أكد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في كلمته في العيد الوطني الثاني والثلاثين على حماية البيئة والحياة البرية في الإمارات، وقال: «لقد عملنا منذ قيام دولتنا على حماية البيئة والحياة البرية وتوفير كل الأنظمة والتشريعات والبرامج والمشاريع التي جعلت من دولة الإمارات سباقة إلى الاهتمام بالبيئة ونموذجاً يحتذى على المستوى العالمي في الاهتمام بالبيئة وحمايتها وحفظها..

هذه الإنجازات يجب أن تكون حافزاً لنا جميعاً، وخاصة لشباب الإمارات جيل المستقبل لمواصلة العناية بالبيئة والمحافظة عليها سليمة ونظيفة، لأننا إذا لم نفعل فإننا سندمر الموارد التي حبانا بها الله سبحانه، فهذه الموارد ليست لنا وحدنا بل هي أيضاً لأبنائنا وأبناء أبنائنا». وقد سبق زايد العالم في الاهتمام بالبيئة.

كما أكد ذلك بقوله.. «إن اهتمامنا بالبيئة ليس وليد الساعة إنما هو اهتمام أصيل وراسخ دعونا له ومارسناه وطبقناه قبل أن يبدأ اهتمام العالم بسنوات عديدة». وقال في كلمة افتتاح المؤتمر الوزاري الآسيوي الثاني للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحـر الذي عقد في أبوظبي في شهر يونيو 2003.. «إن دولة الإمارات استطاعت التعايش مع البيئة الصحراوية التي تشكل حوالي ثلاثة أرباع مساحتها والتكيف مع مواردها المحدودة لسنوات طويلة وإنه بفضل جهود أبناء الإمارات المخلصين استطاعت الدولة قهر الظروف الصعبة وتحقيق ما اعتبره الخبراء مستحيلاً فبدأت الرقعة الخضراء تتسع والصحراء تتراجع أمام اللون الأخضر».

وأكد: «إن دلالات ذلك واضحة من المساحات الواسعة من الغابات والمزارع والحدائق وملايين الأشجار والنباتات من كل الأنواع التي باتت تنتشر بصورة متزايدة ومستمرة وسط الأراضي الصحراوية وتقف اليوم شاهداً على ضخامة الجهد المبذول وعلى عظمة الإنجاز الذي تحقق».

 

تقدير الإنجازات

وأكد السكرتير التنفيذي لأمانة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر حينها أهاما أرب ديالو أن اختيار دولة الإمارات لعقد هذا المؤتمر على أرضها جاء تقديرا للإنجازات التي حققتها في مجال مكافحة التصحر. وأكد أن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ظل لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن داعما لمفهوم التنمية المستدامة وأن إحدى أهم إنجازات زايد غرس أكثر من 100 مليون شجرة و47 مليون نخلة في أرض الإمارات لوقف زحف الرمال على الأراضي الزراعية.

وقد أكسب الاهتمام بقضايا البيئة دولة الإمارات العربية المتحدة شهرة عالمية ومكانة دولية مرموقة خاصة في ميادين الحفاظ على الطبيعة ومكافحة التصحر وتنمية الحياة البرية والبحرية وإقامة المحميات الطبيعية وتشجيع ودعم البحوث العالمية للحفاظ على أنواع متعددة من الحيوانات النادرة المهددة بالانقراض عالمياً مثل غزال المها والنمر العربي وأبقار البحر والسلاحف الخضراء وكذلك البرامج المتقدمة باستخدام أحدث التكنولوجيا لتكاثر الطيور البرية من بينها الصقور والحبارى.

وأنشأ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في إطار اهتمامه بإقامة المحميات الطبيعية محمية جزيرة صير بني ياس التي تقع إلى الغرب من مدينة أبوظبي على بعد 250 كيلومتراً وتبلغ مساحتها حوالي 230 كيلومترا مربعا أضيف إليها جزيرة صناعية على مساحة عشرة كيلومترات مربعة لتكون قاعدة للتجارب الزراعية. وقد أصبحت الجزيرة التي كانت طبيعتها صخرية جرداء من أكبر المحميات الطبيعية في شبه الجزيرة العربية. وحصلت دولة الإمارات العربية المتحدة بجهود زايد على العديد من شهادات التقدير والجوائز من المنظمات العالمية والإقليمية تقديراً لجهودها المتميزة في ميادين الحفاظ على البيئة وتنميتها.

كما تم اختيارها مقرا للأمانة العامة للهيئة التنسيقية للصندوق العالمي للحفاظ على الطبيعة لصون المها العربي وكذلك اختيارها في العام 2000 لمنصب رئاسة جماعة السلاحف البحرية لمنطقة غرب المحيط الهندي التي تتبع للاتحاد العالمي لصون الطبيعة، وذلك تقديراً لدورها في مجال حماية الأنواع المهددة بالانقراض من السلاحف البحرية.

وتبني مؤتمر القمة للتنمية المستدامة الذي انعقد في مدينة جوهانسبيرج في جنوب إفريقيا خلال شهر سبتمبر 2002 مبادرة أبوظبي العالمية للبيانات البيئية التي تهدف إلى تعزيز التعاون بين الدول المتقدمة والدول النامية في ميادين المعلومات البيئية.

 

عزيمة قوية

ورغم آراء الخبراء الدوليين الذين كانوا يرون استحالة الزراعة في الطبيعة الصحراوية والظروف المناخية الصعبة لدولة الإمارات إضافة إلى قلة المياه وشح الأمطار فقد مضى زايد بعزيمة قوية قدما في تطبيق رؤيته للزراعة والتشجير فخصص مساحات شاسعة من الأراضي لإقامة مشاريع طموحة للغابات ونشر المسطحات الخضراء لحماية الحياة البرية مما أنعش الحياة في البيئة الصحراوية وأوقف الزحف الصحراوي وأسهم في تنمية وعي المواطنين واهتمامهم بالزراعة وارتباطهم وتمسكهم بالأرض.

وأكد زايد في كلمته في الأول من ديسمبر 2003 بمناسبة العيد الوطني الثاني والثلاثين ذلك بقوله.. «لقد تمكنا من تحويل أرض هذا الوطن التي قيل إنها لا تصلح للزراعة والتنمية إلى مزارع تنتشر على مدى البصر.. وإلى حدائق وغابات خضراء ومصانع إنتاجية». وأعرب عن اعتزازه بما حققته الإمارات من إنجازات في مجال الزراعة والتشجير ومنحت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في 2 يونيو 2001 (ميدالية اليوم العالمي للأغذية) اعترافاً بجهوده ومواقفه المشرفة والعظيمة في خدمة البشرية جمعاء.

وقد أشاد المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة العالمية حينها السيد جاك ضيوف في شهر يوليو 2003 بجهود دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة زايد وإنجازاته العينية في مكافحة التصحر وحماية الأنواع النادرة من الحيوانات والنباتات وقال إن منظمة الأغذية والزراعة العالمية تبني كل استراتيجياتها وخططها وبرامجها على مبدأ استدامة التنمية، وأن هذا المبدأ يتوافق مع الفكر البيئي الإنمائي للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

وقد حصل زايد في مجال حماية البيئة وتنميتها على أكثر من 16 جائزة ووساماً وشهادة تقدير عربية وإقليمية ودولية من بينها شهادة (الباندا الذهبية) من الصندوق العالمي للحفاظ على البيئة وجائزة (بطل الأرض) من برنامج الأمم المتحدة للبيئة وميدالية (اليوم العالمي للأغذية) من منظمة الأغذية والزراعة العالمية و(وشاح رجل الإنماء والتنمية) من جامعة الدول العربية.

مصداقية وصراحة

وحظي زايد لما تميز به من مصداقية وصراحة وشجاعة في القول والمواقف بتقدير إقليمي ودولي كبيرين وكان يعد واحدا من الزعماء القلائل في العالم الذين يتصفون بالحكمة وبعد النظر والحنكة السياسية لما لعبه من دور بارز ومحوري في الساحات الإقليمية والدولية. وسخر زايد كل إمكانيات الدولة وكرس كل جهوده الخيرة من أجل تحقيق الوفاق بين الأشقاء وحل الخلافات العربية بالتفاهم والتسامح حتى أصبحت جهود دولة الإمارات لتحقيق التضامن العربي سمة بارزة من سمات سياستها الخارجية وأصبح زايد بحق رائدا قوميا في الدعوة والعمل لجمع الشمل وتوحيد الصف.

ودأب زايد على التنبيه بصورة مستمرة إلى خطورة استمرار حالة التمزق والتردي التي تمر بها الأمة العربية حيث عبر عن هذا الوضع بقوله.. «إنني منذ بداية خلافات العالم العربي وحتى يومنا هذا لم أبت ليلة واحدة مسرورا لأي خلاف بين شقيق وشقيقه ولا بين صديق وصديقه». وكان يدعو إلى نبذ الفرقة والخلاف بالحسنى والصراحة والتراحم والسماحة .

ويقول.. «إن الله سبحانه وتعالى الذي خلق العباد يحاسب ويسامح ولذلك علينا كعرب أن نعتمد في معالجة قضايانا على سلوك يتسم بالحساب والسماحة في نفس الوقت». وحرص على دعوة إخوانه الملوك والرؤساء العرب باستمرار إلى مراجعة شاملة للموقف العربي واتخاذ القرارات تجاه كل ما يحدث في الوطن العربي والعدول عن طريق الخسارة بالعقل والتحرك الواعي وتعويض ما مر على العرب من خسارة لدعم المصالح المصيرية المشتركة وأكد في هذا الخصوص.. «إن الأمة العربية كبيرة في حجمها وثرواتها وخيرها ولله الحمد ويجب علينا الالتزام بتحمل المسؤولية وأن نعدل عن طريق الخسارة والضعف الذي نسير فيه حاليا وأن نسعى بكل جهد ممكن ودون إبطاء لتعويض ما مر بنا من خسارة ونسير في الطريق الصواب».

 

تسامح وتضامن

كما كان يؤمن أن التسامح هو الطريق الذي يؤدي إلى التضامن ويقول.. «إن التسامح هو مفتاح التضامن ونحن نادينا دائما بضرورة جمع الكلمة وتعزيز مسيرة التضامن والتلاحم والوفاق بين الأشقاء». واتخذ زايد مواقف ثابتة وشجاعة تجاه رفض وإدانة ظاهرة الإرهاب بكل أشكاله وصوره ومصادره وأكد دعمه الكامل للجهود الدولية والإقليمية لمكافحة هذه الظاهرة التي لا تمثل الإسلام وسماحته والذي اعتبرها عملا بغيضا من وجهة نظر الإسلام والأديان السماوية وعدوّاً لدوداً للإنسانية جمعاء. ودعا زايد دوما إلى التسامح والتراحم في العلاقات الإنسانية بين الشعوب.

وأكد في أكثر من موقف أن الدين الإسلامي لا يعرف العنف والبطش الذي يمارسه الإرهابيون الذين يدعون الإسلام زوراً وأن الإسلام هو دين المحبة والغفران والتسامح والرأفة وأن المسلم لا يجوز أن يقتل أخاه مسلماً كان أو غير مسلم. ودعا في كلمة وجهها إلى رجال الدين وأهل العلم في العالم العربي والإسلامي يوم 22 مارس 1993 إلى التصدي لظاهرة التطرف الديني الذي يرفضه الإسلام وتوعية الشباب بمبادئ الدين الحق الذي يدعو إلى التسامح والتراحم ويرفض قتل المسلم لأخيه المسلم. وقال في رسالته.. «إن الواجب يحتم على أهل العلم أن يبينوا للناس جوهر الإسلام ورسالته العظيمة بأسلوب يليق بسماحة الدين الحنيف الذي يحث على الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة حتى يستجيب الناس ويواجهوا الإرهاب باسم الدين والقتل باسم الدين».

وأكد في لقائه مع الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا في 11 نوفمبر 1993 بأبوظبي أن الإسلام دين رحمة وتسامح وغفران وتفاهم وتقارب بين البشر ومعاملة بالتي هي أحسن وأن الدين الإسلامي لا يعرف العنف والبطش الذي يمارسه الإرهابيون الذين يدعون الإسلام زوراً وباسم هذا الادعاء يذبحون إخوانهم وأهلهم للوصول إلى أهدافهم المغرضة تحت شعار الدين في سلوك مشين والإسلام منهم براء. ونبذ الشيخ زايد انطلاقاً من روح التسامح التي يؤمن بها ظاهرة التطرف الديني

.

قيمة عظمى

وأكد في لقائه مع عدد من السفراء الجدد يوم 29 مارس 1988.. «إن البشرية لها قيمة عظمى عند الله سبحانه وتعالى ويجب أن تعامل بما أراده الخالق لها من خير ورفاهية وان الإسلام يكرم الإنسان لأن المولى عز وجل كرمه وانه يعتبر النفس البشرية أمانة يجب ألا تهان أو تذل أو تعامل من دون عدالة أو من دون حق وأن قتل النفس البشرية بغير حق يعتبر ذنبا عظيما لأن من قتل نفسا دون حق كمن قتل البشرية كلها» ويضيف سموه.. «إن الدين الإسلامي يعامل جميع البشر على السواء لا فرق بين مسلم وغير مسلم وان الله سبحانه وتعالى عندما بعث نبيه سيد المرسلين محمدا صلى الله عليه وسلم أمره بأن يجادل بالتي هي أحسن وأنه لو كان فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله». رؤية عميقة

وانطلاقاً من هذه الرؤية العميقة وحب عمل الخير لخدمة الإنسانية والبشرية أسس زايد في العام 1971 صندوق أبوظبي للتنمية ليكون عوناً للأشقاء والأصدقاء في الإسهام في مشاريع التنمية والنماء لشعوبهم. كما أنشأ في العام 1992 مؤسسة زايد للأعمال الخيرية والإنسانية برأس مال يزيد على مليار دولار لتكون ذراعه الممتدة في ساحات العطاء الإنساني في جميع مجالاته داخل الدولة وخارجها. وقد تبوأت دولة الإمارات بفضل جهود زايد ومبادراته الإنسانية في مناصرة الضعفاء ومساعدة المحتاجين ونجدة الملهوفين وإغاثة المنكوبين مكانة الصدارة والريادة في ميادين العمل الخيري والإنساني إقليمياً ودولياً.

وأوصى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قبل رحيله بنحو عام في كلمته في الأول من ديسمبر 2003 بمناسبة العيد الوطني الثاني والثلاثين أبناءه المواطنين على الجد والعمل للحفاظ على المكتسبات الوطنية التي حققتها المسيرة الاتحادية والخير الوفير الذي ينعمون به. وقال موجهاً حديثه بصورة خاصة إلى الشباب.. «إن ما تحقق من خير وفير لن يدوم دون مزيد من الجهد والبذل والتضحيات.. إن علينا أن نكد من أجل حماية مكتسباتنا الوطنية وتعزيز مسيرة اتحادنا وتحقيق المزيد من العزة للوطن والرخاء للمواطن وهذا لن يتأتى دون مشاركة بناءة وفاعلة من الجميع. لقد أصبحنا في نعمة ما كنا نحلم بها ولذلك أناشدكم ذكورا وإناثا أن تبذلوا كل جهد من أجل صيانتها ورعايتها حتى تحصدوا أنتم وأبناؤكم ثمارها على الدوام إن شاء الله..

عليكم ألا تدخروا جهدا من أجل العمل بكل ما أوتيتم من طاقات وإمكانيات.. إياكم والكسل والتقاعس والتهاون فإن النعم لا تدوم إلا بالجهد والنشاط والعمل الجاد وشكر الله وحمده.. كونوا حسبما نتوقعه منكم رجالا ونساء تعملون من أجل بلدكم بكل جد وتفان وإخلاص.. إنكم اليوم والحمد لله في ذروة العز والازدهار تنعمون بالخير والاحترام فثابروا واستمروا وتفاعلوا مع العالم الذي من حولكم وخذوا منه ما يفيدكم وينفع بلدكم واطرحوا جانبا ما يضركم ويسئ إلى مجتمعكم وقيمكم وتراثكم العريق».

وأكد لهم: «إن العمل الوطني لا يتوقف عند حد والمسؤولية تقع الآن عليكم يا شباب الإمارات وشاباتها لتحولوا الفرص التي أتيحت لكم إلى نقاط انطلاق لمزيد من العطاء لوطنكم وشعبكم. إننا ننظر إلى مفهوم المواطنة بمعنى الولاء للوطن والالتزام بالعمل من أجله. المواطنة تستدعي من كل منا أن يكون العطاء للوطن له نبراساً وهادياً فالوطن كل متكامل وبناؤه يستوجب تضافر جهود الجميع وتكاتفهم واستعدادهم لخدمته وحمايته».