قضت المحكمة الاتحادية العليا برئاسة القاضي فلاح الهاجري رئيس الدائرة، وعضوية القاضيين رانفي محمد إبراهيم وأحمد عبد الحميد حامد برفض الطعن المقدم من ثلاثة أطباء في الحكم الذي أصدرته محكمة الاستئناف (الإحالة) بإدانة ثلاثة أطباء ومعاقبة كل منهم بغرامة قدرها ‬15 ألف درهم، وألزمتهم بدفع مبلغ ‬100 ألف درهم مقابل الدية لورثة المجني عليها، توزع عليهم حسب الأنصبة الشرعية. وكانت النيابة العامة قد أسندت إلـى ‬3 أطباء تسببوا بخطئهم في وفاة الطفلة (ح أ ع) في كلباء وكان ذلك نتيجة إخلالهم بما تفرضه عليهم أصول وظيفتهم، حيث تسببوا في وفاة المجني عليها أثناء إجراء العملية الجراحية باللوزة اليسرى، والتي أدت إلى نزيف حاد نتيجة استعمال المتهم الأول (الطاعن) لجهاز مخصص للكبار، وأن ذلك أدى إلى زيادة النزيف الدموي، وقد باءت محاولة المتهمين الآخرين بالفشل نتيجة استعمالهما أنبوبا في الجهة اليمنى واليسرى، ما أدى ذلك إلى وجود ثقوب في الرئة وإزالة القلب من موضعه إلى الجهة الأخرى مما أدى إلى وفاة المجني عليها، وطلبت معاقبتهم طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء، والمادة (‬342/‬1 /‬2) من قانون العقوبات الاتحادي رقم ‬3 لسنة ‬1987 المعدل.

حكم أول درجة

وبجلسة ‬19 مايو ‬2009 حكمت محكمة أول درجة حضوريا ببراءة المتهمين الثلاثة من التهمة المسندة إليهم، فاستأنفت النيابة العامة الحكم أمام جزائي خورفكان، التي قضت حضوريا وبالإجماع بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجددا بتغريم كل واحد من المستأنف ضدهم خمسة عشر ألف درهم، مع إلزامهم متضامنين بدية المتوفاة وقدرها مئة ألف درهم تؤدى إلى ورثتها الشرعيين، فطعن المحكوم عليهم على هذا الحكم بطريق النقض بالطعنين، فحكمت المحكمة العليا بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة الدعوى إلى محكمة الاستئناف مصدرة الحكم المطعون فيه بنظرها مجددا، بهيئة مشكلة من قضاة آخرين، وبتاريخ ‬3 أكتوبر ‬2010 قضت محكمة الإحالة وبالإجماع بإلغاء الحكم المستأنف وبإدانة المتهمين بالتهمة المنسوبة إليهم ومعاقبتهم بنفس العقوبات السابقة، فطعنوا مجددا في الحكم وقدمت النيابة العامة مذكرتها.

وتركز النعي المقدم من الطاعنين على الحكم المطعون فيه على الخطأ في تطبيق القانون والقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، ذلك أن الأطباء الذين أعدوا التقرير الطبي الشرعي بمناقشة محكمة أول درجة لهم نفوا الاتهام المنسوب إليهم، وثبت من مناقشتهم أن سبب الوفاة يرجع إلى طبيب العناية المركزة، وبهذه المناقشة أصبحت التقارير التي تمسكت بها النيابة العامة وأخذ بها الحكم المطعون فيه لا تدينهم وتنفي رابطة السببية بين وفاة المجني عليها والخطأ المنسوب إليهم.

وقالت المحكمة ان هذا النعي مردود لأنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن مسؤولية الأطباء تخضع للقاعدة العامة وأنه متى تحقق القاضي وثبت لديه الخطأ المنسوب إلى الطبيب، سواء كان مهنياً أو غير مهني، وايا كان درجته جسيما كان أو يسيرا، فإنه يتعين مساءلة الطبيب عن خطئه، ذلك أن إباحة عمل الطبيب مشروط بأن يكون ما يجريه مطابقا للأصول العلمية المقررة، فإذا فرط في هذه الأصول أو خالفها حقت عليه المسؤولية الجنائية بحسب تعمده الفعل أو تقصيره أو عدم تحرزه في أداء عمله، والتزام الطبيب في أداء عمله ليس التزاما بتحقيق نتيجة، بل ببذل عناية تقتضي منه أن يبذل لمريضه جهوداً صادقة يقظة تتفق مع الأصول المستقرة في عالم الطب، كما أن تعدد الأخطاء الموجبة لوقوع الحادث توجب مساءلة كل من أسهم فيها أيا كان قدر الخطأ المنسوب إليه، يستوي أن يكون سببا مباشرا أو غير مباشر، وتوافر رابطة السببية بين الخطأ والضرر من المسائل الموضوعية التي يفصل فيها قاضي الموضوع بغير معقب، ما دام مؤسسا على أسانيد مقبولة مستمدة من وقائع الدعوى، وبما له أصل ثابت بالأوراق.

إدانة الطاعن

وأضافت أنه لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بإدانة الطاعن على ما خلص إليه من تقرير اللجنة المشكلة من وزارة الصحة وتقرير الطبيب الشرعي، ومما ورد بتقرير اللجنة الطبية الشرعية، والتي انتهت جميعها بأن المتهمين قد تسببوا في وفاة المجني عليها نتيجة إخلالهم بوظيفتهم، ورتب الحكم المطعون فيه من ذلك إلى مسؤولية المتهمين واشتراكهم بالتساوي بالمسؤولية منتهياً إلى إدانتهم، وهو ما يبين أن الحكم رأى توافر رابطة السببية بين خطأ كل متهم ووفاة المجني عليها، وكان ما ساقه الحكم من أسباب له أصله الثابت بالأوراق ويكفي لحمل قضائه، ومن ثم فإن ما يتذرع به الطاعن من انتفاء الخطأ في جانبه وانقطاع رابطة السببية بين خطئه والضرر الذي حاق بالمجني عليها يكون على غير أساس ولا يعيب الحكم المطعون فيه إن هو لم يرد على دفاع غير منتج ما دام أنها قد اقتنعت بالأدلة المطروحة، ورأت المحكمة أن الطعن برمته على غير أساس متعين الرفض.