دعت خطبة الجمعة أمس الشباب إلى أهمية الحرص على اكتساب الحكمة والدروس من الحياة وأن يتعلموا من كبار السن الدروس المستفادة من خبراتهم وحكمتهم في الحياة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته فى الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها»

وذكرت الخطبة أن الحكمة صفة من صفات الله تعالى، وهي منة يهبها لمن يشاء من عباده، قال سبحانه (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) والحكمة نعمة أنعم المولى تبارك وتعالى بها على عباده فقال عز وجل (واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به) وللحكمة معان عديدة في القرآن الكريم، فقد وردت بمعنى الفهم والعلم، قال سبحانه (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله) وتأتي أيضا بمعنى النبوة، قال تبارك وتعالى (وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء).

وأضافت أن المتأمل في السيرة النبوية العطرة يجد أنه صلى الله عليه وسلم كان حكيما في التعامل مع من حوله، فعندما اختلف أهل مكة فيمن يحظى بوضع الحجر الأسود في مكانه عند إعادة بناء الكعبة واحتكموا إليه أشار صلى الله عليه وسلم عليهم بوضعه في رداء وأن يمسك رجل من كل قبيلة طرفا منه، فاستحسنوا رأيه الحكيم ووافقوا عليه، فجنبهم بحكمته صلى الله عليه وسلم الخلاف والنزاع.

وبعد بعثته صلى الله عليه وسلم تجلت حكمته في حسن معاملته لمن حوله سواء من آمن به واستجاب لدعوته أو من خالفه ولم يؤمن به، فلقد كانت حكمته صلى الله عليه وسلم جلية مع أهل مكة وأهل الطائف، ولما استقر في المدينة وعاش فيها كان لحكمته صلى الله عليه وسلم الأثر الجلي في بناء مجتمع آمن مستقر متراحم، فقد كان صلى الله عليه وسلم في منهجه متبعا قوله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة).

والحكمة مطلوبة بين الزوجين في معالجة ما قد يطرأ بينهما من خلافات لحلها وتجاوزها حتى تستمر المودة والرحمة بينهما، فكم كان للحكمة من أثر عظيم في حفظ البيوت واستقرارها وتماسك أفرادها، وكم كان الابتعاد عن الحكمة سببا لضياع بيوت واضطرابها وتفرق أفرادها، فالحكماء هم أهل السلامة بعد توفيق الله تعالى لهم من كل محنة وبلية، بل يتعدى نفعهم إلى غيرهم، فهم الذين يسعون في إصلاح ذات البين ونشر الخير بين أفراد المجتمع، فعم نفعهم أسرهم ومجتمعاتهم فنالوا بذلك طيب العيش والثناء بين الناس في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة، وإذا قلت الحكمة بين الناس وقل بينهم الحكماء اختلفوا وتفرقوا فتضررت أسرهم ومجتمعاتهم، وعاشوا في هم وغم لا يعلمه إلا الله تعالى، فما تقدمت أمم ولا تحضرت أوطان إلا بحكمة قادتها وأهلها.

الحكمة تقود إلى الفعل الصحيح

أكد الخطباء أن الحكمة تمنع المرء من فعل القبيح، وتقوده إلى فعل الصحيح، وتحمله على وضع الشيء في موضعه، وتعينه على إصابة الحق في أقواله وأفعاله، وتجعل صاحبها واسع الأفق بعيد المدارك مستوعبا لكافة الظروف المحيطة من حوله، والحكمة مأخوذة من مادة حكم التي تدل على المنع، ويقال حكم له أو عليه: أي قضى له أو عليه، والحكيم العالم، والحكيم صاحب الحكمة، والحكيم المتقن للأمور، وعليه فإن الحكمة تقتضي أن لا يقول الإنسان كل ما يعرفه، فيصمت حين يكون الصمت أفضل، ويتكلم حين يكون الكلام أفضل، ومن الحكمة أن يأخذ أهل العلم والمفكرون بعين الاعتبار عند مخاطبة الناس تفاوتهم في مداركهم ومراعاة تنوع ثقافتهم في إدراك الحقائق وتصور الأمور، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.