دعا الدكتور محمد العريفي الداعية الإسلامي إلى الابتعاد عن البغي والظلم والعقوق، مشيرا إلى أن البغي والعقوق تعجل فيهما العقوبة في الدنيا، وقال: رب عين ساهرة تدعو عليك بسبب ظلم وقع على صاحبها منك وأنت نائم لا تدري، فيذهب الله تعالى بمالك أو صحتك أو يبتليك بمصائب عدة بسبب ظلم ربما يكون صغيرا، فيجب علينا أن نحذر أيها الإخوة من الظلم والذي تتعدد وجوهه فقد يكون المنع ظلما فاحذروا.
جاء ذلك خلال محاضرته التي ألقاها في فعاليات الملتقى الرمضاني العاشر الذي يقام تحت رعاية كريمة من سمو الشيخ أحمد بن محمد آل مكتوم في أمسيته الثالثة مساء بعنوان " في قصر قارون"، وحضرها 6 آلاف من الجمهور.
واستهل العريفي محاضرته بالحمد والثناء على الله تعالى والصلاة والسلام على نبيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ودعا تحت تأمين الحضور بالعتق من النار وبتقبل الصيام والطاعات والمغفرة من الذنوب، وقال إن من فضل الله تعالى علينا في هذا الشهر الكريم أن يسر لنا مثل هذه المجالس الطيبة، وإن أجر من شارك في تنظيم هذه المجالس ومن سعى لها ومن قدم أي شيء في سبيل إحيائها ومن حضرها لأجر كبير وعظيم.
وأشار مخاطبا الجمهور إننا ما جئنا لطلب طعام أو مال أو أعطيات، وأعلم أنكم ما جئتم إلا طلبا للخير والأجر ومجالس الذكر فأسأل الله تعالى ألا يردنا خائبين وأن يجعلنا ممن قال فيهم رسوله الكريم " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله أو يتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، أسأل الله أن يجعلنا منهم إنه على ذلك قدير.
وأشار العريفي إلى أن قصص الأنبياء وأسماءهم في القرآن على 3 مضارب، الأول أن الله تعالى أرسل 150 ألف رسول - كما ورد في السيرة- ولم يذكر القرآن الكريم شيئا من قصصهم، وثانيا أنه تعالى ذكر في كتابه أسماء 25 نبيا، منهم لم يذكر إلا اليسر عن حياتهم كنبي الله اليسع، وذي الكفل، وإلياس، وقد كان لهم قوم وكتاب .
ولكن لحكمة يريدها الله لم يذكر لنا عنهم شيئا، ومنهم ذكر تعالى بعض قصصهم وسيرهم كسيدنا هود وشعيب وغيرهما، وثالثا أنه تعالى ذكر بعض الأنبياء وذكر الكثير عنهم كسيدنا موسى عليه السلام حيث ذكر في القرآن أكثر 183 مرة وذكرت قصصه في 25 موضعا وهذا النبي نعرف قصة ولادته واسم أخيه ونعرف حال أمه وأخته وماذا فعل وأين تربى وقصة زواجه ومن آمن من قومه ومن كفر منهم والكثير الكثير عنه، بل حتى أننا نعرف قصص بعض من عاصروه من الملوك وما حدث من أحداث، كقصة قارون.
وأوضح أنه ورد ذكر قارون في سورة العنكبوت، وغافر، وورد ذكر القصة بتفصيل أكثر في سورة القصص الآيات 76-82: قال تعالى( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين. صدق الله العظيم.
يروي لنا القرآن قصة قارون، وهو من قوم موسى، ويحدثنا الله تعالى عن كنوز قارون فيقول سبحانه وتعالى إن مفاتيح الحجرات التي تضم الكنوز، كان يصعب حملها على مجموعة من الرجال الأشداء، ولو عرفنا عن مفاتيح الكنوز هذه الحال، فكيف كانت الكنوز ذاتها؟! لكن قارون بغى على قومه بعد أن آتاه الله الثراء، ولا يذكر القرآن فيم كان البغي، ليدعه مجهلا يشمل شتى الصور، فربما بغى عليهم بظلمهم وغصبهم أرضهم وأشياءهم، وربما بغى عليهم بحرمانهم حقهم في ذلك المال، حق الفقراء في أموال الأغنياء، وربما بغى عليهم بغير هذه الأسباب.
وتابع في قصة قارون قائلا "ويبدو أن العقلاء من قوم قارون نصحوه بالقصد والاعتدال، وهو المنهج السليم، وبإعطاء الفقراء حقهم، وحذروه من الفرح الذي يؤدي بصاحبه إلى نسيان من هو المنعم بهذا المال، ومن الفرح من الذي ينتج عن معصية، ونصحوه بالتمتع بالمال في الدنيا من غير أن ينسى الآخرة، وأن يعمل لآخرته بهذا المال.
وذكّروه بأن هذا المال هبة من الله وإحسان، فعليه أن يحسن ويتصدق من منه، حتى يرد الإحسان بالإحسان، وحذّروه من الفساد في الأرض، بالبغي، والظلم، والحسد، والبغضاء، وإنفاق المال في غير وجهه، أو إمساكه عما يجب أن يكون فيه، فالله لا يحب المفسدين، منوها إلى أن رد قارون عليهم كان في جملة واحد تحمل شتى معاني الفساد (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)، لقد أنساه غروره مصدر هذه النعمة وحكمتها، وفتنه المال وأعماه الثراء، فلم يستمع قارون لنداء قومه، ولم يشعر بنعمة ربه.
