رسم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ رحمه الله وطيب ثراه ـ الخطوط الرئيسية لنهج سياسة الدولة الخارجية والتي ظلت منهجا ونبراسا ينير الطريق لقيادة الدولة الرشيدة حين قال "إن السياسة الخارجية لدولة الإمارات تستهدف نصرة القضايا والمصالح العربية والإسلامية وتوثيق أواصر الصداقة والتعاون مع جميع الدول والشعوب على أساس ميثاق الأمم المتحدة والأخلاق والمثل الدولية، وإن دولتنا الفتية حققت على الصعيد الخارجي نجاحا كبيرا حتى أصبحت تتمتع الآن بمكانة مرموقة عربيا ودوليا بفضل مبادئها النبيلة، ولقد ارتكزت سياستنا ومواقفنا على مبادئ الحق والعدل والسلام منطلقين من إيماننا بأن السلام حاجة ملحة للبشرية جمعاء".

وقد اعتمدت دولة الإمارات العربية المتحدة الحكمة والاتزان في بناء علاقاتها الخارجية، وبنت في ضوء تلك الرؤية سياستها للتعامل مع الدول القريبة والبعيدة شعوبا وأنظمة المنهج الذي أرساه مؤسس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، وبنى عليه بإبداع خلفه وإخوانه في قيادة الدولة، حتى صارت سياسة الإمارات الخارجية، مثلا يحتذى به من القريب والبعيد على حد سواء، باعتبارها تجسيدا للحكمة والاعتدال والتوازن، دون التفريط بواجب مناصرة الحق وتحقيق العدالة، بالأسلوب الإنساني الأكثر تأثيرا.

وقد أرسى رحمه الله ركائز هذه السياسة المتمثلة في الحوار والتفاهم بين الأشقاء والأصدقاء والالتزام بميثاق الأمم المتحدة، واحترام المواثيق الدولية، وقواعد حسن الجوار، وسيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحل النزاعات بالطرق السلمية، فجاءت المحصلة انفتاحا متبادلا بين الإمارات والعالم، أينعت ثماره شراكات إستراتيجية سياسية واقتصادية وتجارية وثقافية وعلمية وتربوية وصحية، مع العديد من الدول في مختلف القارات، مكرسة مكانة مرموقة للدولة في المجتمع الدولي.

 

التضامن العربي

كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ طيب الله ثراه ـ يؤمن في مجال السياسة الخارجية، إيمانا راسخا وثابتا بالتضامن العربي والتعاون بين الشعوب، على قاعدة الصداقة والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وكان رحمه الله يقول "إن دولتنا جزء من الأمة العربية يوحد بيننا الدين والتاريخ واللغة والآلام والآمال والمصير المشترك ومن حق أمتكم عليكم أن تشاركوا آمالها وآلامها فكل خير تنالونه لا تقصر قيادتكم في إسدائه إلى أبناء أمتكم وكل شر تتعرض له هذه الأمة لابد أن نسهم في دفعه بأموالنا ودماء شبابنا وسلاح جنودنا " .

وترتكز فلسفة سموه الخاصة بالعلاقات الدولية على فرضية حاجة كل دولة كبيرة أو صغيرة إلى التعامل مع بعضها البعض، لمواجهة المشكلات التي تعترض مسيرة البشرية، وحلها بعيدا عن لغة المواجهة والعنف والصراع، لقد اكتسب سموه خبرة ودراية واسعة في الشؤون الدولية، من خلال كونه حاكما لإمارة أبو ظبي مدة تزيد عن 35 سنة، ورئيسا للدولة لمدة تزيد عن ثلاثين سنة كذلك، حيث كرس هذه الخبرة والدراية لمصلحة شعبه وبلده، والقضايا الإقليمية والدولية، وقد تجلى ذلك من خلال مساعيه المتواصلة، وجهوده المستمرة في حل هذه القضايا، إذ عرف عن سموه الحكمة وبعد النظر، من خلال المشاورات والاتصالات التي يجريها القادة، من مختلف أنحاء العالم مع سموه، في معالجته للقضايا الإقليمية والدولية المختلفة، والتي يتقاسمها مع القادة الآخرين، من أوروبا، وآسيا، وإفريقيا، وخاصة العالم العربي، الذين يزورون دولة الإمارات.

 

زمن الأقوياء

وربما كان لعمق فكرته وبعد نظرته الخاصة بعلاقات الدول في أن العالم يتجه إلى التكتل وأنه لا مكان للأمة الواحدة الضعيفة في زمن الأقوياء فيقول رحمه الله "إنني بقيام التعاون والصداقة بين العرب والأفارقة، أؤكد على أنه من صالح العرب والأفريقيين أن تكون بينهم اتصالات أكثر وصداقة أكبر، فإنه لا دين يفرقهم ولا مسافات تبعدهم ولا عادات مختلفة تبعد بينهم، وإن التراث بينهم يتشابه ،وكذلك الأديان والعادات" نحن نعتقد أن الإقليمية الوحيدة التي يحس بها المواطن في بلادنا هي انتماؤه إلى الأمة العربية والوطن العربي" وقال رحمه الله " إن دولة الإمارات العربية المتحدة استطاعت وسط أجواء دولية وإقليمية عاصفة الأنواء أن تفرض احترامها ومكانها بين دول العالم.

وأكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في التاسع من سبتمبر 2008، لدى لقائه بسفراء الدولة وممثليها في عدد من المنظمات الإقليمية والدولية بالخارج بقوله "إن نجاح السياسة الخارجية شكلت أحد ابرز الانجازات المشهودة لدولة الإمارات وان هذا النجاح قام على مجموعة من الثوابت التي أرسى دعائمها القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان".

وقال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله " إن دولة الإمارات تمد يدها بالخير والعطاء والسلام إلى دول وشعوب العالم وتبني جسورا للمحبة والتواصل بين شعبنا والشعوب كافة، خاصة في الدول الفقيرة التي نحرص كقيادة على توفير مقومات الحياة الكريمة لأبنائها، من خلال المبادرات الإنسانية التي تركز على الصحة والتعليم كونهما عنصرين أساسيين من عناصر الاستقرار المجتمعي والمعيشي لهؤلاء".

 

روح العدالة وحقوق الإنسان

ومن خلال تأكيد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه، على هذا المبدأ السديد أصبحت سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة الخارجية تسمو بروح العدالة، وحماية حقوق الإنسان واحترامها من خلال تشريعات حرصت على تكريس المساواة والعدالة بين أبناء الشعب، وإعطاء المرأة حقوقها، وتوسيع تمثيلها في السلطتين التنفيذية والتشريعية وتعزيز مشاركتها في أسواق العمل، في تجسيد رائع لمنظومة المثل والقيم العربية الإسلامية الحقيقية، بالإضافة إلى تطوير التشريعات الوطنية الكفيلة بحماية حقوق الإنسان واحترامها، ورعاية وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة، وتنظيم استقدام وتشغيل العمالة الوافدة وصيانة حقوقها، ومكافحة جرائم الاتجار بالبشر، وضمان الحماية والدعم للمتضررين منها، وفق ما نصت الاتفاقيات الثنائية والدولية ذات الصلة.

 

مساعدات خارجية

وقد أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم تقرير مكتب تنسيق المساعدات الخارجية للدولة من عامين وأكد سموه أن الإمارات قدمت مساعدات خارجية في عام 2009 بقيمة 8.93 مليارات درهم أي ما يعادل 2.43 مليار دولار أميركي لأكثر من 92 دولة حول العالم، مؤكدا أن هذا العطاء يعكس قيم الدين الإسلامي الحنيف والتي رسخها الآباء المؤسسون خاصة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، "

وبفضل قيمة العطاء والسخاء ومساعدة القريب والبعيد التي ظلت تلازم الشيخ زايد طوال حياته وامتدت بعد وفاته احتلت المساعدات الخارجية موقعا متقدما في التعامل الخارجي لدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث واصلت جهودها في تقديم مختلف أنواع المساعدات المالية والإنسانية للعديد من الدول، من خلال برامج التنمية ومشاريع البنية التحتية، وكذلك تقديم العون للدول التي تعاني من الحروب والكوارث الطبيعية سواء بشكل مباشر أو من خلال عضوية الإمارات في مجموعة دعم المانحين لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وكذلك مساهماتها الأخرى في برامج ووكالات الأمم المتحدة المتخصصة والمنظمات والهيئات الإقليمية ذات الصلة.

وقد أنشأت الدولة مؤسسات متعددة للاضطلاع بهذا الدور الإنساني الكبير، بينها: صندوق أبوظبي للتنمية، ومؤسسة خليفة للأعمال الخيرية، ومؤسسة زايد للأعمال الخيرية، وهيئة الهلال الأحمر، ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للأعمال الخيرية، ومبادرة نور دبي بهدف معالجة مليون شخص يعانون من أمراض العيون خاصة في إفريقيا وآسيا.

وكانت فلسفة المؤسس العظيم لدولة الإمارات العربية المتحدة تتلخص في أن الوصول إلى تحقيق التكافل والرضا بين الشعوب والأمم يوجب العمل على إشاعة وتأصيل المفاهيم الإنسانية والإسلامية النبيلة لدى الشعوب، وتربية الأجيال القادمة على ذلك .

 

أسلحة الدمار الشامل

ولتحقيق ذلك، شددت الإمارات على ضرورة جعل منطقة الشرق الأوسط بما فيها الخليج العربي خالية من أسلحة الدمار الشامل، الأمر الذي يتطلب إلزام إسرائيل بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة الداعية إلى إخضاع منشآتها النووية لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإشرافها، فضلا عن انضمامها غير المشروط إلى معاهدة حظر الانتشار أسوة بدول المنطقة، كما حثت الإمارات جمهورية إيران الإسلامية على مواصلة تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمجتمع الدولي لتبديد المخاوف والشكوك حول طبيعة وأغراض برنامجها.

وفي هذا الاتجاه، وكعادتها لعبت دولة الإمارات العربية المتحدة دورا كبيرا خلال تجسيد تعهد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، بمواصلة العمل مع إخوانه قادة دول المجلس، على تعزيز العمل الخليجي المشترك، وزيادة فاعليته باستكمال بناء صروح التكامل السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي إلى واقع حي بخطوات عملية ملموسة.

وتعمل دولة الإمارات العربية المتحدة منذ تأسيسها، مع أشقائها بمجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية والمجموعات الأخرى على مساندة كل المساعي والجهود الدبلوماسية الممكنة من أجل احتواء بؤر التوتر والصراعات في منطقة الشرق الأوسط بما فيها الخليج العربي، حيث تجدد تأكيدها باستمرار، على ضرورة حل الخلافات بالطرق السلمية.

ومازالت دولة الإمارات تمتحن في حكمتها وتعقلها، باحتلال إيران لجزرها الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، وبكل الحكمة والتعقل التي عرفت بها قيادة دولة الإمارات، توالت الدعوات للجارة إيران إلى الحوار سبيلا لمعالجة المعضلة، وكانت ابرز تلك الدعوات وابلغها، دعوة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، إلى إيران للتجاوب مع المساعي السلمية لدولة الإمارات التي قال فيها: "التزاما بما نؤمن به من ثوابت في حل النزاعات بين الدول، فإننا نكرر الدعوة للجارة إيران إظهار حسن النوايا والدخول في مفاوضات مباشرة لتسوية قضية جزرنا الثلاث المحتلة، أو الموافقة على إحالة القضية بمجملها إلى محكمة العدل الدولية مع استعدادنا الكامل للقبول بالتحكيم مهما كانت نتائجه".

 

زايد والقضية الفلسطينية

ولخص المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان ـ طيب الله ثراه ـ موقف الإمارات من القضية الفلسطينية حين قال "إن محور سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة هو ضرورة إحلال سلام دائم و عادل في الشرق الأوسط، يقوم على انسحاب إسرائيل من كافة الأراضي العربية المحتلة، واستعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه السليبة، وخاصة حقه في العودة إلى وطنه، وإقامة دولته المستقلة، واسترجاع سيادته على ترابه الوطني" وقد وقفت دولة الإمارات دائما مع القضية الفلسطينية مؤكدة إيمانها "بأن تسوية قضية الشرق الأوسط لا يمكن أن تتم بفرض واقع الاحتلال والاستيطان والحصار على الشعب الفلسطيني الذي يواجه حاليا أكبر أزمة إنسانية من جراء سياسات القتل المتعمد والدمار والتجويع والاعتقال الجماعي التعسفي" و "أن استمرار العدوان الإسرائيلي - سيؤدي حتما إلى تفاقم العنف وتفجير الوضع الأمني ليس في الأراضي التي تحتلها إسرائيل - فحسب وإنما في المنطقة برمتها".

تتجلى حكمة الشيخ زايد رحمه الله عندما أراد تأسيس وبناء القوات المسلحة التي أصبحت الآن درعا منيعا للبلاد قال " إننا نسعى إلى السلام ونحترم حق الجوار، ونرعى الصديق، لكن حاجتنا إلى جيش قوي قادر على حماية الوطن تبقى قائمة ومستمرة، ونحن نبني الجيش لا عن رغبة في غزو، وإنما للدفاع عن أنفسنا"

وبمسؤولية القائد الكبير ظلت قضية الصراع العربي ـ العربي والفرقة العربية تؤرقه ـ رحمة الله عليه ـ وتقض مضجعه وعلى مدار سنوات طويلة بذل الغالي والنفيس من الوقت والجهد والمال في محاولة رأب الصدع وعودة العلاقات العربية كما كانت يقول طيب الله ثراه" إنني منذ بداية خلافات العالم العربي إلى يومنا هذا لم أبت ليلة واحدة مسرورا وأسعى دائما وأود أن أبذل الجهد وأصرف المال من أجل ألا يختلف الشقيق مع شقيقه".

وسجل التاريخ بأحرف من نور هذا الموقف الرائع الذي التزم به الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه إبان حرب العاشر من رمضان 1973 التي خاضتها الجيوش المصرية والسورية ضد المحتل الإسرائيلي حين قال» سأقف مع المقاتلين في مصر وسوريا بكل ما نملك، وليس المال أغلى من الدم وليس النفط أغلى من الدماء العربية التي اختلطت على أرض جبهة القتال في مصر وسوريا«.