يبحر بخبرة خمسة عشرة عاماً في مراكز وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع من مدينة دبا إلى مسافي ثم الفجيرة، وانتداباً لإمارة عجمان، ليستقر به الحال في مدينة الفجيرة مجدداً، وبمساهمات ثقافية متعددة ومشاركات عالمية متنوعة. إنه سلطان محمد مليح، مدير مركز وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في الفجيرة.
واثق الخطى، أيقن منذ تسلمه المهمة أنه أمام تحدٍّ كبير هو عصر السرعة والمعلومة المختصرة والمضغوطة والمكثفة، وأمام عصر الرؤية بكل تشعباتها من وسائل تواصل اجتماعي وتلفزيون وإنترنت وغيرهما، فوضع كل تلك الاعتبارات أساساً لعمله لمواكبة الفرد المواطن أولاً بأول، بتقديم ما يواكب العصر من دون التخلي عن التراث والهوية الوطنية، عمل على التقيد بها ضمن أطر دقيقة ومتكيفة مع التحولات المستمرة.
يعد سلطان مليح «مهندس الثقافة» في الفجيرة وسفيرها وأحد روادها، فقد تنقل تباعاً بين رئاسة المراكز الثقافية فيها. بدأ مشواره الثقافي في دبا الفجيرة، ثم تولى رئاسة مركز مسافي الثقافي، ليصل إلى مدير مركز وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في الفجيرة في عام 2009.
ثقافي بالفطرة
تفوق سلطان محمد منذ صغره في الدراسة في كل مراحلها، وقال: «في حياتي الدراسية كنت ولله الحمد متفوقاً في المراحل المختلفة، وكنت في بعض السنوات الأول على الفصل وأحياناً الثاني، وكنت أحب القراءة وأدرس ذاتياً، أي لا أحتاج إلى مكافأة لتدفعني نحو التفوق أو جهد كبير من الوالدين رغم توجيههما لي بلا شك. القسم الأدبي بالنسبة لي كان اختياراً طبيعياً، وذلك لميولي الدراسية ولتطلعي أن أدرس في مجال أدبي برفقة أصدقائي المقربين، وهذا ما حصل فعلا.
فقد كنت أحب الإنجاز من الصغر والتركيز على أولوياتي بشكل كبير، وهذا ما أكسبني القدرة على التفوق ومهارات النجاح». فهو يعيد إلى والدته الفضل في بناء شخصيته، فقد كانت ملهمته، ودفعته، رحمها الله، نحو التميز، وكذلك فعل والده؛ فأشقاؤه جميعهم يعملون وعدد منهم يشغل مناصب قيادية.
هواية وحلم
وعن هواياته يقول سلطان محمد: كوني ابن بحر فأنا أعشق السمك وأهوى السباحة والمشي، ولذتي الكبيرة في التأمل واستشراف المستقبل. ورغم ذلك هو يتوجس بأن يسرق الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وقت الكتابة والمعرفة، ويسرق الأطفال من تنمية ذواتهم الثقافية والفكرية. كما يتمنى أن تعطي الصحافة الإماراتية ووسائل الإعلام المختلفة اهتماماً أكبر بالمستوى المنشور ثقافياً على صفحاتها؛ لأن الصحيفة في نظره قائدة رأي لقرائها، وبالتالي المسؤولية مطلوبة تجاه القراء بالمعلومة الدقيقة والصحيحة لتنمي في قرائها الوعي والمعرفة.
مبادئ الإدارة
لا يتهيب من خوض غمار التغيير، ويطمح لتعميم مصطلح التجارة الثقافية؛ لأن تنشيط الحركة الثقافية من وجهة نظره بحاجة إلى جوانب عديدة ينبغي أن يعيها الجميع، وعلى رأسها التسلح بالمعرفة وامتلاك مهارات البحث عن الجديد ومجاراة المفيد والفريد، فالمثقف الحقيقي هو أشد الحريصين على رفعة المجتمع وتطوره، إضافة إلى أن التجارة في الثقافة مستمرة وغيرها لا مكان لها دون وجودها في حياته.
كما أنه يؤمن بالعمل الجماعي وروح الفريق الواحد، فقد أرسى خلال إدارته مبدأ «الكفاءة والتميز هي الطريق الوحيد للتعيين في أي منصب قيادي»، وكذلك يؤمن بكينونة المرأة، حيث تمثل مشاركة المرأة الإماراتية في تنمية بلدها وخدمة مواطنيها دعماً كبيراً لتوجه دولة الإمارات نحو تعزيز حقوق المرأة وإفساح المجال أمامها لتضطلع بدورها في المجتمع وإتاحة الفرص التي تستطيع من خلالها المساهمة الإيجابية في التنمية الشاملة.
مشكلات ومعوقات
وعن المشكلات والتحديات، قال: واجهت مشكلات وعقبات عديدة، إلا أني استطعت تذليلها مثل: تشكيل فرق عمل مختلفة لإقامة العديد من المشاريع الثقافية وتنظيم أسابيع ثقافية ومعارض متنوعة وغيرها من المبادرات المجتمعية وبالشراكة مع عدد من الجهات الداعمة. حيث عملنا طوال الفترة الماضية على تلافي العديد من المعوقات التي أثرت في نشاط الحركة الثقافية بالإمارة، ولانزال نحاول قدر المستطاع إيجاد منافذ في تلافي جزء منها، والعمل متواصل على القضايا الأخرى، التي يأتي في أهمها تحقيق نسبة عالية من معدل رواد المركز والوصول لأوسع شريحة ممكنة، حيث إنها تحتاج إلى نفس طويل وجهد دؤوب للوصول إلى المبتغى المرجو منها.
مؤكدا على الإجراءات المتواصلة للاهتمام بالبنية الأساسية الثقافية البعيدة عن التقليدية، وعلى العمل الجماعي مع الجهات والمؤسسات المعنية بالعملية الثقافية في الدولة؛ لأن هذه المؤسسات والهيئات لها دور كبير على الساحة الثقافية، وتعتبر داعماً كبيراً للوزارة لإنجاز دورها ورسالتها في المجتمع. مؤكداً أن الموازنة بين هذه الأمور كانت تمثل تحدياً كبيراً نوعاً ما، ولكنه اكتسب منها القدرة على إدارة الأولويات والنجاح في الأدوار الشخصية المختلفة.
المكتبة الوطنية
كما أن للمكتبة الموجودة في مراكز وزارة الثقافة والشباب حصة بالغة الأهمية عند مليح، الذي يعمل على أن تضطلع بأهدافها من دعم نشاطات التعليم والبحث العلمي وتجميع وتوثيق التراث وحفظه، وتكوين مجموعات أجنبية التي تهم الإمارات ومنطقة الخليج والدول العربية والإسلامية، والإشراف على نظام الإبداع، والارتقاء بمستوى أداء العناصر الوطنية العاملة في قطاع المكتبات، وتمثيل الإمارات لدى الهيئات والمجالس العلمية والجامعات والمعارض الدولية. وتحقيقاً لذلك عمل على خلق برامج جاذبة من شأنها رفع مستوى الوعي بأهمية القراءة وتقديمها بشكل جاذب لجميع فئات المجتمع.
سيرة حافلة
ويؤكد مليح الأب والأخ والزوج والإنسان، أن يده ممدودة لكل فكرة أو مشروع ثقافي يحمل في طياته خدمة ثقافية للإمارات؛ فالشؤون والشجون الثقافية والفنية تشغل حيزاً بارزاً من اهتماماته. إذ تساءل مرات عدة قائلاً: ما المانع من تحديد جزء من المساحة في حياة الأفراد لتنمية جوانب ثقافية. ويرى مليح أن عمله في الخدمة المجتمعية عملاً توعوياً يسهم في نهوض الوطن والرقي فيه عالياً، ليكون كما أرادته القيادة الرشيدة في المقدمة، حاصلاً على الرقم واحد الذي لا بديل عنه. ي
حرص على تنشئة أولاده على القيم والعادات والتقاليد الإماراتية، ويحافظ على هويتهم الوطنية في كل تفاصيلها، ويعلمهم احترام الآخرين ومحبة العلم والمعرفة، والاجتهاد في تحصيلهما. وفي ختام حديثه، قال: أنا دائماً أقول إنني لاأزال أتعلم وأتدرب، والمناصب تأتي بالعمل الجاد وبتحقيق النتائج الإيجابية، فالتمسك بالأصول والثقافة من أسس النجاح.
أرقام قياسية
شغل منذ تخرجه في كليات التقنية العليا بالعين، وظيفة أمين مكتبة في وزارة الثقافة. لديه عضوية في العديد من المؤسسات واللجان الثقافية والمجتمعية داخل الدولة وخارجها.
نال العديد من الجوائز والهدايا التقديرية ضمن نخبة القائمين على تطوير القطاع الثقافي والمجتمعي في الدولة وبإمارة الفجيرة بشكل خاص، ومن أهمها وسام الخدمة المجتمعية من الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، في يوليو الماضي 2015، والذي كان له الأثر البالغ في تحفيز المبادرة والابتكار في العمل المجتمعي.
دخلت مبادراته في تنظيم أطول علم بالسيارات في اليوم الوطني للإمارات في 2009 موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية العالمية، ثم حقق أيضا رقمين قياسيين بعدها ليشارك بذلك في تحطيم ثلاثة أرقام قياسية عالمية.
فعاليات
كما نسق أيضا فعاليات ثقافية اجتماعية مختلفة بمبادرات مجتمعية مع مؤسسات عالمية كـ(اليونسكو واليونيسيف والايسيسكو). هذا وقد شارك وترأس وفوداً ثقافية داخل الدولة وخارجها بصورة مشرفة ليكون سفيرا للهوية والثقافة الإماراتية. يؤكد مليح بأن التجارة الثقافية والتسويق لها من أهم الأعمال التجارية والمهمة في العصر الحديث في ظل التحول الذكي والإلكتروني، فهو إلى جانب ذلك يفتخر بأحلامه التي حققها وجلها في الثقافة.
ساهم مليح في تقديم أبحاث علمية وتراثية وأشرف على إصدار كتب ثقافية لكتاب جدد. حيث ضم إنجازات المراكز الثقافية بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع خلال 15 عاماً. كما شارك في عدد من المعارض والمؤتمرات الدولية الخاصة بالثقافة، وأعطى من خبرته الكثير في هذا المجال.
انتسب إلى عدد من الدورات الفنية والتدريبية والقيادية. وشارك في الكثير من اللجان والجوائز على مستوى الدولة، فهو عضو في أكثر من خمس عشرة لجنة ثقافية تراثية مجتمعية أثبت تميزه فيها بجدارة.
مصدر الثقافة
الفجيرة عنده أحد المراكز الثقافية التي نشأت خلال السنوات الثلاثين الماضية، فهي تعمل عبر مؤسساتها الثقافية من أجل دعم الثقافة الوطنية والمحلية، وتحولت لمصدر إنتاج لما تملكه من إمكانات في الفنون الفنية المختلفة كالتصوير، والمسرح المدرسي والطباعة، والتأليف والكتابة والنشر.
في حين أن وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في نظره مؤسسة إماراتية عريقة ومهمة، تمتلك المتطلبات والإمكانات الثقافية والإدارية والمالية لرفعة العمل الثقافي وتعزيز الهوية الوطنية الإماراتية.

