ذكرت خطبة الجمعة أمس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بالحث على الرفق في معاملة الناس، بل أكد عليه في معاملة البهائم أيضا، قال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة) والإنسان في هذا الزمان يقود سيارته ويحافظ عليها ولا يؤذي نفسه ولا غيره بها أثناء ارتياده الطريق فلا يجوز أن يقود المرء سيارته بطيش ورعونة وسرعة زائدة، فيعرض بذلك حياته وحياة الآخرين للضرر، قال الله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً) ومن أخلاق المسلم كف أذاه عن طريق الناس.

 

عنوان السعادة

وأضافت أن الرفق هو لين الجانب بالقول والفعل، ومداراة الناس، واللطف في أخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها، وهو عنوان السعادة، ودليل الإيمان وحسن الإسلام، وسبب للفوز بمحبة الله تعالى، ونزول رحمته، وهو أدعى لنشر المحبة بين الناس، فمن عامل الناس بالرفق انجذبوا إليه، وأقبلوا عليه، وأحسن الله تعالى جزاءه وأكرم مآبه، قال سبحانه مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) فمن أغلظ على الناس نفروا منه، وابتعدوا عنه، قال صلى الله عليه وسلم: (من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير).

وأضافت الخطبة أن الرفق يعد مظهرا من مظاهر الرحمة التي أمر بها الإسلام، لما له من أثر في إصلاح الأمور واستقرار الحياة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه).

وشددت على أننا بحاجة ماسة إلى أن نتعامل بالرفق داخل الأسرة مع الأهل والأولاد، فإن ذلك أدعى لإشاعة جو المحبة والتعاون في البيت، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رفيقا بأهل بيته، يلاطفهم ويؤانسهم ويدعو لهم، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله إذا أراد بأهل بيت خيرا دلهم على باب الرفق»، وكثيرا ما كان صلى الله عليه وسلم يوصي الرجال بالرفق بالنساء فيقول: (استوصوا بالنساء خيراً).

 

الرفق مع الأسرة

وأما الصغار فالرفق بهم يتطلب التعامل معهم بما يليق بحالهم وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلهم، ويتلطف بهم، وعندما رآه رجل يقبل الحسين أو الحسن قال: إن لي من الولد عشرة ما قبلت أحدا منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه من لا يرحم لا يرحم) ولا يقتصر الرفق مع أفراد الأسرة، بل يمتد إلى أفراد المجتمع وعموم الناس خاصة إذا جهل عليك أحدهم أو تعامل معك بما ينافي الأدب.

ومن مظاهر الرفق أيضا الرفق بأصحاب الحاجات كإنظار المعسر الذي لا يملك وفاء لدينه، قال الله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون) فإذا أردت أن يتجاوز الله تعالى عنك فتعامل بالرفق، وإذا أردت أن يرفق الله تعالى بك فأرفق بخلقه أولا، قال صلى الله عليه وسلم: (حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسراً فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال: قال الله عز وجل: نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه).

 

الرفق والنصيحة

 

أشارت الخطبة إلى أن الرفق من أهم أسباب قبول النصيحة والإصغاء لها، فلا بد أن يتحلى الناصح بخلق الرفق، بحيث يكون كلامه طيبا محببا للقلوب، وعليه أيضا أن يترفق في الموعظة فلا يثقل على من ينصحه أو يعظه، ويتأكد أيضا مع المخطئ والمسيء، فعلينا أن نتعامل مع المخطئين بالحسنى، فلا نتتبع سرائرهم ولا نبحث عن نياتهم، بل نساعدهم على تجاوز أخطائهم.