أكد إعلاميون لــ«لبيان» أن الثورات التي حدثت في بعض البلدان العربية، هزت الإعلام الرسمي هناك وبلورت نمطاً جديداً من الإعلام، وان كان بعض هذا الإعلام الجديد تشوبه سمات من الإعلام القديم، وأشاروا إلى أن الإعلام العربي الجديد بدأ يعتمد على آليات جديدة وأدوات غير معهودة في السباق، وأصبح يعتمد ليس على مراسلين فقط في الميدان سواء وسط المظاهرات أو ميادين المعارك الأهلية أو في المناطق الساخنة بل أصبح يعتمد على شهود العيان، بينما لعب الإنترنيت دورا هاما في نقل الصورة عن طريق الهاتف النقال والعكس صحيح، حيث أصبح بإمكان أي فرد أن يصبح إعلامياً بمجرد أن ينقل الحدث بالصوت والصورة عن طريق هاتفة المتحرك الخاص، ووضعه على موقع «فيس بوك» أو «تويتر» و«يوتيوب» لتتناقله وكالات الأنباء وتبثه القنوات الإعلامية والفضائية ويصبح مصدراً في أهم مصادر الإعلام الجديد.

وقال مجدي الجلاد رئيس تحرير صحيفة «المصري اليوم» إن الإعلام الخاص والمستقل في الوطن العربي شهد تطورا في السنوات العشرة الأخيرة، وأصبح معبراً عن اتجاهات الرأي العام والنخبة نحو مزيد من الديمقراطية والإصلاح، ولكنه واجه صعوبات كثيرة وضغوطات من الأنظمة الحاكمة وأصبح يعيش صراعا دائما، فكلما أراد المزيد من الحرية والتعبير عن المواطنين ومصالحهم كلما زاد الضغط عليه وبالتالي أصبح طرفاً في الصراع السياسي شاء أم أبى.

 

تحكم بالمادة الإعلامية

وأشار غالب قنديل عضو المجلس الوطني للإعلام في لبنان، إلى أن الإعلام العربي دخل في مرحلة متميزة في الحقبة الجديدة وكان محملا بآمال كثيرة بأن يتخلص من مرحلة وجهة النظر الأحادية التي كانت مصدر النقد الرئيسي، لافتاً إلى أن المادة الإعلامية لا تزال موجهة كظاهرة شهود العيان التي افتقدت إلى الكثير من موثوقية التحقق من المصدر والمعلومة وهذه من بديهيات العمل المهني.

وقال شريف عامر مقدم برنامج «الحياة اليوم» في قناة «الحياة» المصرية إن الثورة المصرية استطاعت أن تصيب الإعلام الرسمي بتصدع حقيقي وكان هو الأكثر تضرراً، بينما الإعلام الخاص لا يمكن الحكم عليه بالفشل في التعاطي مع هذه الثورة ولكنه نجاح لم يكتمل لأننا نتابع أحداث غير مكتملة . وأضاف إن الإعلام الخاص كان شديد الحرص على كسب أرضية كبيرة من الجماهير.

 

الدقة والملل

وأكدت لمياء راضي صحافية ومستشارة إعلامية في هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، اعتماد معظم وسائل الإعلام على شاهد العيان، الذي أصبح قادراً على نقل وتحليل الأحداث في قلب الثورات، موضحة أنه لابد من التأكد من صحة كلام هذا الشاهد قبل بثه أو نقله عبر وسائل الإعلام المختلفة لأن ذلك يعرض سمعة هذه الوسائل للخطر، مشيرة إلى أنها كانت تقوم بأعمال تدريبية في العالم العربي بشأن الإعلام، ومن أول قواعد التدريب هي المصداقية، وكيفية التأكد من صحة شاهد العيان التي يمكن أن نتأكد منها عن طريق الاتصال مع أكثر من شخص لتتشابه الأقوال ومن هنا يمكن أن نحدد مصداقية الشاهد.

وأشارت إلى أن المطلوب حاليا هو تغيير الأسلوب الإعلامي بحيث يكون هناك دراسة أكبر وأعمق للضيوف وللمحاور، والتأكد من مردود ذلك على الشعب حتى نتمكن من الخروج من الشكل التقليدي الذي يحيط بالإعلام الرسمي، منوهة بأن الخطاب الإعلامي في صالح الثوار الليبيين، بمعنى أنه لا يوجد منطق عقلاني في أي مقطع من كلام القذافي أثناء خطاباته، لذلك فإن الصحافيين والقنوات الفضائية تتعاطف مع الثوار والمعارضين لنظام القذافي بصورة كبيرة.

وأضافت راضي، إنه حدث اعتقال لفريق صحافيين أجانب من قبل القوات الموالية للقذافي، وطبقا لأقوالهم لن ينقذهم من الإعدام سوى جنسياتهم، وبالتالي يخشى الصحافيون العرب من أن يعتقلوا أو ما شابهه، ولكن لننتبه إلى أن طبيعة الإعلام هي الملل من الحدث الذي يطول.

التواصل الاجتماعي

وفي السياق، قال علي الأحمد الرئيس التنفيذي لشؤون الاتصال في شركة «اتصالات»، إن مواقع التواصل الاجتماعي لا يوجد عليها مراقبة للتأكد من مصداقية ما تنقله من معلومات أو صور، ولكن يبقى الاعتماد الأساسي على الناقل الذي يقوم بنقل المعلومات أو الصور أو مقاطع الفيديو وتحميلها على المواقع، بحيث أصبح مسؤولاً ومشاركاً وناقلاً ويؤدي دوراً مهماً، ومماثلاً لدور المراسل الصحافي. وأوضح الأحمد أن الإعلام التقليدي هو رسالة موجه من جهة واحدة، أما الإعلام الجديد والمقصود به مواقع التواصل الاجتماعي يتيح فكرة إبداء الرأي والمشاركة في الحدث بشكل قوي.

وذكر محمد عبد الله المدير العام للمجمع الإعلامي في «تيكوم» للاستثمار، أن الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي هم شركاء في بناء الإعلام الجديد، موضحا أن أهم تغير حدث في الإعلام هو الانفتاح سواء في المحتوى والأسلوب، حيث كان سابقا حكرا على نشر بعض الأخبار والمعلومات، ولكن حاليا أصبحت وسائل الإعلام مضطرة إلى إذاعة ونشر الأخبار سواء كان بحذف القليل منها أو مثلما هي.

وأضاف إن الخطاب الإعلامي حالياً هو نتيجة مرتبطة بالموقف السياسي الدولي، فإذا ما كان هناك وضوح في الموقف السياسي فبالتالي سوف يكون الخطاب الإعلامي مترجما لما يحدث والعكس، مؤكدا على أن شاهد العيان لا يحل محل المراسل الصحافي الذي ينقل الخبر ويتحلى بصفات منها الحيادية، ولا يجوز لأي من وسائل الإعلام أن تعتمد على شاهد العيان وذلك حتى تؤثر ولا تضغط على مشاعر المشاهد.

وسائل التحقق

وأكدت ليلى الشايب إعلامية في قناة «الجزيرة»، أن الاعتماد على شاهد العيان عبر وسائل الإعلام موضوع ذو حساسية، وأول لوم توجهه بعض الأنظمة السياسية للإعلام الحر والعالمي يكون اعتماده على شهود العيان، بينما هي تمنع وسائل الإعلام المعروفة والتي هويتها معروفة من الجميع من الدخول إلى خضم الأحداث بشفافية . وعادة ما يعود الأمر إلى تقدير كل وسيلة إعلامية في دقة من تدعوه ومن تلجأ إليه كشاهد عيان والى صدق الناس والتزامهم بمبادئ الشفافية والصدق والدقة، وحتى الآن لم نصادف بشكل كبير شهود عيان ونتحرى الدقة في ما تقدمه وسائل الإعلام وما تستدعيه هذا الشاهد .

وقالت إننا نتحرى الدقة من خلال اتصالاتنا والأشخاص الذين نعتمد عليهم ونعرفهم سواء في سوريا أو ليبيا أو غيرها وأعتقد أنني شخصيا كمذيعة وإعلامية تدربت وتطورت، ولدي من القدرة على تبيان ما إذا كان هذا الشخص يقول الحقيقة أم لا من خلال أسلوب حديثه أو طبيعة المعلومات التي يسوقها، وأعتقد أنه مقبول وليعذرنا البعض ان كنا أخطأنا ولتفتح الأنظمة أبوابها للإعلام.

كما أكد الإعلامي أحمد المسلماني أن ظاهرة شاهد العيان فيها أوجه سلبية وأخرى إيجابية، فعندما يكون هناك قمع شديد يتم تجاوز حدود القمع عبر ذلك، كذلك عندما يكون هناك معضلة جغرافية متعلقة بصعوبة وصول وسائل الإعلام أو منطقة جغرافية بعيدة فهو يحل أزمة الرقابة والبعد المكاني وأزمة الزمان.

وأصبح شاهد العيان مراسلا مؤقتا لمدينة أو لساعة أو خمس دقائق، وميزته انه يوجد حيث لا يوجد الآخرون . أما الوجه السلبي فقد يكون هذا الشاهد بلا مصداقية أو إنسان يتسلى أو يعمل لحساب تيار معين أو إنسان محدود الذكاء . وليس هناك طريقة للتأكد من مصداقيته سوى أن يوازن مسؤولو الأخبار بين أقواله وبين ما يدور على الساحة.

 

معايير حرية أكبر

وقال د.نبيل الخطيب رئيس التحرير في قناة «العربية» إن الإعلام التقليدي مازال يحظى بنسب مشاهدة عالية تتراوح بين 5-6 مقارنة مع الإعلام الجديد، دون إغفال أن هناك إقبالًا كبيراً وسريعاً على شبكات التواصل الاجتماعي، موضحاً أنه كلما أدى التغيير السياسي والاجتماعي إلى تغيير في البيئة التي تعمل فيها وسائل الإعلام تصبح هذه الأخيرة حديثة ومتطورة وتعمل وفق معايير حرية أكبر ويكون هذا على حساب وسائط التواصل الاجتماعي. وأشار إلى خطورة الأخبار الموجودة في وسائل الإعلام الاجتماعي والتي قد تستغلها أجهزة المخابرات لضرب مصداقية وسائل الإعلام وهو ما حدث عندما قامت كل من رويترز والجزيرة والعربية ببث صور ليست صحيحة عن الثورات الحالية وهي صور أخذت في مواقع وأزمنة مختلفة.

وأكد ضرورة تعزيز روايات شهود العيان عبر عدة طرقـ مؤكداً كذلك أن ليس كل إعلامي يستطيع التحدث بما يريد دون أي اعتبارات أخرى، خاصة الذين ينتظرون رواتبهم، حيث يوجد هناك انطباع رومانسي حول كيف يكون الإعلام حرا دون أن يتحدث عن أشياء محددة، موضحاً أن هناك العديد من الشباب قاموا بافتتاح قنوات على «اليوتيوب» وقدموا خلالها برامج سخرية سياسية بعد أن رفضتهم قنوات رئيسية، ويتبعهم مئات الآلاف من المشاهدين. موقف

أحمد الشيخ: لابد من الانحياز ضد القتل

بالطائرات والدبابات

أكد الإعلامي أحمد الشيخ رئيس قسم الأخبار السابق في قناة «الجزيرة» صعوبة الفصل بين انتهاء الفعل السياسي في الثورات العربية والنشاط الإعلامي، ذلك أن التعاطي مع مهنة الصحافة نفسها هو تعاط سياسي أصلا، ويتعين على الصحافي في الوقت الراهن أن يكون محايدا وأن ينقل الحقيقة والمعلومات الدقيقة كما هي على ألا ينحاز لأي طرف.

وردا على سؤال عن إمكان أن يقوم هذا الصحافي بذلك، أكد الشيخ أن الصحافي لا يستطيع أن يكون محايدا في بعض الجوانب، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالإنسان وقتله وظلمه وقصفه بالطائرات والدبابات، فلا بد أن يتعاطف الصحافي مع الضحايا.

وعن ظهور مصادر إخبارية أخرى مثل شاهد العيان ووسائل التواصل الاجتماعي، أكد الشيخ أن المهم ليس المصادر، المهم القدرة في تدقيق الأخبار وغربلتها، المهم ألا تخطئ حتى لو كان ذلك على حساب السبق الصحافي.