أشاد المهندس حسين ناصر لوتاه مدير عام بلدية دبي بجهود إدارة التراث العمراني ببلدية دبي وحرصها على تحقيق الإنجازات في مختلف المجالات مؤكدا على أهمية دورها في الحفاظ على التراث العمراني بإمارة دبي.

جاء ذلك عند استلامه درع جائزة «ميد» لجودة المشاريع للعام ‬2011 التي فازت بها إدارة التراث العمراني مؤخرا وأكد على الجهود التي تقوم بها بلدية دبي في مجال جودة المشروعات التي تقدمها حفاظا على التراث العمراني الأصيل الذي يشكل ملامح جذور المدينة العربية، خاصة وأن الإمارات تشهد تغيُّرا هائلا على الصعيد العمراني الحديث إذ تُختزل كل التجارب العالمية في هذا الميدان.

وقام المهندس رشاد بوخش مدير إدارة التراث العمراني وعدد من موظفي الإدارة المسؤولين فيها بتسليم لوتاه الدرع. يذكر بأن إدارة التراث العمراني ببلدية دبي فازت بجائزة «ميد» لجودة المشاريع للعام ‬2011 في دورتها الثانية التي عقدت في ريتز كارلتون بمركز دبي المالي العالمي بإمارة دبي وذلك في ظل التنافس على الجائزة في ظل مشاركة المدن والعواصم العربية عدة.

وجاء فوز البلدية عن مشروع «ترميم وإعادة تأهيل أقدم تجمع تجاري تقليدي في دبي (أسواق منطقتي بردبي وديرة)». وتعتبر أسواق المدينة باعتبارها مؤسسات اقتصادية المرآة التي تؤرخ لحياتها وخريطة بنيانها الاجتماعي. ومن خلال هذا المنطلق يمكن القول إن مدينة دبي دون غيرها من المدن الأخرى في الدولة تعبر بصدق عن تلك المقولة إلى جانب أنها تتميز بامتلاكها كثيرا من مقومات الجذب الاقتصادي والتجاري حيث تواجد الخور الذي يعتبر الشريان الرئيس للتجارة. وانتشرت على ضفافه مجموعة من الأسواق الرئيسة التقليدية حوالي عام ‬1850م. كسوق الأقمشة وسوق الحرير وسوق الشالات وسوق الذهب وسوق المعدن وسوق الأسماك المجففة وسوق البهارات والتوابل وسوق بندر طالب إلى جانب سوق الطواويش (الطواشين) وتمت توسعه الأسواق مرّات عدة آخرها عام ‬1956م. حيث صنعت المعاملات التجارية الواسعة التي تم عقدها من خلاله ــ شهرة المدينة وصيتها الذائع. ويترجم شخصية المدينة، من خلال التمازج بين الدور السكنية والتجارية في علاقات تخطيطية تتفاعل بين المباني بمختلف العناصر المعمارية، من براجيل الهواء وزخارف الجص والتشكيلات المتنوعة للفراغات المعمارية. والمنطقة تتفاعل بين الخور والأسوار القديمة للمدينة لكي تمثل مجتمعاً مدنياً.

إحياء الأسواق التاريخية

وأفاد م.بوخش أنه انطلاقا من وعي بلدية دبي بأهمية في مجال الحفاظ على التراث بشقيه المادي والمعنوي وفي إطار الجهود التي تبذلها بلدية دبي لتطوير المدينة والمحافظة على هويتها وموروثها الحضاري، وحرصاً من إدارة التراث العمراني في بلدية دبي فقد قامت بتنفيذ مشروع إحياء الأسواق التاريخية بمنطقتي بر دبي وديرة وذلك ضمن مشروعات تحسين صورة المناطق التاريخية البصرية، وذلك في سبيل تطويرها وإعدادها لممارسة دورها الثقافي والسياحي بترميم أسواق دبي التاريخية والعمل على تطويرها، نظراً لإهمالها في السابق وتدهور حالتها الفيزيائية ما جعلها تشكل خطرا على العاملين في نطاقها. بهدف ترميم وإعادة تأهيل أقدم تجمع تجاري تقليدي في دبي، وذلك من خلال دراسة المنطقة حيث لا يمكن تأصيل القيم التراثية في ظل بيئة عمرانية متدهورة، إلى جانب دراسة المداخلات العمرانية والمعمارية، في إطار الحفاظ على الموروثات الشخصية بعمل محاولات جادة لإعادة استخدام لغة الأصالة المعمارية من خلال الحفاظ على طابع السوق القديم بإعـداد البرامج الزمنية والدراسات والمخططات اللازمــة لوضع الحلول المعمارية والإنشائية «ترميم» وإعادة توظيف المحلات التجارية حسبما تقتضيه المتطلبات العامة للمنطقة التجارية، وتم ترميم السوق على مراحل عدة شملت الأساسات والجدران والسقوف واستخدمت المواد والأساليب التقليدية في أعمال الترميم.

تحسين النطاق العمراني

كما ذكر بوخش أن الهدف من المشروع هو تحسين نطاق المنطقة العمراني وذلك بتحسين مسارات الحركة وإعادة دراسة المداخل والأرضيات والتغطية بالإضافة إلى دراسة الفراغات العمرانية في المنطقة واستغلالها بما يتناسب وأهمية المنطقة، وتحسين صورة المنطقة البصرية وذلك بتعديل واجهات المباني الحديثة الموجودة في المنطقة بإضفاء الطابع التقليدي عليها لتنسجم مع طابع المنطقة المعماري المميز، والمحافظة على المباني التاريخية الموجودة في المنطقة والتي تزيد عددها عن ‬220 مبنى، حيث ستقوم بلدية دبي بتنفيذ المرحلة الثالثة من مشروع ترميم واجهات مباني المنطقة بالإضافة إلى ترميم المباني القائمة، وفقاً لقيمتها التاريخية والمعمارية بالإضافة إلى إحياء الحرف والأسواق التقليدية والتي بدأت بالاندثار، حيث تميزت المنطقة بوجود عدد من الأسواق المتخصصة، حيث يهدف المشروع إلى إعادة إحياء وتنظيم تلك الأسواق التاريخية والتي يفوح منها عبق الماضي الجميل. ومن أهم الأسواق التقليدية التجارية المعروفة والمنتشرة قديماً والتي تم ترميمها وإعادة تأهيلها والتي وتم حصر أنواعها ضمن منطقتي بر ديرة وبر دبي هي:

‬1 ــ أسواق منطقة بر دبي: إن من أهم الأسواق المعروفة في منطقة بر دبي نذكر السوق الكبير ــ بر دبي ويقع بمحاذاة خور دبي (يبدأ من موقع الجمارك القديم وينتهي عند منطقة الشندغة) وهو أقدم وأهم الأسواق في مدينة دبي، شيد حوالي عام ‬1850م حيث صنعت المعاملات التجارية الواسعة التي تم عقدها من خلاله ــ شهرة المدينة وصيتها الكبير ويعتبر ترجمة لشخصية المدينة، من خلال التمازج بين الدور السكنية والتجارية في إطار من علاقات تخطيطية تستحق وتستوجب الدراسة والتحليل، وتتفاعل مع المباني مختلف العناصر المعمارية التي عرفتها دبي من براجيل الهواء والزخارف الجصية وتشكيلات الفراغات المعمارية المتنوعة.

ــ تم بناء السوق الكبير بر دبي على مراحل مختلفة واستكمل بناؤه بإنشاء خمسين محلاً تجارياً تتجمع على ممر وسطي، وعلى جانبيه الشرقي والغربي بوابات كبيرة محكمة تفتح في الصباح وتغلق في المساء. وتمت توسعة السوق عدة مرات آخرها عام ‬1956م. وكان يمتلك المحال المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم وأخوه الشيخ جمعة، والشيخ مانع بن راشد، والشيخ محمد بن أحمد بن دلموك.

ــ يتكون السوق من محور رئيس واسع مغطى بشكل تقليدي، وعلى جانبيه شيدت المحلات التجارية بعرض ‬3,5 م تقريباً. تتكون المحلات التجارية من جزأين : الأمامي وهو في شكل رواق مطل على الممر الرئيس لغرض العرض واستقبال الزبائن والجلوس أما الثاني فكان للتخزين.

ومن أهم الأسواق الأخرى ببر دبي نذكر: الفرضة (الميناء) سوق الحرير، سوق اللؤلؤ «سوق الطواشين» سوق الملابس، سوق الساباط، وسوق الذهب، سوق السمك، سوق الأطعمة.

‬2 ــ أسواق منطقة بر ديرة: من أهم الأسواق التقليدية التجارية المعروفة والمنتشرة قديماً والتي تم حصرها ضمن منطقة بر ديرة نذكر السوق الكبير بر ديرة فقد تم تشييده حوالي عام ‬1850م وهو أقدم وأهم الأسواق في منطقة بر ديرة. تكمن أهمية السوق الكبيرة باتصاله المباشر مع الميناء الممتد على الخور، حيث تقف اليوم مئات السفن الخشبية تحمل مختلف البضائع وتمتد رحلاتها البحرية إلى أفريقيا وشبه القارة الهندية لقد فرض الأمر أن يكون المكان للمعاملات التجارية والتبادلات وكذلك لتوفير ما يلزم أطقم السفن التجارية.

يمتد السوق في سكة ضيقة حيث وتم منع دخول المركبات. خطت الدكاكين ذات تكرار مساحات صغيرة لا تتجاوز ‬30 متراً مربعاً وعلى الرغم من ذلك فلم تخلُ من بعض المساحات المعمارية التي تعطي للمكان رونقه.

تعلو بعض الدكاكين أبراج الهواء التقليدية لتوفر المناخ اللطيف داخل للمتسوقين، بالإضافة إلى تلك الكوى الجصية أعلى الأبواب للتهوية، وتشكل الأبواب الكبيرة المصنوعة من خشب الصاج الأحمر الداكن جانباً من شخصية المكان.

أغلب الدكاكين مكونة من دور أرضي، لكن هناك بعض الدكاكين التي لها دور أعلى، ويمر الطريق عبر سوق مغطى سابقاً باستخدام الكمرات (ألواح الخشب) الخشبية والدعون وهي سعف النخيل المنضَّد المنسوج بالحبال، وتتوزع الدكاكين في الطرفين حيث يباع فيها مختلف البضائع مثل السجاد والمنسوجات والأدوات المنزلية والبهارات والأعشاب الطبيعية.

أسواق متنوعة

إلى جانب الأسواق المذكورة فقد كان هنالك سوق المواعين أو المعدن (الأواني) حيث اعتاد الناس شراء مستلزمات المطبخ من قدور وصواني (صِحاف) من هذا السوق، وسوق البهارات وسوق الدويات (الأدوية) حيث تميز السوق ببيع مواد العطارة والأدوية والبهارات، وسوق بالشالات وكان يباع فيه الأقمشة الرجالية وسوق المناظر وكان مخصصاً لبيع المستلزمات الخاصة بالنساء، سوق المطارح (الفُرُش) وكان مخصصا لبيع المساند والوسائد (التكي) وسوق الظلام كان سوقاً مختلطاً يباع فيه بضائع مختلفة، وسوق المواد الغذائية وسوق الأدوات البحرية وسوق الخلـج (الأقمشة). بالإضافة إلى إحياء بعض الساحات القديمة ضمن السوق كساحة العرصة وتفعيل ساحة الشجيج. ولتفعيل دورها السياحي تم إضافة سوق التحف المتخصصة لبيع التحف والهدايا.

لقد غدت الأسواق حقائق واقعية وعاد لها دورها التراثي وحيويتها السابقة في ظل الأزمة المالية العالمية، خاصة لأنه يرمى إلى الحفاظ على أسواق دبي التاريخية «واجهات الخور التقليدية» وإضافة لمسة معمارية مميزة للخور الذي يعتبر الشريان الرئيس للمدينة، تلك المدينة ذات الأهمية والتميز في منطقة الخليج العربي، هذه الأهمية وذاك التميز قد صنع للمدينة طابعاً مميزاً وخاصاً مؤكداً أصالتها وعراقتها عبر التاريخ...