يتعرض مذيعو القنوات الفضائية خلال تغطيتهم لأحداث ثورات الربيع العربي إلى مواقف على الهواء امتحنت صبرهم كإعلاميين إلى أقصى حدود، فإلى جانب الساعات الطويلة التي يقضيها هؤلاء الإعلاميون في التحضير للأخبار ومتابعة مستجداتها والتحضير للقاءات والحوارات والتي تتطلب دوماً بحثاً مضنياً في الشخصية المستضافة والمادة المقدمة وضرورة الإلمام الكامل بكل وآخر المستجدات في البلدان التي شهدت ثورات عربية انطلاقا من تونس ومرورا بمصر وانتظارا للولادة القيصرية للحرية في ليبيا، وتتبع لطول صبر ثورة الشارع اليمني والوقوف على تصاعد الأحداث في الشارع السوري وفي ظل هذا الكم الهائل من الضغوط وساعات العمل الطويلة والتي نوقن نحن كإعلاميين بأنها ضريبة يدفعها كل الإعلاميين في مهنة المتاعب، كان هناك نوع آخر من الضغوط يتعرض لها هؤلاء الإعلاميون ممن يقدمون برامج مباشرة على الهواء هي ربما أشبه بالحرب النفسية التي يمارسها من يصرون على مساندة الأنظمة المخلوعة أو التشبث بكراسي أنظمة تلفظها شعوبها ضد هؤلاء الإعلاميين من المذيعين والمذيعات في تلك القنوات، فتصبح أسهل وسيلة لمهاجمة تلك القنوات الفضائية هي من خلال صب جام غضب المتصلين الموالين لتلك الأنظمة على مذيعين يقدمون برامج على الهواء.
وبالتالي الحديث عن إمكان إجراء عملية تجميل أو مونتاج لإلغاء فقرة أو عبارة قد تهين من كرامة المذيع أو الإعلامي أو تتجاوز حدود الأدب واللياقة المتعارف عليها إنسانيا وإعلاميا؛ أمر مستحيل، وللوقوف على انعكاسات تأثيرات تلك الحرب النفسية والهجمات الشرسة على الإعلاميين ممن يتواصلون مع المشاهدين من جميع بقاع الأرض لحظة بلحظة على الهواء مباشرة فكل ما يدور ويقال يسمعه ويشاهده الملايين في العالم العربي تحدثت البيان على هامش ملتقى الإعلام العربي مع ثلاثة إعلاميين من قناة الجزيرة وربما هي القناة التي تعرض فيها المذيعون على الهواء مباشرة لشتى أنواع الاستفزازات من قبل الكثيرين من المتصلين أكثر من أي مقدم برامج أخرى على الهواء تبثها قنوات عربية أخرى ترصد من خلالها العنف وتتابع مسار الثورات في الشارع العربي.
لقاءات
لقاؤنا الأول كان مع الإعلامية خديجة بن قنة حيث سألتها كيف تعاملت كمذيعة وإعلامية متمرسة مع الهجوم والاستفزاز من قبل متصلين أو مشاركين في إبداء الرأي بشأن القضايا التي يتم مناقشتها على الهواء مباشرة والتي تتعلق بثورات الشارع العربي، فردت خديجة بالقول بأن رضا الناس غاية لا تدرك وبأن إرضاء الجميع على أي شاشة تلفزيونية عربية أو غير عربية هي مسألة مستحيلة، وأضافت بأن دخول المذيع إلى الاستديو ووضعه للميكروفون وأن يبدأ بث البرنامج بثا مباشرا فإن المذيع يعلم مسبقا بأنه سيكون هناك إمكان أن يتعرض إلى هجوم أو انتقاد خلال تقديمه البرنامج على الهواء وهو أمر طبيعي، وأضافت بأن المذيع المحترف والمهني يكون محصنا بالأصل ضد أي شيء يحرجه أو يخرجه عن هدوئه وخاصة أننا في نهاية الأمر كلنا بشر، وبالتالي نكون محصنين من هذه الظواهر، ولكن إذا ما كان الهجوم خارج حدود الآداب اللفظية واللياقة الأخلاقية فعلى المذيع أن يرد الضيف ويضعه عن حدوده وفي حالات تم الاضطرار إلى قطع مكالمات نتيجة لاستخدام المتصل كلمات نابية أو منافية للآداب وبالتالي لا يترك مجالا سوى لقطع اتصال المشارك؛ لأنه تجاوز الحدود المعقولة ولكن في نهاية الأمر نحن نوقن بأن أي قضية مفتوحة للنقاش على الهواء مباشرة سواء كانت برنامجاً أو نشرة أخبار فإن المذيع يضع في اعتباره مسبقاً بأنه قد يكون معرضاً لمثل هذه المواقف.
مواقف
وتابعت خديجة قولها: إن الذي يحدث منذ يناير منذ بداية اندلاع الثورة التونسية وتعاقب الثورات التي تلتها وهي المصرية والليبية واليمنية والسورية فإن المتحدثين المؤيدين للأنظمة تلك يأتون بخطط جاهزة لمهاجمة المذيع؛ لأنه في اعتقادهم بأن هذا الهجوم سيضعف موقف المذيع والجزيرة فكما تعلمين أن وجود المذيع على الهواء مباشرة أمر ليس بالسهل على الإطلاق، وبالتالي تركيز المذيع يتوزع في قنوات عديدة إلى جانب حالة التحفز الذهني التي تكون لدى المذيع في هذا الوقت، إلى جانب تركيز المذيع على ما يقوله الضيف وعلى ما يقوله المنتج ومع ما يقوله المخرج وما يتحدث عنه التقرير في الأساس، كل هذه الأمور مجتمعة تأخذ جزءاً من تركيز المذيع وبالتالي المذيع يكون مستنفراً على جبهات عدة، وبالتالي أن يضيف على كل هذه الضغوط مسألة أن يتجاوز الضيف حدوده الأدبية ويهاجم المذيع فيصبح الأمر كثيرا جدا على المذيع. وتؤكد خديجة على أن المذيعين على استعداد كامل لإيقاف الضيوف عند حدودهم إذا ما تجاوزوا أخلاقيات وآداب الحوار.
أما الإعلامي المخضرم في قناة الجزيرة محمد كريشان فقال: إن الأداء التلفزيوني المباشر على الهواء فيه مسؤولية كبيرة وتحد كبير وضغط على الأعصاب بشكل كبير، وأضاف قائلا: عندما تكون مذيع أخبار وتقوم بالاتصال بأناس على الهواء فهذا جزء من قواعد اللعبة وجزء من التحديات القائمة أن يخرج المتصل عن حدود آداب الحوار والحديث وعن حدود الأخلاق اللائقة، وكلما استطاع المذيع أن يتحكم في أعصابه وفي برودة أعصابه وأن يتعامل بهدوء مع المتصلين كلما حقق نجاحاً وهذه مسألة ليست سهلة، فأحيانا المذيع قد يخرج على الأداء المهني هنا أو هناك فهو في نهاية الأمر بشر وأحيانا الاتصال يكون مستفزاً بطريقة غير مسبوقة، ولكن مع ذلك هذا ليس مبرراً، وبالتالي مهما كان المتصل مستفزاً أو أحياناً حتى بذيئاً يوجه شتائم أحيانا فلابد للمذيع أن يجعل أعصابه في ثلاجة وهذا تحد كبير، وما علينا إلا أن نخوضه لأنه لا خيار لدينا. وطالما فتح باب الحوار المباشر للجميع فعلينا تحمل تبعاته خيرها وشرها وبالتالي لا تستطيع الجزيرة أن تتذمر من هذا الموضوع؛ لأنه عليها تحمل تبعات خياراتها.
رد
من جانبها تقول الإعلامية في قناة الجزيرة ليلى الشيخلي: إن الرد على الاستفزازات التي قد يتعرض لها المذيع على الهواء تأتي من خلال الصورة التي يستمر المذيع في محاولة نقلها على الهواء مباشرة للمشاهدين في العالم، وقالت مذكرة: علينا أن نتذكر بأننا لسنا موجودين كصحافيين في الأرض في جزيرة معزولة؛ لذلك نحن مضطرون إلى الاعتماد على ما يردنا ومضطرون للاستماع إلى شهود العيان، وأكدت على حرصهم على الاستماع إلى وجهات النظر جميعا. وأضافت قائلة: إصرارنا واستمرارنا في استضافة من يهاجمنا على الهواء مباشرة يضيف لنا ولا يقلل من شأننا وشأن ما نقدمه على الإطلاق. وتقول الشيخلي بأن عمليات الاستفزاز التي كان مذيعو الجزيرة يتعرضون لها من قبل بعض المتصلين خلال تغطيتهم لأخبار ومسارات الثورات العربية قد خف تأثيرها عليهم، معترفة بأنها كانت تشعرهم بالصدمة في بدايات حدوثها وفي طريقة حدوثها، مشددة على أن تقديم إجابات واضحة قائمة على حقائق أمر مهم للغاية تجعل الحقيقة هي من ترد على المتصل واتهاماته وهو أمر كاف للمذيع على حد قولها.
