مرض التهاب الكبد الفيروسي (بي) من الأمراض المعدية شديدة الخطورة، لأن الفيروس (بي) يستطيع أن يظل حياً في الخارج أكثر من 7 أيام في البيئة المحيطة، ويعد الأسهل من حيث انتقاله من شخص لآخر من مرض فقدان المناعة البشرية المكتسبة (الإيدز) بأكثر من خمسين مرة، وبعض الأطباء يرفع هذا المعدل إلى مائة مرة.

والالتهاب الكبدي (بي) إصابة فيروسية تصيب الكبد، وتمثل خطورة كبيرة على الحياة، وقد يسبب المرض مضاعفات عدة تستمر مدى الحياة، وقد يؤدي إلى حدوث تليف وفشل في الكبد والإصابة بسرطان الكبد، ولا يوجد علاج شاف للمرض، ولكن التطعيم يساعد على منع الإصابة بصورة كبيرة، وينتقل الفيروس عن طريق نقل الدم أو سوائل الجسم ومن الأم لطفلها خلال فترة الحمل أو من خلال الاتصال المباشر بمكونات الدم الملوث أو عن طريق الجنس أو تعاطي العقاقير عن طريق الأوردة دون استخدام حقن معقمة.

وحتى الآن، فإن شركات الضمان الصحي على مستوى دولة الإمارات تغض الطرف عن تغطية علاج التهاب الكبد سواء التهاب الكبد (سي أو بي)، وكأن هذا المرض يختلف عن الأمراض الأخرى، وكأن هذا المرض بالذات رجس من عمل الشيطان لا يجوز تقديم العلاج له، تاركين آلاف المرضى يستجدون العلاج من الهيئات والمنظمات الإنسانية ويتسولون أمام المساجد طلباً لتكاليف العلاج.

ويبدو أن كلفة العلاج التي تزيد على 50 ألف درهم سواء للمرض سي أو بي هي العامل الأول والأساسي لإحجام شركات التأمين عن تغطية علاج تلك الأمراض على الرغم من خطورتها على المجتمع، لأنها تندرج تحت تصنيف أمراض معدية وشديدة الخطورة، أما العامل الثاني الذي يجعل شركات الضمان الصحي ترفع يديها عن تغطية تكاليف علاج مريض التهاب الكبد تجاهل وزارة الصحة والهيئات الصحة المحلية للمرض، فحتى الآن لم يتم إصدار قرار يلزم شركات التأمين الصحي سواء على المستوى الاتحادي أو المحلي بتحمل تكاليف العلاج لهؤلاء المرضى الذين تقل نسبتهم عن 1.1% من سكان الدولة.

وعلى النقيض هناك أمراض مزمنة مثل ضغط الدم والسكري وأمراض القلب والسرطان ونسبتها مرتفعة جداً بالدولة ورغم ذلك تقوم شركات الضمان الصحي بتغطيتها عن طيب خاطر وربما تكون كلفة علاج مريض واحد بمرض السكري أو القلب على المدى البعيد تفوق تكاليف علاج 5 مرضى من المصابين بأمراض التهابات الكبد.

ذلك أن مريض السكري أو القلب أو الضغط يقوم بصرف الأدوية بصورة شهرية وربما تفوق كلفة الوصفة الطبية للمريض الواحد 500 درهم، فعلى سبيل المثال لو استمر هذا المريض بصرف الدواء لفترة 10 سنوات بغض النظر عن كلفة المضاعفات المحتملة التي يمكن أن تحدث له طوال هذه المدة وبطبيعة الحال سيتم تغطية تكاليف العلاج بالمستشفى أو المركز الطبي، فإنه يكلف شركة التأمين نحو 60 ألف درهم، في حين أن كلفة علاج مريض التهاب الكبد سي أو بي لا يزيد على 50 ألف وفي مدة قصيرة نسبياً من 6 ـ 12 شهراً.

في الدول الأوروبية والأميركية تقوم المؤسسات الصحية الحكومية بإلزام شركات التأمين بتغطية أمراض التهابات الكبد بالكامل ولا تسمح لأي شركة أن تقوم بالتلاعب أو التحايل للهروب من التغطية العلاجية للمرضى، بل وتعطي أولوية وأهمية قصوى لعلاج الأمراض المعدية قبل الأمراض المزمنة، لأنها تدرك أن الأمراض المعدية يمكن أن تسري في المجتمع بصورة كبيرة على عكس الأمراض المزمنة التي تأتي فقط نتيجة للممارسات غير الصحية في طبيعة المأكل والمشرب ولا يتعدى حدودها الشخص المصاب.

ويؤكد الأطباء أن نسبة الإصابة بمرض التهاب الكبد بي بين المواطنين لا تزيد على 2% وتقل هذه النسبة إلى 1.1% بين المواطنات الحوامل بينما تصل بين المقيمين إلى 4%، وقد بدأت دولة الإمارات بتطبيق تطعيم التهاب الكبد (بي) منذ عام 1991 على الأطفال حديثي الولادة، ما أسهم في خفض معدلات الإصابة بين السكان عموماً.

كما يؤكدون أن فرص العلاج أصبحت متاحة لتلك الأمراض عموماً، خاصة مرض التهاب الكبد (بي)، وأن العلاجات الحديثة أصبح لديها القدرة على القضاء على الفيروس تماماً، كما أصبح بالإمكان توافر أجهزة حديثة تستطيع تحديد كميات الفيروس في الدم، ومن ثم سهولة اختيار الأدوية المناسبة، ويتمكن نحو 90% من البالغين الأصحاء المصابين بفيروس التهاب الكبد بي من الشفاء كلياً والتخلص من الفيروس في غضون ستة أشهر، غير أن 8% إلى 10% من البالغين يصابون بحالات مزمنة، والجدير بالذكر أن سرطان الكبد الناجم عن فيروس التهاب الكبد بي من الأسباب الرئيسية الثلاث لوفاة الرجال والنساء على حد سواء من جراء التليف والسرطان.

وقدرت منظمة الصحة العالمية في أحدث تقاريرها حول المرض عدد المصابين بفيروس التهاب الكبد (بي) في العالم بنحو مليارين، كما أن هناك أكثر من 350 مليوناً ممن يتعايشون مع النوع المزمن بي (طويل الأجل) الذي تصيب الكبد.

وفي هذا الصدد ندعو شركات التأمين الصحي العاملة بالدولة، إلى أن تضطلع بمسؤولياتها الاجتماعية وتعيد النظر في تغطية علاجات مرضى التهابات الكبد، وعلى وزارة الصحة وهيئتي الصحة في أبوظبي ودبي أن تصدر القرارات اللازمة لإلزام شركات التأمين بهذا الأمر حماية لأفراد المجتمع من هذه الأمراض الخطيرة وحفظاً لكرامة المرضى الذين يتسولون العلاج أمام المساجد والمنظمات الخيرية.