كان من الطبيعي أن يستقر رأي القائمين على ملتقى الشعر من أجل التعايش السلمي، الذي تنظمه مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للابداع الشعري في دبي، على أن يكون مستهل جلسات الملتقى، التي رفع الستار عنها عصر أمس، بموضوع لطالما كان الشغل الشاغل للدارسين والباحثين لما له من انعكاسات حادة على حاضر ومستقبل الشعوب، وهو موضوع العلاقة مع الآخر، تلك العلاقة التي غالبا ما أخذت شكلا تصادميا على مر التاريخ. ودفعت ثمنها الشعوب أنهارا من الدماء والألم، ولذلك فهي جديرة بالنقاش دوما وفي كل الأحوال والأزمان، حيث تضمنت الجلسة الأولى، التي أدارها الدكتور أحمد السمدان (الكويت)، ثلاث محاضرات، ناقشت كل منها، أحد وجوه هذه العلاقة من خلال متون الشعر ومواقف الشعراء من هذه القضية الحساسة.
مصطلح واطماع
قدم الدكتور أحمد فوزي الهيبي( سوريا)، في هذا الاطار، محاضرة تحت عنوان( الشعر في ظلال الحروب الصليبية) استعرض فيها بداية ظهور مصطلح الحروب الصليبية التي بدأت عام 1095، ذلك المصطلح الذي أخفى بين طياته أطماع دنوية مسعورة، تحت شعار القدسية الدينية مع أن الدين الحق منها براء .
ويخلص الباحث إلى نتيجة مفادها أن الشعر أدى دوره على أكمل وجه في الحروب الصليبية زمن الزنكيين والأيوبيين ثم المماليك، فنبّه على الأخطار، ودعا إلى الجهاد وتوحيد البلاد وتحريرها، ومدح القادة ورجالاتهم وجندهم في انتصاراتهم، وشد من أزرهم عند تعثرهم، ورثاهم عند موتهم، وربط بينهم وبين كبار أعلام الإسلام. (الآخر المسيحي في الشعر العربي في الأندلس وصقلية) هو عنوان الورقة الثانية التي قرأها الدكتور عبدالرزاق حسين، الأردن، خلال هذه الجلسة والتي جاء في مقدمتها ان(الاتصال بالآخر المسيحي قديم في الشعر العربي قِدم الشعر نفسه، حيث ان قصة امرئ القيس في استغاثته بملك الروم لإعادة ملكه تُبين عن هذا الاتصال المبكر في الجاهلية، وعمل بعض الشعراء المترجمين في بلاط كسرى مثل عدي بن زيد العبادي، ولقيط بن يعمر الإيادي، تمثل هذا الاتصال من خلال أشعارهم التي تنبئ عن الآخر، وتتحدث عن نواياه في غزو بلاد العرب. وربما من أبرز ما خلص إليه الباحث يكمن في أن ظهور الآخر المسيحي في الشعر الأندلسي والصقلي، لم يكن فقط ظهوراً في الشخصية، بل إنَّ شعرنا العربي في الأندلس وصقلية حتى بعد إزاحته ظلَّ روحاً محلِّقًة ملهمة، أثّرت لآماد في تكوين الشخصية الثقافية للآخر المسيحي. كما يؤكد الدكتور عبد الرزاق حسين أنه على الرغم من شدة تدمير الآخر المسيحي على الأرض والإنسان والحضارة ، إلا أنه لم يستطع أنْ يطغى على صوت الشعر.
أما الدكتور عبد الله التطاوي ، مصر، ، فقدم محاضرة تحت عنوان(حضور الآخر في الشعر العباسي)، حيث لا تكتمل صورة مسيرة الشعر العربي إلا من خلال تسليط الضوء على هذه المرحلة التاريخية بالغة الأهمية ، حيث يسعى الباحث من خلال هذه الورقة إلى كشف تجليات صور ذلك (الآخر) في الشعر العباسي من خلال عدة أبعاد وقسمات وملامح يمكن رصدها في مساق الحضور السياسي والاجتماعي والثقافي والفكري والاخلاقي والديني للآخر، أو غير ذلك من توصيف صنعته حركة الشعر واستوعبته مناهج الشعراء طبقًا لإيقاعات المرحلة وعطاءات الفترة.
الشعر والموسيقى يتناغمان في افتتاح الملتقى
شكل تداخل الشعر بالموسقى، والعربي بالعالمي، في نهاية حفل افتتاح الملتقى، ذروة الفكرة التي يقوم عليها هذا اللقاء السنوي، حيث تزاوجت القوافي العربية التي أنشدتها الشاعرة السودانية روضة الحاج مع أشعار الشاعر الدنماركي نيلس هاو ومقطوعة العود التي عزفها الموسيقي العراقي صادق جعفر مع مقطوعة العزف على البيانو التي عزفتها العازفة الدنماركية كريستينا بيوكري، في مشهد يشي بحالة من التماهي بين الكلمة الشعرية وبين الموسيقى، حالة لسان حالها يكاد ينطق ويقول إن الشعر لغة عالمية، لا سيما إذا اتحدت قوافيه بأنغام الموسيقى.
رسالة الكلمة واللحن
جاء صوت روضة الحاج التي ألقت قصيدة وحدي، دافئا ورقراقا ومتماهيا مع نغمات العود التي خرجت من اتحاد ريشة صادق جعفر مع أوتار ذلك العود الذي أريد له أن يرمز للشرق، بينما رمزت معزوفة البيانو التي عزفتها كريستينا بيوكري إلى الغرب، في حين توسطها شعر قادم من السودان وآخر قادم من الدنمارك، وذلك في محاولة لم يجافها النجاح لايصال رسالة الملتقى، التي تقول إن الحوار بين مختلف أمم الأرض وحضاراتها ليس أمرا ممكنا فحسب، وإنما هو واجب ينبع من طبيعة الانسان نفسه، لذلك شكل هذا الجزء الشعري الموسيقي من حفل افتتاح الملتقى صرخة مدوية في وجدان الانسان مثلما شكل دعوة لوقف الحروب ومحاربة الفقر وفتح الباب واسعة أمام مد جسور الحوار بين مختلف حضارات الأرض.
قصيدة الشاعرة السودانية قابلتها قصيدتان للشاعر الدنماركي تحملان عنوانين لافتين هما (نساء كوبنهاغن) و(صياد السحالي في الظلام)، وجميعها جاءت على شكل مونولوجات مع الذات ومن خلالها مع الآخر في أي طرف كان من العالم بغض النظر عن اسم هذا البلد أو ذلك أو هذه القومية أو تلك، فالكلمة العليا هنا هي للانسان دون غيره بوجعه الذي يجب ألا يحول بين الناس وبين حلمهم بالفراشات كما يقول هاو في نهاية قصيدته (صياد السحالي في الظلام).
الحب هو الإنسان
رمزية ما قرأه الشاعران وما أداه العازفان ما كان لها أن تحول دون التذكير بأحداث مؤلمة يشهدها العالم في الوقت الراهن، حيث تذكر الشاعرة السودانية بأن الكوكب أوسع من المخبر والسجان وبأن الوردة أرخص من الطلقة وقبل هذا وذاك بأن الحب هو الانسان، بينما يروي الشاعر الدنماركي في قصيدة (نساء كوبنهاغن) قصة لقاء الحضارات أو صداهما من خلال حكاية حب عابر يعيشها على متن حافلة كانت تقله في عاصمة أوروبية مع فتاتين جميلتين من باكستان.
سوار الذهب.. عمل خيري وحضور اجتماعي
كان لحضور المشير عبد الرحمن سوار الذهب، في فعاليات ملتقى الشعر من أجل التعايش السلمي، صداه الإيجابي في ردهات فندق إنتركونتننتال فستيفال سيتي، فقد شوهد الفريق يتجول برفقة زوجته (هدى) وسط الحضور، الذي كان يلقي عليه التحية، فيرد بأدب جم، ويجد الوقت ليطالع صفحات مطبوعات مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين التي انتشرت في أرجاء المكان. حيث تم تكريمه خلال الملتقى كشخصية حضارية.
يذكر أن سوار الذهب ولد في السودان عام 1935. تخرج من الكلية الحربية عام 1955، وتلقى دورات في بلدان عربية وغربية. وتدرج في السلك العسكري حتى رتبة فريق، حيث شغل منصب رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، وتقلد منصب وزير الدفاع. ثم اختير رئيساً للمجلس الأعلى العسكري الانتقالي في السودان. وشغل منصب رئيس الجمهورية السودانية حتى عام 1985، حيث أعاد البلاد للنظام الديمقراطي، وسلم الحكم لمن انتخب عام 1986. ويذكر أيضاً أن أنشطة سوار الذهب تمتد إلى جوانب في العمل الخيري، حيث ترأس مجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية في السودان، والتي كان من إنجازاتها: تشييد أكثر من 55 مدرسة ثانوية، و150 مدرسة ابتدائية ومتوسطة. تشييد أكثر من 2000 مسجد في إفريقيا وشرق أوروبا، حفر أكثر من 1000 بئر للمياه، وإقامة أكثر من 10 محطات للمياه في إفريقيا، تشييد 14 مستشفى عاما ومتخصصا، وحوالي 800 مستوصف، و120 مركزا للطفولة والتغذية ورعاية الأمومة والتحصين، تشييد 6 ملاجئ للأيتام والإشراف عليها في إفريقيا.
كما قدم سوار الذهب بحوثا في مؤتمرات كثيرة عن الإسلام والدعوة إليه، والتحديات التي تواجهه، وذلك عل المستوى المحلي، والإسلامي، والعالمي.
حوار الحضارات.. شرق وغرب تحت مظلة دبي
كان للحضور الواسع صداه في أروقة الملتقى، حيث جاءت شخصيات فكرية وثقافية من الشرق والغرب إلى دبي لتعيش أجواء حوار الحضارات. «البيان» توقفت لدى بعض المشاركين بهدف التعرف على أجواء الملتقى العامة التي تتضمن ندوات وجلسات وأمسيات شعرية يشارك فيها عدد من الأكاديميين والإعلاميين والشعراء، من مختلف بلدان العالم.
«التايتانيك»
قال الشاعر والباحث الدكتور العراقي طارق الحمداني عن موضوع مشاركته في الملتقى «هذه أول مشاركة لي في ملتقى البابطين، وطلب مني تقديم دراسة عن دور الشعر في حوار الحضارات والثقافات. هذا الطلب أعادني إلى أوائل القرن العشرين، حيث كتبت بحثي حول حادثة غرق سفينة التايتانيك عام 1912. كتب كل من الشاعرين العراقيين، الشيخ علي الشرقي ومحمد رضا الشبيبي، قصيدة حملها تفاعله مع هذه المأساة الإنسانية، بروح تعبر عن التعاطف والأسى».
وتابع «كان الشعراء في ذاك الوقت يتابعون باهتمام الأحداث العربية والعالمية على حد سواء. كما يذكر الشاعر الشبيبي في قصيدته خسارة العالم في هذه الفاجعة، لأهم نصير للسلام وحقوق الإنسان في العالم وهو (استيد)، والذي لم ير العالم خليفة له حتى يومنا هذا. أما الشخصية الثانية التي تستوقف في البحث شخصية الأب أنستايس ماري الكرملي، صاحب مجلة لغة العرب البغدادية، التي نشرت قصائد الشاعرين وما كتباه حول سفينة التايتانيك، وهو مثال على أبرز الشخصيات العالمية العربية».
وأشار الحمداني إلى أن الأب الكرملي واسمه الحقيقي بطرس جبرائيل يوسف عواد (1866 ـ 1947)، هو من أصل لبناني وعراقي، ويعد شخصية عالمية لم يشهد التاريخ مثيلاً لها، فهو رجل دين مسيحي ولغوي قدم أكثير من 500 بحث في مختلف مجالات العلوم والآداب، وكان يعمل 16 ساعة يومياً في الكتابة.