عمر العلماء في حوار مع مجلس بحثي أمريكي عن التقنية والأوبئة:

الإمارات دولة الذكاء الاصطناعي المسؤول

عمر بن سلطان العلماء

أكد معالي عمر سلطان العلماء، وزير الدولة للذكاء الاصطناعي - في حوار مفتوح مع المجلس الأطلسي الأمريكي للبحوث، أجراه معه فريدريك كمب الرئيس والمدير التنفيذي للمجلس، حول التكنولوجيا ودورها في مواجهة الأوبئة - أن استراتيجية دولة الإمارات العربية المتحدة في الذكاء الاصطناعي تتمثل في التركيز الأساسي على بناء دولة الذكاء الاصطناعي المسؤول، والحرص على التأثير الإيجابي والمستدام على المدى البعيد وصولاً إلى الأجيال اللاحقة.

وقال: «إن الاستثمارات التي ستذهب إلى قطاع التكنولوجيا الإحيائية بسبب «كورونا» خلال الفترة المقبلة ستكون ضخمة، لأنه كما رأينا فإن القطاع الصحي يفوق القطاعين الاقتصادي والسياسي أهميةً».

ودعا إلى إطلاق تحالف دولي لمنع تهديد الفيروسات لحياة البشر، مشيراً إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة تحرص على إقامة الحوار مع جميع الأطراف التي تتعامل معها وتسمي الاتفاقيات مع الدول بجسور الذكاء الاصطناعي دلالةً على التواصل، وتالياً نص الحوار:

كيف أصبحت الوزير الأول وربما الوحيد في العالم للذكاء الاصطناعي؟

التكنولوجيا بشكل عام هي التي ترسم شكل الحكومات المستقبلية وشكل حياتنا كأفراد، وحكومة الإمارات وقيادتها أدركت وجود موجات جديدة من التغيير الآتي الذي سيرسم ملامح الاقتصاد والمجتمعات والحكومات ذاتها وأرادت أن تفهم كيف لنا أن نحقق الانتقال، فمع أننا نبتعد عن اقتصاد النفط إلا أنه لا يزال يشكل حيزاً كبيراً من الناتج المحلي.

وأدى ذلك إلى طرح كل من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، النقاش حول القطاعات الجديدة التي سيتم التركيز عليها من أجل إنشاء الاقتصاد الجديد للإمارات وما القطاعات التي نريد تحقيق الريادة فيها في السنوات الـ50 المقبلة.

وواحد من تلك القطاعات الرئيسة كان وزارة الذكاء الاصطناعي، وسبق تعييني تحديد طموحات هائلة لتحقيق الريادة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2031.

وما مسؤولياتك في هذا المجال؟

الإمارات لا تنظر للذكاء الاصطناعي من باب التكنولوجيا فقط، بل كأداة جيدة لتحسين حياة البشر وتوفير فرص عمل وتوظيفها لما هو خير للناس وليس بما يسيء لهم، ومن هنا فإن القطاعات التي نعمل عليها تتمحور حول الرعاية الصحية، وخاصة في زمن فيروس «كوفيد 19»، كما أننا نبحث عن المعادن والغاز والنفط الذي يخدم حيزاً كبيراً من الدخل، ونهتم بالبنى التحتية.

وكذلك التعليم حيث لا مجال للريادة إلا بوجود طاقات قيادية في مجال البحوث والتطوير، وأيضاً قطاع السياحة، ونحن بشكل عام نركز على أن نكون مجمعاً عالمياً يجمع الشرق والغرب من خلال القطاع اللوجستي. وتتمثل نقطة التركيز الأساسية من خلال استراتيجية الذكاء الاصطناعي أو ما نسميه «براين» والتي تمثل معاني بناء دولة الذكاء الاصطناعي المسؤول.

وتعمل العديد من الدول على استخدام الذكاء الاصطناعي من دون التفكير بالتأثيرات على المدى البعيد. ونحن نحرص على أن أي توظيف أو شراكة تؤدي إلى تأثير إيجابي ومستدام على المدى البعيد وصولاً إلى الأجيال اللاحقة. ويكمن جزء كبير من عملي في وضع السياسات الجيدة والقوانين التي تحكم التكنولوجيا ضمن الإطار السليم.

وعلى نحو لا يعوق الابتكار والتطور بما يضمن الازدهار مع الحفاظ على حياة الناس، كما أننا نعمل بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وأوروبا لضمان تطوير التكنولوجيا على نحو متناسق ومثمر للجميع، وكما نرى اليوم فقد بدأ الوباء وانتشر إلى بلدان بعيدة وبسبب طبيعة الاتصال الرقمي في العالم فإنه سيترك آثاراً تخريبية على بقية دول العالم ولذا لا بد من التعاون والتنسيق وهذا ما أعمل عليه كوزير في الحكومة.

استجابة الإمارات

الإمارات تعد من أوائل دول العالم التي أجرت فحوصاً لـ«كوفيد 19»، ما الذي تعلمتموه من هذه الأزمة؟ وكيف كانت الاستجابة محلياً؟ وكيف تنظرون إلى مستوى الاستجابة دولياً؟

«كوفيد 19» ليس وباء وحسب، بل هو حرب نخوضها ضد عدو لا يمكننا رؤيته، وعلينا العمل جماعياً لمحاربته وإذا لم نتغلّب عليه الآن فإننا سنواجه مشكلة في المستقبل. وتابع معاليه: «استجابة الإمارات السريعة في مواجهة الوباء، جاءت وفقاً لعمل دؤوب منذ أكثر من 5 سنوات.

حيث نركز على توقع ما يحمله المستقبل، وقام الصندوق السيادي الإماراتي بالاستثمار في عدد من القطاعات الحيوية كالتكنولوجيا الإحيائية، وعلم الجينات، التي لم نستخدمها سابقاً، ولكن قيادتنا الرشيدة استشرفت أننا لا بد من أن نكون جاهزين للمستقبل، وأن نكون مستعدين أيضاً لمساعدة غيرنا».

وأضاف العلماء: «وفرت الإمارات إجراء الفحوص بنسب متزايدة للمواطنين والمقيمين، وصدرت الكمامات لدول عدة، وهناك 200 جنسية تعيش في الإمارات، ورغم أن البعض يرى في تواجد جنسيات من خلفيات ثقافية متباينة، معادلة كارثيةً.

ولكن الطريقة التي تتعامل بها الحكومة مع المسألة تمثلت في أول تعليق صدر عن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان حيث قال سموه: «نحن في دولة الإمارات علينا مسؤولية حماية وطننا وأهلنا والمقيمين على أرضنا»، وبالفعل لم نشهد خروجاً عن هذا النسق.

التحدي الكامن

هل تعتقد أن الذكاء الاصطناعي يستخدم بشكل كافٍ اليوم لمواجهة «كوفيد 19» في الإمارات؟ وهل قطاع الشركات متعاون في هذا المجال؟

علينا أن نفرّق بين الواقع والدعاية فهناك الكثير من الأمور الجيدة التي يمكن أن تجلبها التكنولوجيا، وهناك الكثير من الدعاية في ما يتعلق بالتكنولوجيا التي يستخدمها الناس لناحية عملها على تغيير حياتنا أو المساهمة في التصدي للوباء، والتحدي الكامن في التكنولوجيا هو تحدي البيانات التاريخية التي إن كانت بحوزتك فستمكنك من توظيف الذكاء الاصطناعي للقيام بالكثير من الأمور.

ولكن إن لم تفعل فأنت أمام تحدي ابتكار الخوارزميات والتوصل إلى نتائج. وعلى الجانب الآخر المتعلق بجدوى التكنولوجيا في مواجهة الأوبئة فإني أعتقد أنها تصلح للتعقب والفحوص، وأما الشفاء والعلاج فلا أعتقد أنهما يتمتعان بالفعالية حتى الآن، ولكن سيكون هناك الكثير من الاستثمار في مجال استخدام الذكاء الاصطناعي لفك شيفرة «كوفيد 19».

مقاربات دولية

وكيف ترى تجارب الدول في ذلك؟

هناك الكثير من المقاربات في ما يخص الذكاء الاصطناعي حيث تقوم المقاربة الصينية على اعتماد أن الحياة برمتها تستند للذكاء الاصطناعي، وهم استثمروا بشكل هائل لوضع البنى التحتية لذلك، وأما في بقية البلدان كالولايات المتحدة أو أوروبا فإن هناك تحدٍّ في تطبيق المقاربة الصينية نظراً لغياب البنى التحتية ويمكن أن يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات للمراقبة والتحليل فقط بما يتضمن ذلك من اختلالات.

قصور البيانات

ما أنماط التكنولوجيا التي لا ترقى للوفاء بدورها في مواجهة مثل هذه التحديات؟

لم ترقَ كل التقنيات الحديثة لأن تفي بوعود تقول إنها ستكون لمصلحة البشر، ولا تزال هناك الكثير من التحديات في ما يتعلق بقصور البيانات، وأما في ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي تحديداً فأرى أنه في غضون 5 إلى 10 سنوات سنتمكن من التوصل إلى خوارزمية معتمدة وتصديرها إلى كل العالم، ولا يجب أن ننظر إلى التكنولوجيا أنها الأداة التي ستخلّصنا من الوباء، وربما ستصبح كذلك إذا جعلناها تمنع حدوث الأوبئة.

وأعتقد أن الاستثمارات التي ستذهب إلى قطاع التكنولوجيا الإحيائية بسبب «كورونا» ستكون ضخمة جداً، لأنه كما رأينا اليوم فإن القطاع الصحي يفوق القطاعين الاقتصادي والسياسي أهميةً.

قوانين التكنولوجيا

ما الذي يقلقك في قطاع التكنولوجيا؟

التكنولوجيا الإحيائية لا تحكمها قوانين كافية وسنصل إلى مرحلة يمكن فيها لأي شخص تصنيع وباء داخل مرآبه ونشره ولا أريد الخوض في مجال نظريات المؤامرة التي لا تستند هنا إلى أدلة علمية كافية.

ولكن إذا كنا تعلمنا شيئاً من «كوفيد 19» فهو ضرورة الاستثمار بقوة في وضع قوانين تحكم التكنولوجيا الحيوية لأن ما رأيناه اليوم عينة بسيطة لأنه إذا كان يمكن التعديل على تلك الفيروسات وجعلها أكثر أو أقل فتكاً فهناك تحدٍّ كبير بانتظارنا لا يجعلنا نعمل على التباعد الجسدي وحسب بل يشكل خوفاً على حياتنا ككل، وعلينا أن نطلق تحالفاً دولياً يحرص على ألا تهدد تلك الفيروسات حياتنا.

استثمار في البحوث

كيف ترى هذا التحالف الدولي؟ وهل نحن بحاجة للذكاء الاصطناعي والبيانات لإنشاء نظام مناعي عالمي يرصد الأمراض ويسلسلها وينشرها؟

كان يجب تأسيس هذا التحالف منذ 10 سنوات لتحديد الأمراض، ويمكننا استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي وأدوات الاستشعار الحيوي لرصد الأوبئة وتحديد ما إذا كانت حديثة أو وجدت أصلاً.

ويلوح في الأفق كذلك مع تغير المناخ وذوبان الجليد ظهور فيروسات كانت دفينة وعادت للظهور بحيث لا يمكن لأي دول أن تقول أنا منيعة، ومن هنا لا بد من الاستثمار بشكل أكبر في مجال البحوث والتطوير والبحث عن عقاقير وأدوية للفيروسات قبل أن تتحول إلى وباء، ولا بدّ من اتفاقيات بين الدول كما اتفاقيات السلام والمناخ.

الحلول بالإقناع

كيف توازن بين الهدف في بناء تحالف مسؤول مع دول لا تسعى خلف الهدف نفسه؟

لن نتمكن من تخطي المشكلة إذا قمنا بعزل الطرف الذي لا يشاركنا الرأي، وأنا على يقين بأهمية الحوار حتى مع الذين يخالفوننا الرأي والتوصل إلى حل بالإقناع، فكما نرى اليوم أن الذكاء الاصطناعي الذي يتم تطويره على سبيل المثال في أميركا يؤثر في الناس في الشرق الأوسط، أو الذي تطوره الصين يترك تأثيراً على أوروبا لأن الساحة الرقمية على اتصال وثيق .

ومن هنا لا بد من الحوار والاستماع لجميع الآراء والتوصل إلى إجماع بشأنها. وأضاف معالي عمر العلماء: «تحرص دولة الإمارات العربية المتحدة على إقامة الحوار مع جميع الأطراف التي تتعامل معها وتسمي الاتفاقيات مع الدول بجسور الذكاء الاصطناعي دلالةً على التواصل إيماناً منها بأنها بذلك تعطي وتأخذ أفضل الممارسات في مجال الذكاء الاصطناعي والتوصل إلى حلول تلبي توقعات الجميع».

ما القطاعات التي ستشهد تغيراً بسبب الوضع الجاري؟

أعتقد أنه إذا أجرينا استطلاعاً وسألنا الناس عن المسؤول عن تغيير الكيان الرقمي، فسيجيبون على الأرجح «كوفيد 19» لأنه أجبر العديد من القطاعات على التحول إلى العصر الرقمي حتى قبل أن تكون على استعداد لذلك، ولطالما عرفنا تاريخياً بالتردد حيال التغيير، ويتعلق الأمر أيضاً بالتعليم الافتراض.

والرعاية الصحية وقطاع البيع بالتجزئة، فلقد جعلنا الفيروس نختبر وجهاً آخر للحياة وهذا ليس بالأمر السيئ عموماً وخاصة في قطاع التعليم الذي انعكس انتشار الفيروس عليه إيجاباً، وقطاع الرعاية الصحية حيث ساهم «كورونا» في تغيير نمط الاستثمار فيه.

وقت مثالي للتحالف

كيف نؤمن قيمة أفضل وعالم أكثر قوة ومرونة بعد «كوفيد 19»؟

يحتاج العالم إلى كيان أو منتدى يتم من خلاله وصل وجهات النظر، فكما تعلمون شهدنا ما آلت إليه الحرب التجارية وسيادة الحزبية في العالم بمنطق إما أن تكون معي أو أن تكون ضدي، بالتزامن مع حلول فيروس «كورونا» الذي أثبت أنه قادر على هزيمة دول كبرى وأجبرنا على أن ننسى كل ما يتعلق بالحرب التجارية أو التفكير فيها.

وذلك أن تداعيات «كوفيد 19» الاقتصادية تتخطى كل ما يمكن أن يحصل لدولة، ولذا أظن أنه الوقت الأمثل لنشوء مثل تلك الهيئة أو الكيان الذي يعمل على سدّ الثغرات وبناء الجسور ووضع حلول لما فيه الخير العام.

ولا بدّ من أن نعمل على ألا نعود لما نعيشه اليوم ليس من المنظور الوبائي بل من زوايا أخرى والتنبه لما يمكن أن يحدث من مخاطر في المستقبل والتوجه بالتوصيات للحكومات مع إقامة حوار دائم ومجموعات عمل تحرص على تقيّد الحكومات بمبدأ ضرورة العمل سوياً.

وزير الدولة للذكاء الاصطناعي:

› قيادتنا جهّزت الإمارات للمستقبل ومساعدة العالم

› الإمارات تستهدف أن تكون مجمعاً علمياً عالمياً يجمع الشرق والغرب

› التخطيط المسبق أسهم في التعاطي مع «كورونا» بسلاسة وانضباط

› العالم يحتاج لتحالف يمنع تهديد الفيروسات

› نوظف الذكاء الاصطناعي بشكل إيجابي بما يعود بالخير حالياً ومستقبلاً

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات