انتهت مريم عيسى الرميثي لتوها، من إعداد وجبة الإفطار الرمضاني لأسرتها الصغيرة، وجلست وسطهم ترمقهم بعينين كسيرتين، إذ هم يضحكون ويقبلون على الطعام بشهية مفتوحة. كان تشعر بأن بركاناً يتفجر في أعماقها، وبأن الأسئلة المخيفة تحاصرها من كل جانب: ترى هل سأراهم يكبرون أمام عيني؟

هل سيحرمون مني وهم في هذا العمر المبكر؟

وهل سيتزوج أبوهم من أخرى تسومهم العذاب والشقاء؟

سالت على خديها الدموع، فغادرت المائدة العامرة سريعاً، إلى حيث لا يراها أحد، ثم تفحصت تلك الكتلة التي تنمو في الجزء الأعلى من الثدي.

في هذه الأثناء هتفت مريم التي تعمل في الخدمات الطبية لشرطة العين: سأهزم الخوف، وسأتوجه لعمل الفحص، وسأواجه الحقيقة أياً ما تكون.

قالت مريم: إنني أعترف بأني أخطأت خطأ جسيماً بأني تهربت من إجراء الفحص، فالسرطان ليس عصياً على الهزيمة، في حال الخضوع للعلاج المناسب والسريع.

وأضافت: إن الطبيبة بعد إجراء سلسلة من الفحوصات والإشعة أخبرتني بوجود ورم خبيث، ولابد من الخضوع للعلاج، وعلى الرغم من وقع الصدمة على نفسي في أول الأمر إلا أنني أدركت أن ذلك ابتلاء واختبار من الله عز وجل ولابد من القبول والاستسلام لقضاء الله.

"بدأت مرحلة العلاج الكيماوي بثلاث جرعات في مستشفى توام ثم أجريت جراحة لاستئصال الورم ومن ثم إعادة الجرعات الثلاث مرة أخرى تلتها إجراء سلسلة أخرى من الإشعة وعلاج تعويض المناعة (توكستين) بعد التأكد من القضاء على المرض وبالفعل تمت مرحلة العلاج بنجاح تام، مؤكدة أن دعم الأسرة أعطاها دفعة معنوية قوية للتغلب على المرض.

ولذلك فضلت العلاج داخل الدولة ووسط الأسرة وذلك لأن الدولة أصبحت تمتلك من الخبرات البشرية والأجهزة الطبية ما يفوق الدول الأوربية".

وختمت مريم الرميثي وهي أم لثلاثة أولاد وبنت متزوجة بأنها مرت بتجربة مثيرة جعلتها تشعر بأنها ولدت من جديد، وأن الله منحها قوة جديدة لتنجز عملها على الوجه الأكمل خاصة أن العمل بالنسبة لها حياة أخرى لا يمكن أن تستغني عنه.

السرطان والحمل

أما أرين سلفادور من الجنسية الفلبينية فلها قصة أخرى، تختلف عن قصة مريم، ولكنها تنتهي أيضاً النهاية السعيدة. وتتمثل تفاصيل القصة في أنها كانت تمر بأول ستة أشهر من الحمل عندما شعرت بألم في الثدي من فترة لأخرى وكانت تعتقد في البداية أن الألم بسبب تكوّن اللبن في الثدي بسبب الحمل، ولكن الألم بدأ يتزايد بصورة غير طبيعية مما دعاها إلى زيارة الطبيب الذي أكد لها أنه ورم ولابد أن تخضع للعلاج.

كانت تتخوف من فقدان الحمل إلا أن الطبيب أخبرها أنه في السابق كان الأطباء ينصحون السيدة الحامل المصابة بسرطان الثدي بإسقاط الجنين حتى تخضع للعلاج الكيماوي ولكن اليوم أصبحت السيدة الحامل المصابة بسرطان الثدي تخضع للعلاج بدون إسقاط الجنين خاصة بعد الشهر السادس.

وأضافت "بالفعل تلقيت الجرعات الأولى بصورة عادية وجاء موعد الولادة وأنجبت الطفل ويتمتع بكامل الصحة، كما أنها لا تزال تباشر المرحلة النهائية من العلاج وتمارس عملها وحياتها الطبيعية على أحسن ما يكون.

الكشف المبكر

وتقول إحدى الناجيات من المرض وشفيت منه منذ عامين انها أصيبت بالصدمة عندما أخبرها الطبيب بمرضها لأنها لم تفكر يوماً أنها يمكن أن تصاب بهذا المرض لأنه لا يوجد في تاريخ أسرتها من أصيب به، ولذلك قالت للطبيب هل يعني ذلك بأنني سأموت.

وأضافت كريستين لوفيل أنها لم تجد بداً من الاستسلام للعلاج وفضلت العلاج في أبوظبي لأنها لمست مدى الاهتمام والخبرة التي يتمتع بها الأطباء والمختصين وبالفعل تلقت كل الجرعات وفي نهاية المطاف أخبرها الطبيب بأنها شفيت تماماً من المرض.

وأكدت كريستين أن الاكتشاف المبكر لسرطان الثدي وبالتالي العلاج المبكر هو أفضل الطرق المتاحة لتقليل عدد الوفيات وزيادة عدد الناجيات من المصابات بالمرض كلما تم اكتشاف المرض مبكراً لكلما زادت فرص النجاة وتجنب العلاج القاسي، مشددة على أهمية التمتع بالصبر والروح المعنوية المرتفعة للتغلب على هذا المرض.

إصابة الثدي تمثل 16% من إجمالي حالات السرطان عالمياً

قالت منظمة الصحة العالمية ان سرطان الثدي يعد من أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين فئة النساء في جميع أنحاء العالم، إذ يمثل 16% من جميع السرطانات التي تصيب تلك الفئة.

وتشير التقديرات إلى أن عام 2004 شهد وفاة 519 ألف امرأة بسبب ذلك السرطان، وعلى الرغم من اعتقاد البعض أن ذلك السرطان هو من أمراض العالم المتقدم، فإن معظم (69%) الوفيات الناجمة عنه تحدث في البلدان النامية.

وذكرت أنه من الملاحظ ارتفاع معدلات وقوع هذا السرطان في العالم النامي نتيجة زيادة متوسط العمر المأمول وزيادة التوسع العمراني واعتماد أنماط الحياة الغربية، وعلى الرغم من إمكانية إسهام الاستراتيجيات الوقائية في الحد من بعض مخاطر الإصابة بسرطان الثدي، فإن تلك الاستراتيجيات لا تمكن من التخلص من معظم حالات ذلك السرطان التي تظهر في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل حيث لا يتم تشخيص هذا المرض إلا في مراحل متأخرة.

وبناء عليه فإن الكشف المبكر من أجل تحسين حصائل سرطان الثدي وتحسين معدلات شفاء مرضاه يظل حجر الزاوية لمكافحة هذا المرض.

حساب مصرفي لدعم المصابات

تم تخصيص حساب مصرفي خاص بالتعاون مع هيئة الهلال الأحمر الإماراتي لبرامج مكافحة سرطان الثدي، بحيث تنفق أموال التبرعات الواردة لدعم النساء المصابات بسرطان الثدي خلال التشخيص والعلاج.

كما سيتم استخدام التبرعات لمساعدة احتياجات المجتمع فيما يتعلق بالخدمات المقدمة في مجال التوعية بسرطان الثدي والأبحاث وتمويل جماعات دعم سرطان الثدي، ودعت كافة الأفراد والمؤسسات للتبرع من خلال بنك دبي الإسلامي على حساب هيئة الهلال الأحمر الإماراتي رقم 003520572169501.

ارتفاع كبير في الوعي بالمرض

وقالت الدكتورة أمنيات الهاجري، مدير إدارة التثقيف الصحي في هيئة الصحة في أبوظبي إن هيئة الصحة استطاعت بفضل سياسات الصحة العامة في إمارة أبوظبي والدعم اللا متناهي من الجهات الحكومية وغير الحكومية على مدى الثلاثة أعوام السابقة أن ترفع من مستوى الوعي عند الجمهور وبخاصة النساء حول سرطان الثدي.

حيث أسفرت نتائج حملة أكتوبر عام 2010 عن زيادة كبيرة في أعداد فحص الماموجرام، حيث بلغ عدد السيدات المقبلات على الفحص خلال شهر أكتوبر وحده نحو 2269، بزيادة قدرها 500٪ عن الأشهر السابقة من نفس العام، وبلغ مجموع الزوار لموقع الهيئة الخاص بالتوعية بالمرض www.simplycheck.ae نحو 25 ألفاً و926 في أكتوبر 2010 وحده، أي بزيادة 700٪ عن الأشهر التي سبقت من نفس العام".

وأشارت إلى أن نسبة إقبال السيدات على إجراء الفحص بالماموجراف في عام 2007 لم تتجاوز إلا 12% وصلت في العام الماضي إلى 65% فيما وصلت إلى 90% للسيدات المواطنات فوق عمر 40 سنة وهي نسب ممتازة ربما تعد الأفضل على مستوى العالم.

وقالت الدكتورة أمنيات انه بالإضافة إلى استهداف الحملة للنساء كما جرت العادة، تسعى الهيئة إلى زيادة الوعي عند الرجال حول المرض والتعريف بالدور الرئيس الذي يلعبه الرجل في دعم المرأة المصابة بسرطان الثدي سواء أكانت الأم أو الأخت أو الزوجة هي المصابة بالمرض لا قدر الله.

وأضافت ان هيئة الصحة في أبوظبي أنشأت قسماً خاصاً بسرطان الثدي في عام 2010 تطور بعد ذلك إلى قسم مسؤول عن جميع السرطانات وحالياً أصبح هذا القسم جزءاً من إدارة الأمراض المزمنة، مؤكدة أن القيادة الرشيدة للدولة وفرت كل الإمكانات اللازمة من خبرات وأجهزة وعيادات متنقلة للوصول إلى كل سيدة على أرض الدولة، مشيرة إلى أنه في أبوظبي يوجد حالياً 5 عيادات متنقلة للفحص.