تواصل مكتبة ومجلس جمال بن حويرب للتراث فتح المزيد من الملفات التاريخية المحلية في إمارة دبي، من خلال استضافة مجموعة من المفكرين والمثقفين والمسؤولين المخضرمين، الذين لهم باع طويل في ميدان التأسيس لهذه المدينة وبناها التحتية، في مختلف الميادين الحياتية والسياسية والقضائية والاقتصادية والثقافية، والذين ظلت أيديهم البيضاء مبسوطة في خدمة سكانها وعمرانها وتجارتها، إلى أن استقامت على حالها وارتدت حلة مدنية معاصرة تضاهي كبريات المدن العالمية وأبهاها جمالا وتطورا واحتراما لحق الانسان في الحياة، وفي التمتع بمستوى معيشة يليق بإنسانيته.
المحطة الأخيرة التي شهدتها المكتبة حديثة العهد كانت مع إحدى أهم الركائز التي قامت عليها ولا تزال مدينة دبي متمثلة ببلدية دبي. وأما ضيف المكتبة الذي ألقى الضوء على تاريخ نشوئها ومسيرة تطورها فهو الأديب الإماراتي عبد الغفار حسين، الذي قدم مساء أول من أمس، في مقر المكتبة بمنطقة الجميرا في دبي ورقة أعدها في المقام الأول من وحي تجربته الشخصية عندما كان يعمل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في بلدية دبي نفسها، وكذلك من واقع مشاهداته لما شهدته هذه المدينة من ازدهار ما كان له أن يرى النور لولا العناية الخاصة التي يوليها حكام دبي لبلدية مدينتهم، ومدها بالسبل القانونية والتشريعية والمادية الكفيلة بتحويلها من مجرد مكتب يدير جانبا من حياة الناس، إلى مؤسسة عملاقة قادرة على المساهمة في بناء حضارة جذورها ضاربة في الموروث الشعبي، وأفرعها ممتدة إلى كل بقاع الدنيا في مشهد انساني يعز نظيره في مكان آخر من العالم.
حضور نوعي ومحاور غنية
عبد الغفار حسين عرض لورقته هذه في ندوة قدم لها الشاعر جمال بن حويرب بحضور لفيف من المسؤولين والمثقفين، من بينهم الشاعر والأديب ابراهيم محمد بوملحة مستشار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للشؤون الثقافية والإنسانية، والمهندس حسين ناصر لوتاه مدير عام بلدية دبي، وبلال البدور الوكيل المساعد لقطاع الثقافة والفنون بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وعيسى الميدور مساعد المدير العام لقطاع الهندسة والتخطيط في بلدية دبي، وعبد الله المطيري مدير بيت الشيخ سعيد آل مكتوم، والدكتور شهاب غانم وعوض بن الشيخ مجرن.
ونوه الاديب عبد الغفار حسين، إلى أن حديثه عن تاريخ بلدية الإمارة ينقسم إلى قسمين، الأول يعود إلى الفترة التي تمتد من مرحلة التأسيس وصولا إلى عام 1980،أي الفترة التي كان الأديب الإماراتي لا يزال خلالها على رأس عمله في بلدية دبي. وأما المرحلة الثانية، والتي اعتذر حسين عن تناولها في ورقته متعللا بوجود أشخاص غيره أجدر منه بالحديث عن هذه المرحلة، فإنها تغطي الفترة منذ عام 1980 وحتى أيامنا هذه.
مكانة ونفوذ
بداية، أشار حسين إلى الأهمية القصوى التي تتمتع بها البلدية كفكرة وكمؤسسة، لأنها تخص أهم مؤسسة في أي مدينة على الاطلاق، وهي تأتي من ناحية القوة والنفوذ والتأثير بعد المجلس الوطني، لا بل إنها أكثر نفوذا داخل المدينة منه، لأن المجلس يعنى بأمور عامة بينما تختص البلديات بالأمور اليومية في احتكاك مباشر مع الناس، فضلا عن أنها المؤسسة الحكومية الوحيدة المكونة من سلطتين، واحدة رقابية، (المجلس البلدي الذي يمثل الأهالي).
والثانية تنفيذية( أي الإدارة التنفيذية التي تعين من الحكومة)، وذلك كالبرلمان أو الحكومة المحلية أو حكومة داخل الحكومة، حيث تمثل البلدية مؤسسة تعاونية بين السلطة المركزية والسلطة المحلية، وهو تقليد، كما أوضح حسين، يعود إلى عهد الإغريق كما يشهد التاريخ الاسلامي محطات مشرقة على هذا الصعيد إذا أخذنا في الاعتبار أن أول من عين رئيس بلدية بالمصطلح المعاصر الذي يقابله مصطلح المحتسب في التاريخ العربي الاسلامي، كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وفيما يتعلق بتجربة دبي، أكد حسين أن فكرة البلدية الأولى طرحت في مجلس الأسرة الحاكمة في دبي ، حيث انبثقت فكرة البلدية عام 1934 وكان من المزمع إنشاء دائرة للمعارف وللفرضة وغيرها، وكانت هذه الدائرة تخص دبي تحديدا بصفتها مركزا للحركة التجارية، وبالتالي كان لا بد من أن تكون مركزا للمؤسسات أيضا، ومن بينها مؤسسة البلدية، وذلك لأن دبي كانت على مر العصور المركز التجاري في المنطقة، وكما هو معروف فإن التجارة تجلب العمران، وهذا ما حدث فعلا في حالة دبي، لا سيما عندما تربعت دبي على عرش تجارة المنطقة في عهد مكتوم بن حشر في بداية القرن الماضي، وبذلك انتظم العمران بانتظام التجارة، وانتقلت مركزية تجارة اللؤلؤ من ميناء لنجة بايران، إلى دبي.
وأكد حسين أن هذا المنهج الريادي الذي سار على دربه شيوخ دبي ليس غريبا عليهم، فلقد نشأ في دبي أول ميناء بحري عام 1901 وأول باخرة شحن دخلت إليه عام 1903 وأول مدرسة رسمية أنشئت فيها كانت المدرسة الأحمدية عام 1905، كما شهدت دبي انشاء أول مركز للبريد في المنطقة، وأول مبايعة ديمقراطية من الشعب لحاكم، وهو الشيخ سعيد بن مكتوم، وذلك بعد عودة الناس من جنازة الشيخ بطي بن سهيل الذي توفي عام 1910.
واول مطار بحري في رأس الخور كان عام 1934. وأول مجلس للاستشارات التجارية وكان يدعى المجلس الاستشاري التجاري وهو بمثابة غرفة للتجارة في أيامنا هذه، وأول محكمة نظامية عام 1955، وأول مركز للشرطة والتسجيل الإداري وأول مجلس بلدي كانا في عام 1957، وأول مجلة منتظمة هي ( أخبار دبي)، وأول مطار مدني في عام 1960، وأول جسر يربط بين طرفي الخور، وأول نفق تحت البحر وأول محطة للكهرباء والما، وأول شبكة للصرف الصحي، وأول الطرق المعبدة، وأول مشروع للبستنة وتزيين الطرق، وأول متحف للآثار. وكل ذلك حدث خلال عقدين من الزمن.
دور مهم
على ضوء كل هذه الانجازات في بواكيرها الأولى، يصل الأديب إلى نتيجة مفادها أن لبلدية دبي اليد الطولى في كل هذه المشاريع الرائدة، وذلك على الرغم من الفترة الطويلة نسبيا التي تبلورت خلالها فكرة بلدية دبي قبل أن تتجسد بشكل ملموس على أرض الواقع في عهد الشيخ راشد بن سعيد، في مشهد عنوانه التحديث والتأسيس لمرافق ومشروعات ومؤسسات متعددة في مقدمتها حفر الخور، الذي شكل قفزة نوعية في تاريخ تطور الإمارة، علما بأن الحربين العالمية الثانية والكورية، قد ألقت بظلال قاتمة على مسيرة التقدم تلك، ولكن ما أن عادت الأمور إلى نصابها حتى أمر الشيخ راشد عام 1950 بوضع نظام للبلدية، لأن المدينة كانت بحاجة إلى طرق وخدمات، وقد ساعد على تحقيق هذه التوجهات المدنية الحديثة مهندس كان اسمه (تريب)، وكان مقره في السودان، وخبير عراقي اسمه محمد عبد السلام وضع قوانين للبلدية، وكان يساعده الشاعر أحمد بن سليم .
البيئة المحلية
والخبير العراقي لم يدرس البيئة المحلية، وبالتالي فإن القانون الذي وضعه شكل عقبة في كثير من الأحيان، لا سيما وأنه استنسخ القانون العراقي، ولكن ذلك لم يحل دون الأخذ ببعض القوانين إلى أن تم في مارس 1957 تشكيل أول مجلس بلدي، وانتدب المساعد العربي للمعتمد البريطاني علي البستاني ليتولى رئاسة البلدية، التي كانت تقع في الجمارك وكانت مكونة من حجرتين فقط، حيث كان عبد الله ميرزا وخلف الغيث وعبد الغفار حسين يقومون بوظيفة جباية الضرائب، وهنا يشير عبد الغفار إلى أن وجود الممثل الانجليزي لم يكن مناسبا وكانت بعض مواقفه منحازة.
كما أكد حسين أن المعتمد الانجليزي دونالد هولي كتب اكثر من كتاب عن المنطقة، ومن بينها فصل عن دبي قام حسين نفسه بترجمته إلى العربية، ومن الجدير ذكره أن هولي طلب من مصطفى مجد الدين وهو خبير سوداني وضع الأنظمة والقوانين والذي استدعى بدوره كمال حمزة الذي جاء بصفته مشرفا على تطبيق تلك القوانين، وعلى تنظيم عمل البلدية، مستمدا خبرته من بلديتي أم درمان وعطبرة في السودان.
تطور
ونوه عبد الغفار إلى أن بلدية دبي ظلت تقوم بمهامها على أساس المجالس حتى عام 1977، في حين شهدت تلك المجالس تحولا حقيقيا عام 1968 عندما كلف الحاكم هيئة من المواطنين بانتخاب أعـــضاء المجلس البلدي، حيث شكلت أول بلدية في الإمارات تعمل بهذا المبدأ، وكان ذلك المجلس في دورته الأولى مكونا من حمد ماجد الفطيم ومحمد عبد الغفار وناصر عبد اللطيف وسيف أحمد الغرير وجمعة الماجد، وتزامن ذلك مع اختيار عدد من الاشخاص لعضوية اللجان المنبثقة عن المجلس الاتحادي المؤقت، وكان عبد الغفار حسين عضوا في اللجنة العقارية.
ونهاية صلة عبد الغفار حسين المباشرة ببلدية دبي كانت عام 1979، وهي فترة طويلة نسبيا خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أنها شهدت مرحلة التأسيس لعمل بلدية دبي، وهذا يعني أنها فترة أكثر من كافية سمحت للأديب الإماراتي بتكوين فكرة عن هذه المؤسسة، حيث يقول:( كانت البلدية الحجر الأساس لكل البنية التحتية في دبي، وهي أم الدوائر، وبمثابة حكومة قائمة بذاتها).
نجاح
تطور لافت وإنجازات مميزة أهلتها لدور محوري
تتولى بلدية دبي توفير الخدمات البلدية لمجموعة متنوعة من سكانها. ويشمل عملها التخطيط الحضري، والإشراف على الإنشاءات، وحماية البيئة وتحسينها، وصيانة الحدائق العامة، وضمان وجود معايير نوعية عالمية للإنشاءات ومواد البناء والأغذية والمواد الاستهلاكية والخدمات المهنية الخاصة بإصدار الشهادات المخبرية واعتمادها. وبدأت بلدية دبي عملها أوائل الخمسينيات من القرن الفائت، بكادر وظيفي لا يتعدى ثلاثة موظفين كانوا يعملون بغرفة واحدة. ومنذ نشأتها عملت البلدية على مواصلة نموها، وهي تستخدم حالياً أكثر من 15000موظف يعملون في 32 وحدة إدارية، لتصبح بذلك القوة المحركة الرئيسة وراء تطور مدينة دبي ككل. وقد تمكنت بلدية دبي من البر بوعدها في تحويل 90 بالمئة من خدماتها الفريدة إلى خدمات إلكترونية قبل عام من الموعد المقرر.
وتتجلى رؤية بلدية دبي في «بناء مدينة متميزة تتوفر فيها رفاهية العيش ومقومات النجاح». وتلعب البلدية دوراً محورياً في الحفاظ على التراث المعماري للإمارة، من خلال العديد من المشاريع الرامية إلى إحياء معالم دبي الحضارية والحفاظ عليها. وقد كانت بلدية دبي الفائز، بكل فخر، بجائزة الأمم المتحدة للخدمات العامة لعام 2006، كما فازت أيضاً بالعديد من الجوائز الإقليمية، بما في ذلك جائزة المحتوى الإلكتروني العربي.
مشروع
كتاب عن بلدية دبي
كشف المهندس حسين لوتاه، خلال الندوة، عن أن بلدية دبي تضع اللمسات الأخيرة على كتاب عن إمارة دبي، يحتوي على مجموعة قيمة من الوثائق والصور التي تبين تاريخ بلدية دبي، وكيف كان ينتخب مجلس البلدي وآليات عمله، كما يتضمن محاضر اللجان التابعة لها، وأسماء الأشخاص الذين عملوا فيها.
كما دعا بن حويرب، الى اعداد كتاب اخر، شامل، يغطي تاريخ بلدية دبي من جميع جوانبه، في حين أيده المشاركون في الندوة، ودعوا بدورهم إلى تشكيل لجنة من الخبراء لانجازه.
قفزات
عاصمة الأعمال في المنطقة
إثر تدهور ميناء لنجة الايراني، بدأت في تلك الفترة موجة كبيرة من الهجرة تتجه من الساحل الإيراني نحو الساحل العربي ودبي، حيث لعبت الاجراءات التي اتخذها الشيخ مكتوم دورا محوريا في ذلك. وفي بداية عام 1901 كرست دبي نفسها ميناء حرا للتجارة. وبدأ تنفيذ برنامج منتظم لتشجيع كبار تجار لنجة على نقل أعمالهم إلى دبي. وفي عام 1903 بدأت تظهر ملامح دبي كميناء تجاري..
واستقر في دبي أناس من مختلف الجنسيات، كما ازدادت اعداد تجار اللؤلؤ الاوروبيين، وأخذت مكانة دبي التجارية تزداد بسرعة، وأصبحت مركزا مهما لتوزيع السلع على الموانئ الأخرى في الخليج العربي، وفي خلال العشرين سنة التالية تضاعف عدد سكان دبي إلى نحو عشرين ألفا، بينما تطورت المدينة الصغيرة إلى عاصمة الأعمال والتجارة في الخليج العربي.
