ذكرت خطبة الجمعة أمس أن الله عز وجل أمر عباده بالتوبة والإنابة إليه عند كل زلة أو خطيئة، صغيرة كانت أم كبيرة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خير بني آدم هم التوابون فقال: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطّائين التوابون» ونحن على مقربة من شهر رمضان الكريم، شهر الخير والغفران.
ودعت الخطبة كل مسلم لكي يبدأ انطلاقة جديدة نحو الخير والصواب والعودة إلى الله تعالى وحسن المآب، واستدراك ما فات، والإخلاص فيما هو آت، حتى تصفو القلوب، فعلينا أن نتهيأ لتقبل خيراته ورحماته بتفريغ أنفسنا مما يعارضه أو ينافي، فالإنسان معرض في كل يوم لأن يرتكب الزلات والأخطاء، والفائز من يتوب من الذنب فيسلم والخاسر من يصر عليه فيندم، قال الله تعالى ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون).
الاستعداد للخير
وأشارت الخطبة إلى أن الله تعالى أودع في الإنسان الاستعداد للخير والسداد، والقابلية للشر والفساد، قال الله عز وجل ( فألهمها فجورها وتقواها) ودعانا إلى تزكية أنفسنا وتقوية جانب الخير والصلاح فينا، وهذا لا يكون إلا بالتوبة عما مضى، وتجديد العهد مع الله تعالى فيما بقي، وبهذا يتحقق رضا الله تعالى وفرحه بعبده التائب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح».
وأضافت خطبة الجمعة أن من متطلبات التوبة الندم على ما فرط الإنسان في حق الله تعالى بأن قابل إحسان ربه إليه بالإساءة والمعصية، ولم يقدر نعم الله تعالى عليه، فالواجب على المسلم أن يستعمل نعم الله سبحانه عليه من جوارح وأعضاء ومال وعطاء فيما يرضي الله عز وجل وينفع نفسه وأهله ومجتمعه، ومن متطلبات التوبة الصادقة أن يحسن التائب خلقه مع الكبير والصغير، ويؤدي الأعمال بعد زمن الإهمال، ويقضي ما فاته من الواجبات والفرائض، فأبواب السماء مفتحة أمام التائبين، ونداء الله عز وجل الأزلي في كل يوم وليلة يقول لهم : «هل من مستغفر؟ هل من تائب».
وأكدت أن يد الله تعالى مبسوطة لقبول كل من أقبل عليه، وأناب إليه واستغفر بين يديه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ».
ومن الواجب علينا أن نجدد توبتنا، وإن عدنا وأخطأنا فلا نمل من التوبة ولا نيأس من رحمة الله وعفوه ومسامحته، فإن رحمة الله قريبة من المحسنين، وأن لا نجعل صلتنا بربنا صلة مواسم ومناسبات، وأن لا يكون استغفارنا باللسان وبالكلمات، بينما القلب لم يندم والعقل لم يألم والجوارح ما زالت تخطئ وتظلم فإن من شروط التوبة أن لا يجاهر الإنسان بالذنب بل عليه أن يحمد ربه على أن ستره في الدنيا والله أكرم وأرحم من أن يفضحه في الآخرة لأنه صار من أمة المعافاة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« كل أمتي معافاة إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملا ثم يصبح قد ستره ربه، فيقول: يا فلان قد عملت البارحة كذا وكذا. وقد بات يستره ربه، فيبيت يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه».
الخطبة الثانية
وجاء في الخطبة الثانية أن من شروط التوبة أن تبغض الذنب وتستغفر منه كلما ذكرته وأن تنوي أن لا تعود إليه أبدا، وأن تتقرب من أماكن الخير والسرور، فالبيئة الصالحة تعين على الطاعات، ومن شروط التوبة أن تعيد الحقوق إلى أصحابها، وتعتذر لمن أسأت إليهم، وإن تعذر ذلك فادع لهم واستغفر لهم بظهر الغيب فمن حقق هذه التوبة الصادقة أحبه الله سبحانه وتعالى كما قال (إن الله يحب التوابين).
فمن وفقه الله عز وجل للتوبة فليعلم أن الله يحبه وهذا إكرام من الله لعبده وعلامة على قبول الله له بأن فتح له باب التوبة والإنابة إليه، ومن حق التائب علينا أن نشجعه ونكرمه وأن نثني عليه خيرا، وأن لا نذكره بماضيه وبمعاصيه، فالتوبة تغسل الخطايا كما يغسل الماء الدرن، والاستغفار يقوي القلب والبدن، فبالتوبة يتجدد الإيمان ويقوى، ويطهر الإنسان وينقى، قال صلى الله عليه وسلم :« التائب من الذنب كمن لا ذنب له».