لم ير الإعلامي اللبناني جورج قرداحي من تلفزيون (إم بي سي) أي ضير في أن تستورد محطات التلفزيون العربية برامج غربية، وأن تعرضها بنسخ عربية على شاشاتها، لا سيما وأنها تعد برأيه برامج إيجابية، وأنها مدروسة بعناية في المجتمعات التي ابتكرتها، وبالتالي فإنه من حق المشاهد العربي أن يستمتع بها وأنها تنطوي على قيمة مضافة، ولا تقلّل من شأن برامج المنوعات المحلية، بينما دعت الدكتورة رفيعة غباش، رئيسة جامعة الخليج العربي سابقاً، القنوات الخليجية إلى الانفتاح على ما يدور من حولها من أحداث كي لا يطويها النسيان.

هذان الرأيان وغيرهما الكثير من الآراء، عبر عنها أصحابها حيال الصفحة الأخيرة في الجرائد أو برامج المنوعات على شاشات التلفزيون، التي شكلت موضوع الجلسة الخامسة التي أقيمت ضمن أنشطة منتدى الإعلام العربي في دورته العاشر التي عقدت، أمس، تحت عنوان (إعلام المنوعات، الخط الأحمر إلى زوال) في فندق (غراند حياة) في دبي، أدارها الإعلامي عبدالله بوفتين، من قناة الرأي الكويتية، وتحدث فيها كل من قرداحي والإعلامية هبة الأباصيري من قناة الحياة المصرية؛ والدكتور خالد الخاجة، عميد كلية المعلومات والإعلام في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا؛ والكاتبة الصحافية لينا أبو بكر من صحيفة القدس العربي؛ والدكتورة رفيعة غباش، رئيسة جامعة الخليج العربي سابقاً.

 

نقاشات مهمة وفاعلة

وشهدت الجلسة نقاشات مهمة وفاعلة حول إعلام المنوعات والبرامج الترفيهية التي تبثها وسائل الإعلام على امتداد العالم العربي، وسلطت الضوء على نشأة مثل هذه البرامج وتجرؤها في بعض الأحيان على تجاوز ما يعتبره البعض خطوطاً حمراء، لأنها لا تعير أي اهتمام أو احترام لثقافة المجتمع وعقلية المشاهدين، كما أثارت العديد من التساؤلات حول محتوى صفحات أو برامج المنوعات والتسلية والترفيه والحوارات واللقاءات والبرامج التي تقدمها وسائل إعلام عربية، ودوافع هذا التجرؤ على تحدي منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية للمجتمعات العربية.

وركزت الجلسة على الاهتمام الكبير والإقبال المتزايد الذي تحظى به الصفحة الأخيرة في معظم الصحف من قبل الجمهور بالمقارنة مع صفحات الأخبار السياسية على سبيل المثال، حيث يرى البعض في المحتوى السياسي تقليداً روتينياً يحظى بمساحة أوسع مما يتطلع إليه الجمهور حقاً، وعادة ما تثير أخبار المشاهير ونجوم الفن والمجتمع اهتمام جمهور واسع.

 

نهضة كبيرة

وأشار قرداحي في حديثه إلى أن المحطات التلفزيونية العربية شهدت خلال العشر سنوات الأخيرة نهضة كبيرة على مختلف الصعد والمجالات، لكن النهضة الأكبر تركزت في برامج المنوعات التي أصبحت محط اهتمام ومتابعة من ملايين المشاهدين، مشيراً إلى أن برامج المنوعات باتت تحتل 70% من إجمالي البرامج التي تبث على محطات التلفزة، وباتت تنتشر كالعدوى في تنافس شرس بين المحطات على شراء حقوقها من منتجيها، في مشهد يحاكي قاعدة كل ممنوع مرغوب.

 

الأعراف المجتمعية

من جانب آخر رأت الإعلامية هبة الأباصيري، أن «الخطوط الحمراء تحددها الأعراف المجتمعية السائدة، فما يعتبره مجتمع ما محرماً قد يكون أمراً عادياً ومقبولاً في مجتمعات أخرى. ولفتت إلى أن التكنولوجيا وسائل الإلكترونية فتحت المجال أمام البعض ليتجاوزوا الخطوط الحمراء التي يجب أن تنبع في المقام الأول من ضمير الفرد ومن تربيته وأخلاقه، لا أن يتم فرضها من جهات أخرى».

 

آفاق جديدة للحرية

فيما اعتبرت الدكتورة رفيعة غباش، أن الفترة الماضية شهدت ظهور آفاق جديدة للحرية التي ارتفع سقفها كثيراً مقارنة بما كان سائداً في الماضي. وتناولت الدكتورة رفيعة برامج الفتاوى الطبية التي تبثها القنوات التلفزيونية، وتتسبب في بعض الأحيان في إيذاء بل ووفاة المتصلين، معتبرة أنه في حال كانت هذه البرامج تصنف على أنها منوعات، فإنها تمثل تجاوزاً صارخاً للخطوط الحمراء، مؤكدة على أن المنوعات ليست مسألة خطوط حمراء وإنما هي اختيار وانتقاء عقلاني لمثل هذه البرامج. حماية المجتمع

يرى جورج قرداحي أن «مسؤولية حماية المجتمع من هذه البرامج تقع على عاتق ثلاث جهات؛ ففي حين تتحمل المحطة التلفزيونية مسؤولية كبيرة في هذا الصدد، لكونها الجهة التي تبث هذه البرامج، فإن المسؤولية الأكبر تقع على كاهل السلطات الرسمية، التي يجب أن تبادر إلى سن القوانين الكفيلة بالإبقاء على المواطن في مأمن من كل ما قد يخدش حيائه ويتجاوز الأخلاق العامة في المجتمع، وأما الجهة الثالثة فهو جمهور المشاهدين الذي يجب أن يرفض وينأى بنفسه عن مثل هذه البرامج».