لم يعد الحضور والغياب المقياس الوحيد لإنتاجية وانضباط الموظف بعد اليوم.

قد يبدو الأمر ضرباً من الخيال، ولكنه بدأ يتحول لحقيقة في بلدية دبي التي ارتأت أن تستخدم التطور التكنولوجي والتسارع الذي باتت تفرضه الحياة لصالحها بما يعود عليها بالنفع وزيادة الإنتاجية، وتقليل التكاليف، وفي الوقت ذاته يرتاح الموظف من الالتزام بدوام محدد ربما يكون له تأثير سلبي على إنتاجيته.

فالموظف في الدوائر الحكومية ربما لا يجد عملاً يعمله ولأنه ملزم بدوام محدد فمن المؤكد أنه سينشغل بأمور عدة كقراءة الجرائد وتعطيل أصحابه عن العمل وبالتالي يتحول من عنصر إيجابي فاعل أثناء عمله إلى عنصر سلبي معطل، وبالتالي فإن وجوده خارج مكتبه وعدم التزامه بدوام محدد ربما يكون الخيار الأنجع.

قد تبدو المعادلة للوهلة الأولى غير منطقية للكثيرين، لكن الإنتاجية التي حققها 45 موظفاً في بلدية دبي تؤكد أن التواجد في المكتب ليس دليلاً على العمل الفعلي، أو دقة الأداء أو جودته، إذ سمحت لهم بلدية دبي بالدوام من بيوتهم أو مكاتبهم الخاصة أو حتى المقهى أو أي مكان يرونه مناسباً ولكن بشرط وحيد أن ينجزوا ما عليهم إنجازه خلال الفترة الزمنية المحددة لهم، وبالدقة والجودة المطلوبة.

نعم فتجربة «الدوام عن بعد» لم تعد مجرد تجربة نقرأ عنها في مواقع الإنترنت المختلفة حيث تحولت لواقع نفذته بلدية دبي بعد اطلاعها على افضل الممارسات العالمية في إدارة الموارد البشرية.

فوائد المشروع الجديد تكاد لا تنحصر حيث وفر الكثير من التكاليف، كالأوراق والأدوات المكتبية والمساحات داخل المكاتب، والازدحام المروري حول مبنى البلدية، وتوفير مواقف السيارات، وتقليل استهلاك الكهرباء والماء، وتسهيل الانتقال للموظفين الذين يسكنون مناطق بعيدة.

وأكد خالد بن زايد مدير إدارة الموارد البشرية في البلدية التزام الموظفين الفعلي بإنجاز المهام الموكلة اليهم، وعدم التهاون في المهام الموكلة اليهم كما يخيل للبعض إذا لم يكن على رأسهم مسؤول يحاسبهم، فالرقيب لدى الموظفين داخلي.

وأضاف بن زايد أن الكل منضبط في العمل، حيث يمتلك كل منهم مطالب ومهام عليه إنجازها في وقت محدد، ويتم حساب ومعاقبة غير الملتزم تماماً كغيره من الموظفين.

ويضيف بن زايد ما العبرة مثلاً من إلزام مفتشي الفنادق التابعين للبلدية بالدوام حيث إن عملية التفتيش تستغرق ثلاثة أيام من أصل الأسبوع، ولا يبدأ التفتيش قبل التاسعة صباحاً نتيجة لطبيعة عمل الفنادق، وبالتالي فإن وجود الموظف من السابعة والنصف صباحاً في المكتب دون عمل يؤدي لإهدار وقت الموظف ووقت من حوله، وإعطاء الموظف حرية العمل من الخارج، يؤدي الغرض نفسه، مع تكلفة اقل لاستهلاك الموارد المتاحة.

الأمر لم يتوقف عند الحد من الهدر والتكاليف الزائدة على الدائرة فهناك مزايا عديدة أخرى، منها زيادة الولاء لدى الموظف للمؤسسة التي منحته كامل الثقة، وتحسين إنتاجيته بعد توفير البيئة المناسبة والمريحة له، والحصول على الكفاءات النادرة التي لا تسمح ظروفها بالتواجد في الدائرة، ومساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة على أداء عملهم دون الحاجة إلى تكبد عناء الانتقال.

كما اكد بن زايد أن البلدية وفرت لهؤلاء الموظفين كافة الوسائل التقنية الحديثة ليكونوا على تواصل مباشر مع مرؤوسيهم وزملائهم في العمل، من أجهزة الحاسب الآلي وغيرها، وإدخالهم عدة دورات تدريبية تؤهلهم لهذه الخطوة، إضافة إلى إصرار الدائرة على أن يحضر هؤلاء الموظفون يومين تقريبا في الأسبوع إلى مكاتبهم كي لا ينفصلوا تماما عما يحدث في الدائرة ولكي يبقوا على تواصل مع زملائهم، ومن يدري ربما يأتي يوم وتعمم فيه التجربة على مختلف الدوائر، وبالتالي لم يعد هناك حاجة لمساحات كبيرة ومكاتب ولا لأعداد هائلة من الموظفين في كل دائرة لإنجاز أعمال ربما يكون المنزل أو المقهى هو المكان الأمثل بالنسبة للموظف لإنجازها فيه.