظيفة المناسبة لإعاقته ويعتبرهم أساس نجاحه وما وصل إليه، مؤكدا أن أسرته كان لها الفضل الأول في مساندته وتوفير البيئية المشجعة والمحفزة بالإضافة إلى المدرسين والمدرسات الذين ساهموا في تشجيعه وبث العزيمة في قلبه وعلى رأسهم ناعمة المنصوري مديرة مطبعة المكفوفين في المؤسسة التي وضعت قدمه على بداية طريق التحصيل العلمي ومهدت له كل السبل ليحقق التفوق في الدراسة، وكذلك الدور المهم والمؤثر لمؤسسة زايد وكل القائمين عليها ومركز أبوظبي للرعاية والتأهيل الذين كانوا لهم جميعا الفضل الكبير في تحقيق ذاته والوصول إلى ما هو عليه الآن.

ويقول هشام: انه ولد كأي طفل عادي غير مصاب بأي مرض وكان يمارس حياته بشكل طبيعي ووصل إلى الصف الثامن بمدرسة الرازي الإعدادية وكان عمره 13 عاما أصيب بمرض شخصه الأطباء المعالجون على انه سرطان بالمخ وخضع للعلاج لمدة ثلاث سنوات، ولكنه ورث إعاقة بصرية نجمت عن هذا المرض العضال الذي دمر خلايا البصر تدريجيا إلى أن فقده تماما وعمره 16 عاما.

وأضاف: انه استسلم لقدر الله سبحانه وتعالى للإعاقة التي لحقت به لإيمانه بقدره ونصيبه رغم انه لم يستوعب ما حدث له في البداية ولكنه لم ييأس وواصل مسيرته التعليمية ليواصل التعليم بالتحاقه بمركز أبوظبي للرعاية والتأهيل التابع لمؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية وذوي الاحتياجات الخاصة وحصل على دورة تدريبية في القراءة بلغة المكفوفين «برايل» لمدة خمسة اشهر وليواصل التعليم بالمدارس الحكومية بلغة «برايل» التي اتقنها وحصل على شهادة الثانوية العامة في العام 2006 في القسم الأدبي بمجموع 91% ليكمل الدراسة الجامعية ويحصل على بكالوريوس اللغة العربية والدراسات الإسلامية من جامعة الحصن في العام 2010 بتقدير امتياز بعد أن حصل على منحة دراسية من وزارة شؤون الرئاسة، مشيرا إلى أن هذه التجربة علمته الكثير من الدروس، أهمها أن الإنسان عندما يفقد شيئا يعوضه الله سبحانه وتعالى بشيء آخر أقوى منه، ويتابع: الحمد لله أصبحت ذاكرتي قوية وأعتمد على حاسة السمع بشكل كبير.

وأشار هشام إلى أن مؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية طلبت منه بعد حصوله على الشهادة الجامعية الالتحاق في التدريب الصيفي الذي تشرف عليه سنويا لمنتسبي المؤسسة في مختلف الإعاقات وكان تدريبه في بلدية مدينة أبوظبي، وبعد ذلك تم تعيينه بمطبعة المكفوفين التابعة للمؤسسة في وظيفة مدقق لمطبوعات برايل للكتب والمناهج الدراسية التي تنتجها المؤسسة بجانب المطبوعات الأخرى لاكتشاف الأخطاء وتصحيحها، مؤكدا أن تعيينه بالوظيفة كان بناء على أن كفاءته وقدراته العلمية والعملية والوظيفة تناسب قدراته وأثبت نجاحا فيها.

ولا ينسى هشام توجيهات الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة له عندما التقاه سموه مع مجموعة من المتفوقين في إمارة أبوظبي عندما كان في الثانوية العامة وقبل الامتحانات وتشجيعه له على التفوق، مشيرا إلى أن كلمات سموه كانت الحافز والدافع الأكبر له حيث حثه سموه على التعليم والدراسة والتفوق، وقد تحقق ذلك وحصل على 91% في الثانوية، مؤكدا اعتزازه وافتخاره بهذا الموقف الذي جمعه مع سموه والذي علمه معنى الإصرار والتحدي والقدرة على مواجهة الصعاب والسير بثقة واقتدار لتحقيق أهدافه التي تعتبر من ثمار هذا اللقاء الذي يضعه دائما نبراسا يضيء له الطريق في مختلف الظروف والمواقف التي يمر بها.

ورغم نجاح هشام في عمله إلا انه لم ينس هواياته المفضلة وهي القراءة بشكل عام وخاصة الروايات والقصص وممارسة لعبة كرة القدم الخاصة بالمكفوفين والمبارزة بالسيف، معربا عن أمله في استكمال دراساته العليا والحصول على الدكتوراه لإيمانه بأهمية التحصيل العلمي طالما الإنسان يحيا ويعيش.

وأكد هشام عزمه على المضي قدما في إكمال نصف دينه بالزواج ويفكر جديا في هذا الأمر وسوف يختار فتاة من ذوي الإعاقة البصرية ليستطيع التأقلم والتعامل معها لوجود لغة تفاهم مشتركة وهي «برايل»، مؤكدا وجود العديد من حالات الزواج الناجح بين ذوي الإعاقة حيث لم تؤثر الإعاقة على مسيرة الحياة الزوجية.

وقال: إن نظرة المجتمع لأصحاب الإعاقة تغيرت كثيرا عما كانت عليه من قبل واصبح هناك وعي كبير لدى أفراد المجتمع بمختلف أشكال وأنواع الإعاقة وخاصة البصرية وتغيرت نظرتهم لهم وأصبحوا ينظرون لهم باحترام وتقدير وحب وحنان وليست نظرة عطف لتأكدهم بأهمية هذه الفئات في المجتمع وخاصة أن بين المعاقين الكثير من النماذج الناجحة والمؤثرة في المجتمع واصبح هناك تقبل كبير لهم واندمجوا في المجتمع بشكل كبير سواء على مستوى التعليم أو التوظيف.