تصادف اليوم التاسع عشر من شهر رمضان المبارك 1432 هجرية الذكرى السنوية السابعة لرحيل مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة وباني نهضتها وعزتها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه الذي ستظل روحه حية وخالدة في ذاكرة ووجدان الوطن والمواطنين وقلوب ونفوس الأمة العربية والإسلامية بعد حياة مشهودة حافلة بالعطاء، وهب خلالها نفسه وكرس كل جهده وعمل بتفان وإخلاص لخدمة وطنه وشعبه وأمته العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء ونقش سيرته في التاريخ كنموذج للقيادات الملهمة الحكيمة التي تجمعت وتوحدت قلوب الناس جميعا حولها وأجمعت على مبادلته الحب والوفاء والولاء المطلق.

لقد وهب زايد نفسه لبناء وطنه وخدمة مواطنيه وتحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم في الحياة الكريمة الرغدة وقاد ملحمة البناء من مرحلة الصفر بإقامة المدارس ونشر التعليم وتوفير أرقى الخدمات الصحية ببناء أحدث المستشفيات والعيادات العلاجية في كل أرجاء الوطن وإنجاز المئات من مشاريع المستوطنات البشرية التي شكلت منظومة من المدن العصرية الحديثة التي حققت الاستقرار للمواطنين. لقد كان بحق رجل التنمية. وأجمع العالم على ان زايد كان زعيما رائدا ورجل دولة قويا يتمتع بالحكمة وبعد النظر أسهم في دعم قضايا أمته العربية والإسلامية من أجل تحقيق وحدة الصف والتضامن بين شعوبها والدفاع عن حقوقها، كما دعم القضايا العالمية بمواقفه الصريحة والشجاعة ومبادراته العديدة على صعيد العمل القومي وفي ساحات العمل الإنساني لخدمة البشرية جمعاء، كما أولى العالم اهتماما وتجاوبا مع الجهود المتصلة لزايد في الدعوة إلى نشر ثقافة التسامح والوسطية والاعتدال في الإسلام والى الحوار والتقارب بين الثقافات والحضارات والأديان من أجل بناء مستقبل آمن ومزدهر للإنسانية جمعاء.

 

صفحات ثرية

حفل سجل المغفور له القائد زايد بصفحات ثرية من المنجزات الوطنية العظيمة التي أوصلت بلادنا إلى ما هي عليه اليوم من مكانة ورفعة وعزة وازدهار ورخاء، وما تنعم به من أمن واستقرار وطمأنينة وذلك على مدى نحو ستة عقود من العمل الوطني والقومي منذ تعيينه حاكما لمدينة العين والمنطقة الشرقية في العام 1946 إلى توليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي في السادس من أغسطس 1966 وحتى انتخابه رئيسا للبلاد بعد إعلان اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر 1971.

مولد الخير

ولد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في نحو العام 1918 في قصر الحصن بوسط مدينة أبوظبي وهو رابع أربعة أبناء رزق بهم الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان الذي حكم إمارة أبوظبي بين أعوام 1922 و1926 وكان ترتيبه الحادي عشر في سلسلة حكام آل نهيان وقد عرف عنه شجاعته وحكمته وقدراته على بسط الأمن والسلام والنظام ونظمه للشعر والنشيد واهتمامه بالزراعة والمياه والري حيث بنى فلج «المويجعي» مما أدى إلى ازدهار قرية «المويجعي» في مطلع الستينات. وقد تفتحت عينا زايد وسط البيئة القاسية والحياة الصعبة التي عاشها سكان إمارة أبوظبي في تلك المرحلة من تاريخها حيث بدأ في الاطلاع على أصول الدين وحفظ القرآن الكريم ونسج من معانيه نمط سلوكه ونهج حياته.

 ثم بدأت المرحلة الثانية من حياته عندما انتقل من أبوظبي إلى العين حيث أظهر شغفه المتزايد بالمكونات التقليدية التي يتصف بها البدوي الأصيل كالصيد بالصقور وركوب الخيل والهجن وإتقان الرماية وقد أمضى في مدينة العين وضواحيها السنوات الأولى من فجر شبابه وترعرع بين تلالها وجبالها وصحرائها واستمد الكثير من صفائها ورحابتها واشتهر بشجاعته وإقدامه وهو لا يزال صبيا وشكلت مكونات تلك الفترة بكل تجربتها وأبعادها خصائص زعامته الفذة وفلسفته في الحياة.

إتقان القتال

واتقن زايد عندما أصبح شابا فنون القتال والصول والجول والإقدام وبدأت ثقافته تكتسب بعدا جديدا فولع بالأدب والشعر والتاريخ وأبدى اهتماما كبيرا بمعرفة وقائع تاريخ العرب وأمجادهم وكان من أمتع أوقاته الجلوس إلى مجالس كبار السن ليستمع منهم عما يعرفونه من سير الآباء والأجداد وبطولاتهم حيث بدأت الشخصية القيادية للشيخ زايد تتبلور وتظهر بجلاء خلال هذه الحقبة من بداية الأربعينات. وبعد أن عين حاكما للمنطقة الشرقية من إمارة أبوظبي في العام 1946 أظهر زايد قدرات كبيرة في إدارة شؤون العين والمناطق التابعة لها وكرس كل طاقاته وجهوده لخدمة المواطنين وتحسين أحوالهم المعيشية. وتقدم صفوفهم في العمل رغم شح الإمكانيات التي كانت متاحة.

فقد لجأ زايد إلى تنمية الزراعة وحفر الأفلاج وكان يشارك الرجال النزول إلى جوف الأرض ويرفع معهم التراب حيث شهدت تلك الفترة عملية إصلاح زراعي محدودة أسهمت في تطوير المنطقة وازدهارها. واستحدث أول نظام للري ألغى به تجارة الماء التي كانت سائدة في المنطقة الشرقية مؤكدا.. "إن مياه الأفلاج الآتية من جوف الأرض يجب أن تكون من حق كل الناس الذين يعيشون فوق هذه الأرض". وافتتح أول مدرسة في العين في العام 1959 وهي المدرسة «النهيانية» ثم أنشأ مستشفى العين وسوقا تجارية وشبكة محدودة من الطرق نظرا لشح الإمكانيات المادية وقتها واكتسب منذ ذلك الوقت حب مواطنيه وثقتهم فيه.

 

أول رحلة

وشكلت أول رحلة قام بها زايد خارج البلاد في العام 1953 إلى بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية والتي أعقبها بزيارات إلى عدد من الدول العربية والإسلامية روية واضحة زادت من قناعاته بمدى حاجة البلاد إلى التنمية والتطور واللحاق بركب الحضارة والتقدم. وحظيت هذه الجولات لعدد من عواصم العالم المهمة بأصداء واسعة سياسيا وإعلاميا وقوبلت بارتياح محلي وباهتمام عالمي خاصة وأنها تزامنت مع بدء جهود التنقيب عن النفط في إمارة أبوظبي والإعلان عن اكتشاف البترول بكميات تجارية في العام 1958 ومن ثم تصدير أول شحنة من النفط الخام المنتج من حقل أم الشيف البحري في العام 1962.

وبرزت بعد هذه الجولات شخصية زايد القيادية وقدراته السياسية ليكون رجل البلاد القوي المنتظر في إمارة أبوظبي.

وبالفعل سطعت شمس السادس من أغسطس من العام 1966 لتضيء بإشراقتها المستقبل الباهر الذي شهدته إمارة أبوظبي بإعلان القرار التاريخي بمبايعة أسرة آل نهيان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكما لإمارة أبوظبي. وقد قبل الشيخ زايد تحمل المسؤولية الجسيمة تجاوبا مع إجماع أسرة آل نهيان ونبض الشعب وبذلك بدأت مرحلة تحول تاريخي في البلاد. وأعلن زايد منذ اللحظات الأولى لتوليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي عزمه على تسخير عائدات الثروات النفطية لبناء تقدم الوطن وتحقيق سعادة المواطنين مؤكدا.. "إذا كان الله عز وجل قد من علينا بالثروة فان أول ما نلتزم به لرضاء الله وشكره هو أن نوجه هذه الثروة لإصلاح البلاد ولسوق الخير إلى شعبها".

وتعهد زايد للرعية.. "إن من حقوق الله علينا رعاية من ولانا الله إياهم بقدر ما في الوسع والطاقة وإن من رضوان الله على عباده أن يقوم بعضهم بالبعض الآخر وإن الله لا يولي على عباده إلا من يرفق بهم ويطبق شريعته". وأضاف مؤكدا.. "إنني مثل الأب الكبير الذي يرعى أسرته ويتعهد أولاده ويأخذ بيدهم حتى يجتازوا الصعاب ويشقوا طريقهم في الحياة بنجاح".

بناء وتعمير

وانطلقت عجلة البناء والتعمير في كل مكان تقهر الصعاب وتهزم المستحيل بجهود مخلصة وعزيمة معطاءة وإرادة صلبة لقائد فذ نذر نفسه لازدهار وطنه وإسعاد شعبه. وكانت مدينة أبوظبي عندما تولى زايد مقاليد الحكم فيها كما هو الحال بالنسبة لمناطق إمارة أبوظبي الأخرى جزيرة رملية صحراوية قاحلة تحيط بها مياه الخليج من كل الجوانب لا يوجد بها سوى مجموعة من البيوت المتناثرة معظمها من «العريش» وكانت تفتقر إلى أبسط الخدمات من طرق أو مياه أو كهرباء أو مدارس أو مستشفيات وغيرها من الخدمات الأساسية الضرورية للسكان. بنية تحتية وكانت احتياجات الناس من السلع والبضائع تأتى إلى أبوظبي بواسطة «الصنادل» التي تقوم بنقل هذه السلع من السفن الكبيرة التي كانت ترسو قبالة كورنيش أبوظبي الحالي نظرا لعدم وجود أي موانئ أو حتى أي نوع من هياكل البنية الأساسية من طرق وجسور ومطارات واتصالات حديثة وغيرها من مرافق البنية التحتية وكان المواطنون يعيشون حياة قاسية وصعبة يعانون من شظف العيش والحرمان من الخدمات الضرورية.

وكان هذا الأمر يشغل بال زايد الذي كان يردد.. "كنت أفكر دائما وقبل أن تتوفر لي الإمكانات التي أنعم الله بها علينا مع ظهور البترول أن شعبنا حرم كثيرا في الماضي من الخدمات والمرافق التي كان يتمتع بها غيره وآن الأوان لأن نعوض شعبنا عما فاته لينعم بما أعطاه الله من خير وفير". وبدأت مرحلة سنوات خالدة حافلة بالعمل الدؤوب والإنجازات المتلاحقة بأن سخر زايد عائدات الثروة النفطية لانتشال إمارة أبوظبي من حالة التردي الاقتصادي والاجتماعي التي كانت عليها حيث أكد في هذا الخصوص.. "إن مصلحة الوطن العليا فوق كل اعتبار ويتوجب أن تسبق بالأولوية والاهتمام والغاية أية مصلحة أخرى".

وانطلقت عمليات التطوير والبناء بإرساء قواعد الإدارة الحكومية السليمة وبناء المؤسسات التنظيمية والمالية والإدارية والمرافق والدوائر الحكومية التي تتولى الإشراف على تنفيذ مشاريع التنمية. وتدفقت عائدات الثروات البترولية بسخاء للإنفاق في إقامة مشاريع التطوير والخدمات والبنية الأساسية وبدأ العمل في تنفيذ برامج طموحة سريعة وأخرى طويلة الأجل للتنمية الشاملة التي استهدفت شتى نواحي الحياة بالتبديل والتحديث للحاق بركب الحضارة والتقدم فلا فائدة في المال كما كان يقول زايد.. "إذا لم يسخر لصالح الشعب". ولم يسخر زايد المال فقط ويوظفه لإسعاد أمته بل نذر نفسه لخدمتها وأخذ يجوب البلاد طولا وعرضا يتابع بنفسه عمليات التشييد والبناء ويتنقل بين الحضر والقرى والصحاري يتفقد مشاريع الإنماء والإعمار ويقود تحديا غير مسبوق للحاق بركب الحضارة والتحديث والتقدم.

 

منجزات عملاقة

وحققت إمارة أبوظبي خلال سنوات قلائل منجزات عملاقة تم تنفيذها في زمن قياسي بكل المعايير والمعدلات الدولية للتنمية وشهدت تحولات جذرية على طريق التقدم والازدهار حيث تم في إطار خطط متلاحقة للتنمية الشاملة تنفيذ المئات من مشاريع التطوير والتحديث والخدمات في آن واحد والتي انطلقت من وضع أول مخططات حديثة لتطوير المدينة على أسس عصرية بإقامة العديد من المدن السكنية الحديثة وبناء المستشفيات والعيادات الصحية والهياكل الأساسية للبنية التحتية من طرق وجسور وأنفاق وكهرباء ومياه وخدمات المواصلات والاتصالات وغيرها من مرافق الخدمات الأساسية لبناء نهضة الوطن وتلبية طموحات المواطنين وتطلعاتهم في الرخاء والأمن والاستقرار.

وشملت مخططات التطوير والتحديث لإمارة أبوظبي إقامة العديد من المدن العصرية الحديثة وتجميل المدينة بإنجاز معجزة التشجير والمسطحات الخضراء مما أحال الصحراء القاحلة التي كانت تحيط بالجزيرة إلى حدائق غناء تحتضن المئات من مختلف الأنواع والألوان من الزهور.

وبادر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بعد نحو عامين من توليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي التي كانت قد قطعت شوطا كبيرا على طريق النهضة والتقدم إلى دعوة إخوانه حكام الإمارات إلى الاتحاد في دولة واحدة قوية انطلاقا من توجهه الوحدوي المتأصل في فكره وفلسفته منذ أن كان حاكما على منطقة العين في عام 1946 والذي ينبع من إيمانه القوى بالتراث العربي والإسلامي الذي يدعو إلى التعاون والتآزر والترابط والعمل على أعمار الأرض وإسعاد البشر مؤكدا.. "إن الاتحاد هو طريق القوة وطريق العزة والمنعة والخير المشترك وان الفرقة لا ينتج عنها إلا الضعف وان الكيانات الهزيلة لا مكان لها في عالم اليوم..

فتلك كما كان يقول عبر التاريخ على امتداد عصوره". ولاقت المبادرة الخيرة أصداء واسعة واستجابة وقبولا سريعين من إخوانه الحكام وتواصلت بعدها سلسلة من المشاورات واللقاءات بين حكام الإمارات أثمرت في الثاني من ديسمبر 1971 عن عقد أصحاب السمو حكام الإمارات الست جلسة تاريخية بقصر الضيافة بالجميرة بدبي برئاسة زايد أقروا فيها الدستور المؤقت للدولة الاتحادية وتم انتخاب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيسا لدولة الإمارات العربية المتحدة والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي نائبا للرئيس وتعيين الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيسا لأول وزارة اتحادية في البلاد.