يجد الإنسان نفسه في موقف صعب حين يتحدث عن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، ليس لأنه غير قادر على الحديث، ولكن لكون الحديث مرتبطاً بهذه الشخصية، التي لا أبالغ إن قلت إنها شخصية تاريخية معاصرة فريدة لافتة لنظر كل إنسان، ليس على المستوى المحلي أو الإقليمي فقط، وإنما على الصعيد العالمي أيضاً بذات الصورة والفاعلية. فالحديث حين يكون عن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، يأخذ مسارات عدة، ويتناول جوانب كثيرة، ويتسم بجمال وذوق ومتعة..
ولا يكاد يقف بك عند حد، وإنما يطول ويتشعب في كثير من المجالات والفضاءات قديماً وحديثاً ومستقبلاً، بقدر ما تثيره هذه الشخصية العظيمة من اهتمامات، وما تحدثه من تفكير وتأمل وتحليل لكثير من معطياتها الفاعلة، التي تمكنت بسببها أن تكون في قلب الأحداث التنموية العالمية..
فلقد استطاع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن يشغل بال كثير من الباحثين والمتتبعين، ضارباً بذلك المثل الواضح على إمكانية القائد العربي الصادق مع نفسه المتمسك بدينه ومبادئه وبما يملكه من موروث حضاري ومقومات معاصرة، أن يعمل الكثير لمصلحة شعبه وأمته وأن يغير الصورة النمطية عنهم في أذهان الآخرين، وأن يحقق قفزات نوعية بعيدة المدى في كثير من شؤون الحياة، تجعله في مستوى ما يتحقق في العالم من إنجازات إن لم يكن في طليعتها، وذلك ما هو واضح في شخصية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الذي تمكن من إحداث ثورة تطويرية شاملة على أرضه، ولما أوجده من فكر تنموي جديد ليس على مستوى بلده، وإنما في كثير من المناطق، حتى إنني لا أبعد عن الحقيقة إن قلت إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، أصبح ظاهرة في مجال التنمية جديرة بالبحث والدراسة، لاستخلاص النتائج المرتبطة بقدرة الإنسان العربي على تحقيق أعلى معدلات التنمية، والوصول إلى أرقى المستويات العالمية في تلك المجالات، ما يجعله عندي في صف القادة الذين ساهموا في صنع تاريخ بلدانهم، وأثروا وأثّروا في واقعهم نتيجة ما أحدثوه من مبادرات إبداعية في تغيير حاضرهم وسعادة شعوبهم.
مقعد الصدارة
ولو نظرنا من هذا المنطلق إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لوجدناه يتبوأ مقعد الصدارة في مجال التنمية التي أوجدها في أرضه وما حولها من مناطق.. بل أجدني أجعله في صدارة قائمة البانين الذين دخلوا التاريخ وسطروا في صفحاته كثيراً من الإنجازات العظيمة والمبادرات الباهرة التي أعطت للحياة طعماً ورونقاً وفاعلية في كثير من شؤونها.. ولم تكن تلك المكانة المتميزة لتكون للشيخ محمد بن راشد، لولا الفكر الذي يتمتع به، ورؤيته الثاقبة والخصائص الذاتية والمكتسبة فيه، والجهد والدقة والمتابعة، وما تحقق على يديه من نتائج كثيرة وكبيرة.. لأن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى سجل من النجاحات والمبادرات والأهداف الكبيرة لتسويغ صاحبها لأن يكون في قائمة البناة الذين يتركون بصمات واضحة على صعيد تاريخهم..
فبمعايير الإنجازات التاريخية يمكنني أن أعد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من هذا الطراز الفريد من البناة، والذي لا شك سيتحدث التاريخ عنه طويلاً، وسيسجل انجازاته ونجاحاته الوطنية والقومية والعالمية لخدمة التنمية البشرية والفكرية والإنسانية بكثير من الفخر والاعتزاز والانبهار.. فصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، بلا أدنى جدال في نظري هامة عالية من هامات البناة طاول الأفق وتخطّى المألوف إلى شيء كبير من الخيال ذاته وتحقيق المعجزات التنموية التي أولدها على أرضه وحققها في واقعه شاهداً ملموساً لكل مقيم وزائر.
محددات شخصيته
وحديثي هنا عن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، يتلخص في ثلاثة أبعاد، هي أبرز ما يمكن أن يكشف لنا محددات وخصائص شخصيته.
البعد الأول: التحدي.. فإنك لتبحث طويلاً فلا تكاد تجد في معاصرتنا شخصية تبرز وتتجلى من خلال التحدي كشخصية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الذي يتفاعل مع هذا الجانب الصعب ويغالبه، ليجعله في النهاية أداة طيعة في يديه لتحقيق أهدافه وطموحاته، مستمتعاً بما يلاقيه في هذا الصدد من جهد، ليأتي الانجاز لديه بعد ذلك ثميناً بقدر ما صرفه فيه من جهد ومشقة وما ناله فيه من عناء ومغالبة.. وكلما كان التحدي كبيراً كان في مقابله الإصرار والعزيمة على مغالبته أكبر وأشد والمتعة أحلى وألذ.. ولا يكاد يجد المتتبع في عالمنا من يستفزه التحدي وتستلذه نشوة الطموح ومغالبة المستحيل مثل الشيخ محمد بن راشد، وهذا ما عبر عنه ذاته في أحد أبياته بقوله:
أمشي على أرض ما توطاها الاقدامي
وإن وعرت الأرض يعجبني المشي فيها
يعجبه المشي في الأرض الوعرة قبولاً بمبدأ التحدي وإثباتاً لذاته واستلذاذاً بالنتائج والإنجازات الكبيرة التي تأتي من رحم المشقة والمغالبة.
أكبر مبادراته
فمن ينظر إلى مشاريع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، ويبحث في شخصيته ويحلل خصائصه، يجده تماماً كصورة ما عبّر عنه في بيته السابق.. فأعظم مشاريعه وأكبر مبادراته من هذا النوع الذي يبرز فيه التحدي واضحاً.. حتى إنه أحياناً كثيرة ليصدم سمع مجالسيه بأحاديث عن مشاريع مستقبلية تدور في ذهنه، فيها قدر كبير من الخيال البعيد والتحدي الصعب الذي ربما لا تقوى عليه قدرة مجالسيه، وقد لا يدخل ضمن ثقوب التفكير الواقعي حينها لمستمعيه..
فإذا به يشمر عن ساعد الجد ويدير دولاب العمل سريعاً بأقصى ما يمكن أن تكون السرعة، فلا يكاد يمضي وقت حتى تكون تلك المشاريع شاخصة تطل على واقعها كمعالم ثابتة وعلامات شاهدة على قدرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على تنفيذ أحلامه وطموحاته وخياله، كما تحدث عنها قبل إنجازها..
وربما تكون جل مشاريع دبي وتنميتها من هذا القبيل.. قبيل الحلم البعيد الذي فيه قدر كبير من الخيال، والذي ينتابه التحدي الصعب، ثم ترسو سفينته في ميناء الواقع محمّلة بالإنجازات الباهرة التي تتحدث عن أسرار صاحبها وبعد رؤيته.. ولك أخي القارئ أن تتجول في أنحاء دبي لترى صدق ما نعنيه في حديثنا عن هذه الملاحم العمرانية المرتسمة على أرض دبي، شاهدة على النهضة الشاملة التي تعيشها بقيادة راعيها وحادي ركب تنميتها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.
تميز يبهر العين
البعد الثاني: التميّز.. فكثيراً ما تأتي مشاريع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وإنجازاته، في إطار من التميز الذي يبهر العين والذهن معاً.. إذ لم يكن يؤمن بالعادية في أفكاره وتنفيذها، وإنما يسعى جاهداً لتحقيق قدر كبير من الإبداع والذوق والجمال فيها.. فلو نظرنا في ما حولنا من عمارات وأبراج وشوارع وحدائق وأسواق وبحيرات وشواطئ ومتنزهات وغيرها، لوجدنا فيها لمسات من الجمال والذوق والإبداع اللافت، حتى إنك لتستمتع بهذه اللمسات الساحرة، ما يعطي الحياة في هذه البقعة طعماً خاصاً مختلفاً عنه في أي بقعة أخرى.. هذا التميز والإبداع الذي يمكننا أن نطلق عليه أنه سمة من سمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الملتصقة بذاته، فلا يكاد سموه يرضى في كل أعماله وإنجازاته بما دون التميّز أبداً..
وتلك غاية بعيدة من غايات النفس البشرية الطموحة التي تجعل للجمال مساحة كبيرة في الإنجازات حتى إنك لتقف أحياناً أمام هذه الحشد الهائل من الإنجازات الجمالية متأملاً مستمتعاً مأسوراً بما تراه وكأنك أمام لوحات فنية تأخذ باللب والإحساس.. فالتحدي عنده أولد إنجازات كبيرة ولكنها ليست صماء جامدة من الحجر والحصى، وإنما على درجة مبهرة من الجمال الفني والذوق الراقي والإبداع الإنساني المتميز، قلما تجدها في أماكن أخرى بذات الصورة البديعة المتميزة.
البعد الثالث: الإنساني.. وهو الأهم عندي في تحديد شخصية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، لأنه المرتكز الرئيسي الذي قامت عليه دعائم شخصيته، فمن يعاصره ويداخله يعرف مدى ما يتمتّع به، حفظه الله، من حس إنساني مرهف، وتفاعل شفاف مع كثير من القضايا الإنسانية داخلية وخارجية، حتى لكأنه يصبح أحياناً الحالة الإنسانية ذاتها لشدة تفاعله معها وإحساسه بها..
ورغم ما يتمتّع به من خصائص القوة وعناصر الصلابة في كثير من المواقف التي تستدعيها بصفته مسؤولاً وقائداً، لكنني كما أعرفه عن قرب ذلك الشخص الذي يتميز بمشاعر إنسانية دفّاقة وقلب شفاف نابض بالحب والرحمة ينساب رقة كضوء الفجر ونسيم السحر ويذوب مع الحالة الإنسانية ويتفاعل معها وجداناً ومشاعر وعواطف، حتى لتكاد تقرأ فيض ذلك الإحساس المرهف الصادق على تعابير وجهه وحركة عينيه من شدة تأثره وبالغ شعوره وتفاعله..
ولي معه في مثل هذه الحالات قصص وحوادث تزيده تألقاً في عيون الناس، وإنني لأجد نفسي مطالباً من ذاتي بتوثيق بعض هذه المواقف الإنسانية له والتي أعتبر نفسي شاهداً عليها بغية أن يزيد الناس معرفة بهذا الفيض الإنساني المتمثل في عطاء هذه الشخصية الإنسانية التي ضربت لنا المثل جلياً في كثير من المواقف والحالات الإنسانية التي شاهدناها بأعيننا وذلك ما يسمو به في عيوننا وقلوبنا معاً .. وإنه لتلفتني منه حقيقة هذه المشاعر الإنسانية الجيّاشة أكثر من مظاهر الجد والقوة فيه.. فإن نظر البعض إلى شخصية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من باب قوته، فإنني لأنظر إليه بأنه ذلك الإنسان الرحيم الذي يفيض قلبه بالعطف والرقة والحنان.. ولكأنني محق في ذلك كل الحق لمدى معرفتي بهذا الجانب من شخصيته والذي أسرني عن كل ما في شخصيته من جوانب مضيئة أخرى.
تفاعل مع العاطفة
وإنك لتجد لديه تفاعلاً مع العاطفة والشعور الإنساني متمثلاً في ما يقدّمه من سخاء وعطاء مطلق من أجل تخفيف المعاناة ومسح الدمعة ومواساة الجرح فلا تكاد تصله شكوى أو يقف على حاجة إلا وبادر سريعاً إلى معالجتها وكفكفة دمعها ببذل وجود كبيرين.. ولنا معه في ذلك قصص كثيرة، فقد كان حفظه الله يبذل الكثير ولا يرضى بالقليل ويسخر من أجل سد الحاجة أموالاً طائلة مع ميزة فيه ربما لا يعرفها الكثيرون عنه وهي المساعدات الكثيرة الخفية التي تتم بعيداً عن العيون.. ونعلم بأن لديه مصادر خفية تأتيه بالأخبار يعمل من خلالها جميعاً وربما لا يعرف هذا المصدر غيره من المصادر.. وعندما تقف على طائل ما ينفقه في الخير يصيبك العجب والرضى معاً لقناعة راسخة في يقينه كما يقول بأن ما يصرفه اليوم يضاعفه الله له غداً أضعافاً كثيرة.
التبسّط مع الناس
أذكر مرة أننا كنا معه ومررنا على بعض البيوت القديمة، وكان يدخل كل بيت يمر عليه ويسلم على أهله ويقضي فترة بينهم يسمع منهم ويرد عليهم بجميل القول وحسن الحديث، ويأمر لكل منهم بمنزل جديد وتأثيث له ومبلغ كبير من المال وبناء بيوتهم القديمة ليستفيدوا منها، ثم يسألهم إن كانت لديهم حاجة أخرى.. فانظر أخي كيف كان ولا يزال يتبسّط مع الناس ويسد حاجاتهم ويوسع عليهم بأكثر مما يحتاجون.. إنك لا شك أمام إنسان مرهف الإحساس بفيض من الشعور الإنساني الذي يدفعه لفعل الخير ويفتح لذلك يده وصدره بحب وتفاعل منقطع النظير.
نخجل من فيض كرمه
ومما أذكره أيضاً أننا إذا أردنا أن ننتقل إلى أرض بعض الكوارث للإغاثة، أتصل به لأستأذنه أولاً، ولأطلب ثانياً ميزانية إضافية لهذا الحدث الطارئ، وكثيراً ما كان، حفظه الله، يضاعف المطلوب رغم مبالغتنا فيه وأحياناً يتضايق من ذلك، ويرد قائلاً لماذا تطلب اذهب إلى هناك وقدّر ما تراه على أرض الواقع وميزانيتك مفتوحة كما تريد.. لقد كنّا حقيقة نخجل من فيض هذا الكرم المتدفق في الخير الذي لا يقف عند حد معين، وإنما ينفتح بابه ليدر على الكوارث وغيرها من أوجه المساعدات ما تحتاجه من مال ومعونة.. ولا أذكر يوماً أنه قال لنا لا أو خفّف ميزانية نطلبها، وإنما هو كما قلت مفتوح اليد والصدر بأكثر مما نطلبه..
وذلك ما أعطانا فاعلية لأن نقدم عند الحاجة ما يميّز مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للأعمال الخيرية والإنسانية، كما وأن ذلك ما جعلنا في أحيان كثيرة نقرر على أرض الكارثة مشاريع ووعوداً خدماتية للمتضررين دون استشارته لمدى معرفتنا بأننا نمثل رجلاً خيراً لا تساوي الدنيا عنده شيئاً بجانب عمل الخير.
