استضاف الملتقى الرمضاني العاشر مساء أمس الأول برعاية كريمة من سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم الداعية عثمان الخميس الذي حاضر تحت عنوان «إيمان وأمان» بحضور آلاف الزوار، الذين شاركوا المحاضر بالرد على أسئلته واستفساراته وحصلوا منه على جوائز متنوعة، وتم في ختام الأمسية السحب على كوبونات يحصل الفائز بها على رحلة عمرة لمدة 4 أيام شاملة مصاريف الإقامة بفندق 5 نجوم وذلك مكرمة من سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي.

واستهل الشيخ عثمان الخميس محاضرته بحمد الله والثناء عليه على ما وهبنا من نعم وعطايا وقال إن من أهم النعم التي يحصل عليها العبد عبادة الله وطاعته وأهم تلك العبادات طلب العلم، وهذا الملتقى الرمضاني هو أحد أهم مجالس طلب العلم حاليا، وقال «أسأل الله تعالى أن يجعل تجمعنا هذا تجمعا محمودا ويجعل تفرقنا من بعده تفرقا ميمونا، ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نشكر القائمين والمنظمين لهذا الملتقى، وأن يجعل الله ذلك في ميزان حسناتهم».

وأكد الخميس أن الأمان لا يكون إلا مع الإيمان، فلا أمان بلا إيمان، وهذا الإيمان هو أغلى سلعة ينشدها الإنسان في حياته ويدفع الغالي والثمين للحصول عليها وتوفيرها للعيش في كنفها، وقال تعالى في سورة الدخان، آية 51: "إن المتقين في مقام أمين"، مشيرا إلى أن ما يشهده العالم الغربي حاليا في بعض دوله بما يسمى مظاهر الأمان هو في الحقيقة ليس أمانا لأنه لم يأت إلا بقوة القانون والإلزام أما أن يكون مصدره من الضمير والعقيدة فهذا غير موجود.

وقال إن الأمان منة من رب العباد يهبه لعباده المؤمنين قال تعالى: «والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين» وذكر تعالى عن قوم ثمود أنهم «كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين» أي من غير خوف ولا احتياج إليها بل أشرا وبطرا وعبثا كما هي المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر الذي مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك فقنع رأسه وأسرع دابته وقال لأصحابه: «لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم» فأهلكهم الله ولم يستفيدوا شيئا من هذه البيوت وتحول ذلك الأمن عليهم وبالا.

وقال عن قوم سيدنا يوسف: «ادخلوا مصراً آمنين» وقال تعالى لسيدنا محمد: «لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون»، وقال تعالى: «إن المتقين في مقام أمين».

هذه الآيات العظيمة تدل بوضوح على مكانة الأمن والأمان، وعندما فتح الله تعالى على المسلمين مكة ودخلها رسوله الكريم «نادى بأهل مكة من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن" وهذا يدل على مدى أهمية الأمن وكيف أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وما ذلك إلا لكرم أخلاقه وحسن طباعه.

وأشار الخميس إلى أنه تعالى ما شرع الحدود إلا لتوفير الأمن ولتكون رادعا لهم عن تجاوز حدودهم، قال تعالى: "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب" حيث إنه بالأمن يأمن الناس على حياتهم وأموالهم وأبنائهم وكل ممتلكاتهم، وبغير الأمن لا يأمنون على شيء، وأصل كلمة الإيمان الأمن وهذا يدل على أن المؤمنين هم أهل الأمن، ومرجع كلمتي الأمان والأمن ثلاثة أحرف هي الألف والميم والنون، أمن.

ومن أوضح الأدلة على أن عبادة الله وطاعته تحتم الأمن وتوفره قوله تعالى في سورة النحل آية 112: «وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مّطْمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ».

ضرب الله - تعالى - مثلا لتصوير حال العصاة الذين جحدوا نعمة الله عليهم لينظروا المصير الذي يتهددهم من خلال المثل الذي يضرب لهم. فالمعاصي تزيل النعم الحاضرة، وتقطع النعم الواصلة، فمازالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة». وقد قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىَ قَوْمٍ حَتّىَ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} الأنفال:53.

فأخبر الله تعالى - أنه لا يغير نعمه التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته وشكره بكفره. وأسباب رضاه بأسباب سخطه، جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد. وقال الشاعر: إذا كنت في نعمة فارعها فإن الذنوب تزيل النعم.

وقد وعد الله تعالى المؤمنين الذي يطبقون شرع ه وأوامره بالأمن، قال تعالى في سورة النور آية 55: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ».

انها بشارة خير ووعد من الله عز وجل للمؤمنين «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض» بدلا من الكفار من بني إسرائيل بدلا من الجبابرة «وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم» وهو الإسلام بأن يظهره على جميع الأديان ويوسع لهم في البلاد فيملكوها "وليبدلنهم من بعد خوفهم" من الكفار «أمناً» وقد أنجز الله وعده لهم بما ذكر وأثنى عليهم بقوله: "يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك" الأمن «فأولئك هم الفاسقون».

وأشار الخميس إلى أنه بنظرة تاريخية فاحصة سريعة لمدى تحقيق الأمن للمسلمين نرى أنه متى ما تحقق شرط الأمن تحقق الأمن ومتى ما تخلف الشرط تخلف الوعد، فلما حقق النبي صلى الله عليه وسلم العبادة الكاملة لله تعالى تحقق لهم الأمن وكان ذلك في عهد النبي، وفي عهد الخلافة الراشدة كلنا نعرف قصة ذلك الرجل الذي رأى سيدنا عمر بن الخطاب نائما تحت الشجرة، وكيف أن ذلك دليل على الأمن وما ذلك إلا لتحقيق الشرط وهو عبادة الله حق عبادته وطاعته، ثم بدأ الأمن يتلاشى من المؤمنين شيئا فشيئا لبعدهم عن ربهم فبدأ الخلاف يشب في الأمة فتسلط عليهم الأعداء.

حتى جاء عصر نور الدين الزنكي وصلاح الدين الأيوبي فطبقوا شرع الله ونهضوا بالأمة بعد أن نشروا العلم طوال سنوات فيهم فوفر الله لهم الأمن، فلما ابتعدوا عن الله تلاشى الأمن وسلط الله عليهم التتار ثم هيأ الله تعالى لهم القائد قطز فجاهدوا في الله ورجعوا لله بالاستماع لأوامره وتطبيقها فعاد لهم الأمن، ثم انحرفوا فسلط الله عليهم الأعداء إلى أن جاء العثمانيون وطبقوا حكم الله في الأرض وشرعه وجاء الأمن ثم انحرفت الأمة بعد سقوط الخلافة العثمانية وما زالت الأمة تعيش مآسي تلاشي الأمن إلى يومنا هذا.

وختم الخميس بقوله: علينا أيها الإخوة أن نستشعر عظيم نعمة الله علينا في الأمن الذي تعيشه بعض دولنا حاليا وخاصة أن العديد من دول العالم الإسلامي تعيش هذه الايام في تيه وفي خوف وما ذلك إلا لبعدها عن شرع الله فعلينا أن نتعلم من التاريخ وأن نسمع كلام الله وأوامره ونطبق ما قال لنحيا في أمن وأمان.

فاز بالسحوبات التي أجرتها اللجنة المنظمة بعد انتهاء المحاضرة على رحلة العمرة كل من سعيد عصام وابراهيم علي عبد الله، اللذين أبديا سعادتهما بفوزهما بجائزة رحلة العمرة وشكرا المنظمين والرعاة ومقدمي الجوائز.