أكد طيب الريس الأمين العام لمؤسسة الأوقاف وشؤون القصر في دبي أن قيمة الأوقاف الإسلامية تتجاوز مئات مليارات الدولارات التي يتم التبرع بها إمّا نقداً أو على شكل أصول منوعة لأغراض خيرية، وأنه لو تم استخدامها وتوظيفها بالشكل الإداري والاستثماري الأمثل فإنها ستمثل طوق نجاة للعديد من حكومات الدول الإسلامية، مشيراً إلى أن إعادة بناء الاقتصاد العالمي يجب أن تتم على أسس إنسانية وعلى توازن بين الأهداف الاقتصادية والاحتياجات الاجتماعية.
ورأى الريس أن الأوقاف في العالم الإسلامي جردت من مكانتها الحقيقية، وجرى اقتصارها على بناء المساجد، داعياً إلى وضعها في مكانها الصحيح ضمن منظومة الاقتصاد الإسلامي بوصفها إحدى أدوات التنمية وتمويلها.
وأوضح في حوار مع «البيان» أن ثمة تحديات جمة تتمثل بنشر الوعي لدى المجتمعات الإسلامية بأهمية الأوقاف، كعامل داعم للتنمية المستدامة بشقيها البشري والاقتصادي، وهذا الأمر يمثل أبرز التحديات التي تواجه الأوقاف اليوم لتساهم بشكل فاعل في المنظومة الاقتصادية، مشيراً إلى مؤسسة الأوقاف وشؤون القصر تعتبر أول جهة وقفية حكومية على مستوى العالم العربي تنشئ وحدة استثمارية بالتعاون مع مؤسسة مصرفية، تحت اسم «نور أوقاف» بالتعاون مع نور بنك.
وتالياً نص الحوار
متى نشأت مؤسسة الأوقاف وشؤون القصر وما الغاية منها؟
كان ميلاد مؤسسة الأوقاف وشؤون القُصّر بإصدار القانون رقم 6 لسنة 2004 في عهد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، ومع توسع المؤسسة في أعمالها ومهامها أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، القانون رقم 9 لسنة 2007 بشأن تنظيم أعمال المؤسسة، بما يكفل توفير المناخ الصالح لتحقيق المزيد من الإنجازات في تنمية أموال الوقف والقصر، ورعايتهما وفق خطة هادفة مدروسة، ورؤية واعية ثاقبة.
وينبع الهدف الرئيسي لإنشاء المؤسسة من حرص حكومة دبي على احتضان القاصرين والعناية بأموالهم واستثمارها ورعايتهم اجتماعياً، وتأهيلهم وتمكينهم، وأن تكون المؤسسة نموذجاً عالمياً يحتذى به في تنمية الوقف وتأهيل القُصّر، وفي سبيل تحقيق أهدافها الاستراتيجية فإن المؤسسة تحرص على احتضان الكفاءات، وتوفير بيئة تزخر بالإبداع والتفوق والعمل الجماعي للارتقاء بمستوى التعاملات اليومية، وتأصيل مصداقيتها في عقول وقلوب المتعاملين معها.
ما دور المؤسسة في مبادرة دبي كعاصمة للاقتصاد الإسلامي؟
عند إطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، استراتيجية الإمارة لتطوير منظومة الاقتصاد الإسلامي وإعلان سموه لمبادرة دبي كعاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي، برز دور المؤسسة كأحد الداعمين لها، وتم منح رئيس مجلس إدارة المؤسسة حسين القمزي عضوية في اللجنة العليا لتطوير قطاع الاقتصاد الإسلامي والتي حل محلها لاحقاً مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي.
وتشرف المؤسسة وبشكل مباشر على مبادرة برنامج سلمى للإغاثة الغذائية، وهي إحدى المبادرات التي اعتمدها سموه في إطار الخطة لتحويل دبي إلى عاصمة للاقتصاد الإسلامي.
هل تعطينا تفاصيل أكثر حول برنامج سلمى؟
ديننا الإسلامي دين خير وعطاء ورحمة ولأن الدولة تترجم ثقافتها وتراثها الأصيل عبر المبادرات النوعية في إطار انتمائها الإنساني العابر للحدود فمن هنا تم إطلاق برنامج سلمى، الذي يوفر وجبات غذائية للمتضررين من الكوارث والحروب من كل لون وعرق ودين دون تمييز، وهذا ما يجعله برنامجاً عالمياً متميزاً يحظى باحترام وتقدير مختلف المنظمات الحكومية وغير الحكومية على مستوى العالم.
وبني برنامج سلمى على قاعدة الاستدامة الوقفية، أي أنه سيتم تمويله في مرحلته الأولى عبر الحكومة والناس، وتالياً سيعتمد على مصادر دخل ثابتة من أرباح الأوقاف التي سترصد له. وهو مشروع اقتصادي متكامل يدعم الدول المزودة باللحوم اقتصادياً، ويدعم الأيدي العاملة في عملية التغليف في الدول المتعاقدة معنا، ومن ثم يدعم القائمين على التوزيع وهكذا، وبالتالي فإنه مشروع اقتصادي متكامل ومرجعيته إسلامية في مسألة اعتماده لمعايير الأغذية الحلال وفي ذات الوقت معايير الوقف، وهو يخدم توجهات دبي كعاصمة للاقتصاد الإسلامي. وقد نجح البرنامج في حصد مجموعة من الجوائز على رأسها جائزة الاقتصاد الإسلامي عن فئة الأغذية الحلال، ومؤخراً حصد 3 جوائز رفيعة في حفل الدورة الخامسة لتوزيع جوائز CMO لأفضل ممارسات المسؤولية الاجتماعية للشركات في آسيا وأهمها كانت فئة الابتكار في ممارسات المسؤولية الاجتماعية للشركات، ليؤكد مستوى الرقي في المنتج.
ثقافة الوقف
كيف تصفون منظومة الأوقاف اليوم؟
أعتقد بأن الأوقاف في العالم الإسلامي جردت من مكانتها الحقيقية، وتم اقتصارها على بناء المساجد، ونرى ضرورة أن توضع في مكانها الصحيح ضمن منظومة الاقتصاد الإسلامي بوصفها إحدى أدوات التنمية وتمويلها، ثم إن آليات العملية الاقتصادية القديمة، بفكرها وروحها وعدالتها والتزامها بشروط التنمية الشاملة تطورت من خلال مساهمات الوقف الإسلامي في الارتقاء بالمجتمعات الإسلامية القديمة في مراحل عديدة من التاريخ الإسلامي. وتجلى هذا التطور، في الانتقال من رعاية الفئات الاجتماعية المحتاجة، إلى تحقيق أسس التمكين الاجتماعي.
وكون أن الأوقاف لا تقتصر على بناء المساجد ودور العبادة فإن كافة المشاريع الوقفية كوقف التعليم ووقف الصحة وسواهما تصب في خدمة أهداف التنمية المستدامة بشقيها الاقتصادي والبشري.
وعلى سبيل المثال أنشأت المؤسسة «قرية العائلة» وهو أول مشروع قرية أيتام مبني على القاعدة الوقفية المستدامة، وتم تمويله من قبل الناس، ولكنه يدار حالياً ويمول نفسه بنفسه، عبر مجموعة من المشاريع الفرعية التي بنيت لأجل دعمه مالياً دون الحاجة لأية نفقات حكومية، وكما يندرج المشروع بحد ذاته يندرج في إطار التنمية البشرية نظراً لأنه يعمل على تأهيل الأطفال وتمكينهم على المستوى الشخصي والعلمي لاتخاذ أدوارهم مستقبلاً في خدمة الدولة.
تحديات
ما التحديات التي تواجه الأوقاف اليوم لتساهم بشكل فاعل في المنظومة الاقتصادية ؟
أعتقد بأن هناك مجموعة من التحديات ومنها كيفية نشر الوعي لدى المجتمعات الإسلامية بأهمية الأوقاف، كعامل داعم للتنمية المستدامة، وتحد آخر هو آلية التركيز على الفئات ذات الحاجة للتمويل عبر مصارف الأوقاف المختلفة، لتحسين ظروف حياتهم، وتحد ثالث نعده أكبر التحديات وهو غياب الإدارة المحترفة لأصول الأوقاف.
وماذا فعلت المؤسسة لمواجهة هذه التحديات؟
المؤسسة تدار بعقلية متقدمة وخطط متطورة، مثال على ذلك، نحن أول جهة وقفية حكومية على مستوى العالم العربي تقوم بإنشاء وحدة استثمارية بالتعاون مع مؤسسة مصرفية، حيث أسسنا «نور أوقاف» بالتعاون مع نور بنك، فالاستعانة بخدمات وخبرات مؤسسة مصرفية مرموقة سيمنحنا كجهة حكومية عقلية القطاع الخاص في خدمة المجتمع.
وعلى صعيد نشر الثقافة الوقفية عملنا على مدار السنوات الأربع الماضية على محاربة الصورة الذهنية للوقف واختصاره على أنه بناء مسجد، فالمدرسة يمكن أن تكون وقفاً، والمستشفى كذلك، والمشروع الاستثماري بغض النظر عن طبيعة النشاط الاقتصادي يمكن أن يكون وقفاً كذلك.
وأود التأكيد هنا على أننا لا ندعو إلى الابتعاد عن التبرع بالأموال لبناء المساجد وتحويلها لتشييد المدارس ودور الأيتام والمستشفيات، بل نؤكد ضرورة أن يتم وضع الأموال بحسب المتطلبات الاجتماعية، وأن يلعب الوقف دوره الحقيقي في عملية التنمية المستدامة، من خلال استثمارات متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية تأخذ في الاعتبار احتياجات الناس وتعمل على تمكينها بمقومات اقتصادية واجتماعية تحقق من خلال استقرارها وأمنها ومستقبلها لأجيال وسنوات مقبلة.
كيف يمكن للوقف بشكل خاص وللاقتصاد الإسلامي بشكل عام أن يسهما في حل الأزمات المالية من جذورها؟
من المعلوم بأنه لا توجد أرقام دقيقة لقيمة الأصول الوقفية حول العالم، لكن من المتوقع أن تتجاوز قيمة الأوقاف الإسلامية اليوم مئات مليارات الدولارات التي تم التبرع بها إمّا نقداً أو على شكل أصول منوعة لأغراض خيرية، ولو تم استخدامها وتوظيفها بالشكل الإداري والاستثماري الأمثل فإنها ستمثل طوق نجاة للعديد من حكومات الدول الإسلامية، فالوقف في هذه البلدان قادر على إحداث تغيير جذري في واقعها الاقتصادي والاجتماعي، من خلال البدء برصد الفرص الاستثمارية التي تتفق مع إمكانات كل دولة بحد عينها، وعلى احتياجات سوقها الخاص، ومن ثم البدء بتشكيل صناديق استثمارية وإصدار سندات تمثل شراكة معلومة في المشاريع المستهدفة وطرحها للبيع لتمويل المشاريع على غرار السندات التي أصدرتها الحكومة المصرية لتمويل قناة السويس، ولكن يجب أن يتزامن هذا النشاط مع بناء المعاهد ومراكز التدريب لتأهيل القوى البشرية وتمكينها من القيام بدورها.
تمكين الوقف
تحدث طيب الريس الأمين العام لمؤسسة الأوقاف وشؤون القصر عن آلية تمكين الأوقاف في البلدان الإسلامية من أداء مهامها، حيث قال «أعتقد بأنه يجب أن يتم بالتنسيق بين الحكومات وشركات القطاعين العام والخاص، وبشكل أكثر كثافة مع البنوك الإسلامية المحلية والخارجية، فالدول الإسلامية تملك طاقات إنتاجية ضخمة غير مستغلة، إضافة إلى صلاحية أراضيها للزراعة وإقامة المصانع، ومن الممكن استغلال المقومات بناء على القاعدة الوقفية المستدامة».

