هو أمر مفاجئ حتى لقوانين العلم والطبائع، فكلما ازداد الزحام ازدادت نسبة الأدرينالين في الدم، وبدأت وسائل «الدفاع العدائية» عن النفس، اذن التوتر سيد الموقف في الظروف الضاغطة، لكن عكس ذلك تماما، بل نقيضه، يحدث في مركز السطوة للياقة الطبية في دبي.
في الصباح الباكر كنت في آخر طابور طويل، لاجراء فحص اللياقة للخادمة، بعدما تعذر علينا اجتياز حاجز الـ «في آي بي» المنيع في مركز الوصل الصحي، كان الأمر أشبه باليأس خلف مئات يحملون أوراقهم، وربما مثلي يرزحون تحت أمر الحاجة الملحة التي قلبت الصورة والأدوار بين رب العائلة والخادمة، طابور هو في الواقع قرية عالمية مصغرة لكن مزدحمة تماما بمختلف الجنسيات، لو تشكل في مكان آخر لكان ساحة معارك تتماهى مع مشاهد البرلمانات الآسيوية، لكن ما كاد التأفف يتسلل الى الشفاه حتى وجدنا أنفسنا داخل المبنى وأمام الـ «كاونتر» نسلم الأوراق ونبدأ إجراءات الفحص بسلاسة.
كيف حدث هذا؟
بداية، لا بد من التنويه إلى أن مركز السطوة للياقة الطبية يفتح أبوابه في السابعة والنصف صباحا، ويقفل باب استقبال المزيد من الطلبات في التاسعة والنصف صباحا. ولكي نتخيل حجم الضغط علينا فقط أن نعرف أن المركز ينجز يوميا ما معدله 900 معاملة، غالبيتها الساحقة فردية لا جماعات تتبع الشركات، في هذا يقول محمد جمعة اهلي رئيس قسم اللياقة الطبية في المركز « أحيانا كنا ننجز 1600 معاملة في يوم واحد او بدقة اكثر في 14 ساعة»، مشيرا إلى فترتي دوام صباحي تنتهي في الثانية ظهرا لتبدأ المسائية، وفي الأولى يتم استقبال ما بين 500 الى 600 معاملة، في حين تستقبل الفترة المسائية 300.
حل المعادلة المعقدة هذه (جحافل المراجعين وتيسير أمورهم) يكمن ببساطة في أحد أهم شروط التميز: الإخلاص، فكيف إذا كان مقرونا بمبادرات إدارية وتنظيمية محكمة؟
متابعة
التميز ينتج تميزا، فها هي ابتسام البستكي رئيس قسم اللياقة الطبية في هيئة الصحة في دبي، والتي حازت قبل أيام جائزة الموظف المتميز في المجال الإداري، تشدد على ان نجاحها ثمرة نجاح فرق العمل كلها في كل مراكز اللياقة الطبية في دبي، لكن ما يميز مركز السطوة هو كثرة عدد المراجعين، ورغم عدم اغفالها برامج التدريب لمواكبة الموظفين كل جديد في حقلهم، الا ان البستنجي تشدد على ان المتابعة الحثيثة لعمل الموظفين لها الأثر الأبرز في غرس روح المسؤولية لديهم، سهام الحاج أحمد، ضابط إداري أول في مركز السطوة للياقة الطبية، ساعدتها دراستها في علم النفس «الاكلينيكي» أو الإستطبابي، في إضفاء مسحة إنسانية متفهمة لطبائع البشر وسبل التعامل معهم والتأثير عليهم لجهة الالتزام بالنظام الذي هو منجاة للجميع في وقت الازدحام والاحتدام العصبي، تجلس سهام خلف مكتبها النظيف تماما من مظاهر البيروقراطية أو الترف الكسول.
تراقب كل شئ، من عامل نظافة تنبهه إلى نسيانه ارتداء القفازات الطبية في يديه، حرصا على حياته من أمراض تتربص في مخلفات المراجعين في الحمامات، ثم الاستمرار في تشجيع موظفي الـ «كاونتر» على تسريع المعاملات واستغلال كل ثانية لهذا الهدف، وفي ذات اللحظة تنتبه الى رجل طويل القامة قياسي الضخامة ينحشر في منطقة انتظار النساء فتستدعي موظف الأمن الذي يسارع الى اقتياده الى منطقة انتظار الرجال.
تقول سهام « لقد اعتدنا عملنا في هذا المركز ومن ثم تشكلت علاقة فريدة معه تحولت الى حب حقيقي، جميع الكادر هنا يحب حقا عمله، ويشعر فعلا انه يفعل شيئا ذا قيمة بمساعدة الآخرين»، وتضيف «حتى اننا نضحي يوميا باستراحتنا (البريك) من اجل انجاز المئات التسعة تقريبا من المعاملات»،تقول سهام بفخر« حقا نشعر بالفرح حين نرى المراجعين مصرين على القدوم الى مركزنا رغم اقتصار زمن استقبال الطلبات على ساعتين فقط».
وبسؤالها عن سبب ضيق المدة هذه، سارعت الى شاشة الكمبيوتر:« انظر الساعة الآن لم تصل الى التاسعة صباحا ولدينا نحو 400 معاملة للرجال و200 للنساء، نحتاج وقتا لانجازها كلها اليوم ولا سيما انها تتعلق باجراءات فنية طبية تتضمن اكثر من تحليل وفحص»، لكن الأمر ليس بهذه الصرامة الادارية، فسهام تراقب حثيثا كل ما يجري، وتصدر تعليماتها لموظفي الأمن« كل عجوز او مريض او حامل تأتي بعد اقفال باب استقبال الطلبات عليكم قبول معاملتهم من دون تردد».
فجأة هبت سهام من خلف مكتبها بعباءتها السوداء، فكانت المفاجأة لي: انها حامل وفي آونتها الأخيرة، ورغم ذلك انطلقت الى خارج المكتب نحو القاعة الكبيرة، كان هناك رجل أوروبي يحمل طفلا رضيعا وينحشر بين الجموع، نادته وقادته الى مكتب محذرة إياه من أن الطفل يمكن أن يلتقط العدوى من المراجعين. ثم تولت بنفسها حل معضلة معاملتين لامرأتين من الجنسية الفلبينية كأنهما توأمان اختلطت صورتاهما الشخصيتان على المعاملتين، بشكل يشكل على مختبر جنائي.
