لا يكاد يلتئم شمل أي محفل إعلامي عربي إلا ويكون على رأس قائمة المدعوين له الكاتب اللبناني جهاد الخازن، ليس لأنه يرأس تحرير إحدى أهم الصحف العربية فحسب، وإنما لأنه أحد الإعلاميين العرب القلائل الذين عاصروا الأحداث التي شهدها تاريخ المنطقة من قلب العاصفة منذ عقود، فلا يخفى على أحد مدى اتساع رقعة علاقات الخازن بالأوساط السياسية العربية وغير العربية، وكذلك قائمة صداقاته الطويلة مع الملوك والرؤساء والزعماء حول العالم، فضلاً عن مواكبته لمسيرة العمل الصحافي في المنطقة. «البيان» التقت الخازن على هامش الدورة العاشرة من منتدى الإعلام العربي وأجرت معه حوارا كان من الطبيعي أن يتمحور حول مستجدات الساحة العربية وما تشهده من ثورات وعلاقة الإعلام بها. ولدى سؤاله عن إمكانية الفصل بين الإعلام والسياسة من حيث دائرة فعل وتأثير كل منها في الثورات والاحتجاجات العربية الحالية، قال: انظر، النشاط الإعلامي محسوم، حيث تقوم معادلة كل وسائل الإعلام على المعلومة والرأي، فالمعلومة يجب أن تكون صحيحة والرأي يجب أن يكون مقدسا، لكن المشكلة هي أن تنقل بشكل صحيح عن هذا الوزير أو هذا الرئيس، سواء كان رئيس دولة أو رئيس حكومة أو مسؤولا كبيرا أو مديرا، لكن يتعين على القارئ أن يفهم أن ما كتبته ليس هو الصحيح بالضرورة، فأنا أنقل ما قاله الوزير مثلاً وهذا الوزير يجب عليه أن يدافع عن دولته، وبالتالي يجب أن يتمتع القارئ بالقدرة على أن يعرف الغث من السمين وأن يفصل بين القمح والزيوان، أنا مسؤوليتي أن أعطيك المعلومة صحيحة، لكن مسؤوليتي ليست أن اشهد لمن أعطاني هذه المعلومة، وأعتقد أن هناك قدراً من الحرية عند الصحافة العربية كلها، المشكلة تكمن في أن الكثير من الصحافيين العرب يخافون، فتراهم يقفون بعيدا عن الحد بمئة كيلومتر، وعوضا من أن يقترب ويرى حافة الهاوية ينظر فيراها عميقة جدا فيقول لك: (ابعد عن الشر وغني له)، هناك مساحة جيدة من الحرية، خاصة في ظل الثورات العربية، حيث لم يرتفع سقف الحرية فحسب بل إنه طار فقد أصبح هناك حرية كاملة، وأرجو ألا يساء استخدامها بحيث لا نجعل من كل الناس لصوصاً وقتلة ، ففي بلد عظيم مثل مصر لا بد من وجود شرفاء داخل القطر وخارجه، فأرجو أن يكون المقياس هو حكم القانون، فعندما يكون هناك حكم للقانون منصف وعادل، فسأتمكن أنا كصحافي أن أضمن حقوقي وكذلك من أكتب عنه، المشكلة لدينا هي أن القوانين تتداخل مع بعضها بعضا، حيث كان ينادى دائما بمصالح الدولة والعليا وبأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة حتى تدمر الاقتصاد وتدمرت السياسة، ولا زلنا نتحدث عن صوت المعركة التي لم يحاربها أحد، فأرجو أن يحسم استعمال الحرية الجديدة ولا تنسى أنه كان هناك حريات، فبلاد مثل لبنان ومثل الكويت ومثل مصر والإمارات إلى حد ما هي بلاد فيها حرية أكثر من غيرها، بينما هناك دول أخرى مثل ليبيا فيها خراب بيوت وقتل، وذلك يعني أنه يتعين على الصحافي ألا يكون لا انتحاريا ولا شهيدا. ولكن أينطبق هذا الواقع الصحافي على أولئك الصحافيين الذي مورست ضغوط عليهم لتغيير مواقفهم مما يحدث من ثورات في الوطن العربي؟ قال الخازن: نحن نتحدث عن صحافي قدم استقالته وجنى ثمارها لأنه عاد وتراجع عنها، بينما الصحافي الذي كان يطبل ويزمر لحسني مبارك مثلاً وخلال يومين تبدل 180 درجة فهذا ليس لديه مصداقية والقارئ لا يمكن أن يكون غبيا لدرجة أن يقبل كلامه، لأنه شاهد ما الذي يكتبه ذلك الصحافي. فعندما سقط حسني مبارك، قررت ألا أكتب عنه كلمة واحدة لم أقلها في حياته وطلبت كل المقابلات التي أجريتها معه والأخبار التي وردت وراجت كل ذلك، وقررت أن أكتب بتلك الحدود حتى أحافظ على مصداقيتي مع القارئ، حيث لم أتحدث عن حسني مبارك وإنما تحدثت عن الأنظمة العربية وعن الافتقار للديمقراطية والحكم المستقل، وتكلمت عن الانتخابات الأخيرة وقلت إنها لا يمكن أن تكون صحيحة، حيث لم يربح الاخوان المسلمون، وبالتالي يتعين عليكم حل هذا البرلمان، فوضعت لنفسي هذا السقف وأنا لست مستعدا للهبوط به، لمجرد ان حسني مبارك سقط. ومن المفروض أن يكون هذا السقف هو المعيار كذلك بالنسبة لزين العابدين أو القذافي أو غيرهما. وأضاف: المستقبل لوسائل الإعلام الجديدة وللتكنولوجيا، فالصحافة الورقية انتهت في الغرب، ذلك أن الصحف في إنجلترا تبيع أقل مع كل شهر يمر بالمقارنة مع الشهر نفسه من السنة السابقة، وهؤلاء أرقامهم دقيقة، على خلاف ما يحدث عندنا، وهذا يعني أن المستقبل لوسائل الاتصال الحديثة، سواء كانت على الانترنت أو التلفزيون والصورة بينما الصحافة الورقية قد ولى زمانها.

الشباب يميل للإعلام الحديث

قال جهاد الخازن إن الذي تغير في الإعلام العربي في ظل ثورات الربيع العربي هو ميل جيل الشباب للإعلام الحديث أي إعلام ليس بورقي، فالتلفاز بالرغم من أنه قديم وعمره يتجاوز ربما 80 عاما إلا أنه جزء من الإعلام الحديث، فالصورة كما يقال بألف كلمة وبرأيي أن ما حرك الشباب هو الإعلام الجديد وهو اتجاه غربي، فعلى سبيل المثال أنا أقيم في لندن ورأيت أنه خلال السنوات الماضية أن كل سبق صحافي مهم بدأ على الإنترنت وعلى المدونات حتى خبر وفاة المغني الأميركي الشهير مايكل جاكسون ظهر على مدونة قبل أن يخرج على صفحات لوس أنجلوس تايمز وهي الجريدة التاريخية والأساسية.

وخلال ملتقى الإعلام التقيت مع العديد من الطالبات اللاتي يدرسن الإعلام ونصحتهن بنسيان كل شيء اسمه صحافة ورقية ونصحتهن بالتركيز على الإعلام الجديد. ففي لندن مثلاً أرقام إصدار الصحف هناك دقيقة للغاية وليس كما هنا في العالم العربي، حيث الصحيفة قد تصدر 10 آلاف نسخة وتقول إنها تصدر مليون نسخة. كل شهر في لندن تكون أرقام بيع الصحف الإنجليزية أقل من الشهر ذاته في السنة السابقة، وحسابيا سنصل إلى وقت تنتهي فيه هذه الصحف الورقية، وبما أننا في العالم العربي متأخرون عن عالمهم، فربما تنتهي صحفنا بعد خمس إلى عشر سنوات، ولذلك الصحف الورقية برأيي قد انتهى دورها. والتركيز سيكون في الإعلام من اليوم فصاعداً على الإعلام الحديث، ورأينا كيف انتشرت الثورة في مصر عبر الشبكات الاجتماعية الفيس بوك واليوتيوب وتويتر وكذلك عبر المدونين.

وإن كان يتفق الخازن على أن الإعلام الحديث سيبقى فيه ثغرة لن يملأها سوى الإعلام التقليدي، قال الخازن إن ذلك ربما يكون صحيحا خلال السنوات الخمس المقبلة، إلا أنه حتما لن يستمر في ظل التغيرات الحاصلة، وأضاف قائلاً علينا أن نتذكر بأن المليون شخص الذين قاموا بالاتصال مع بعضهم البعض في مصر لخلق الثورة لم يتصلوا مع بعضهم البعض عبر الصحافة التقليدية.

وحذر الخازن من أن مساحات مبالغاً فيها من الحريات قد تقود إلى حرية دون ضوابط قد تصبح نوع من الخطر على الحريات الشخصية، فعلى سبيل المثال لن يكون بإمكان نقل كل ما يكتب على المدونات في صحيفتي الورقية وسأخسر كل قضية، وستكون الخسائر هائلة ناهيك عن نفقات المحاماة الهائلة في لندن. وبالتالي أصحاب المدونات لا يعاني من هذه المشكلة، فأي شيء يخطر على بال المدون أو أي إشاعة يسمعها يكررها لتتحول الإشاعة بعد ذلك لخبر صحيح. وبسؤال الخازن إن كان سيصلح حال الإعلام العربي في المستقبل القريب، وإن كان هذا الإصلاح مرتبطا بمستقبل الثورات العربية، رد قائلاً بوجوب أن يكون هناك حكم قانون، واستشهد الخازن بالقانون الإعلامي المستقل في لندن والذي يجعل الكاتب يكتب ما يريد وهو مطمئن.