المعرفة مفهوم شامل يحاول المنتدى الذي تنظمه مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم سبر أغواره من خلال النقاشات المعمّقة. المعرفة سلسلة من الحلقات المتصلة، وهي تدخل في سباق مع الزمن في عالم متغير يمتطي جناح السرعة والتطور العاصف في مجال الاتصال ونقل المعلومة. على هامش المنتدى التقينا د.حسن البيلاوي الأمين العام للمجلس العربي للطفولة والتنمية، وكان هذا الحوار:
النظرية والتطبيق
* هناك قاسم مشترك بين المؤتمرات والفعاليات الثقافية والمعرفية عموماً في الساحة العربية، وهو أنها تبدأ وتنتهي بفعالياتها، ولا تجد ترجماتها العملية. هل من مشكلة في العلاقة بين القول والفعل، أو النظرية والتطبيق؟
إلى حد كبير كلامك صحيح، لكن عملية الانتهاء إلى تطبيق ليست مشكلة الباحث والعالم، لكنها مشكلة صاحب القرار، عندما يكون قراره مبنياً على العلم والفكر ومستنداً إلى التشوف للمستقبل. هذا يحتاج إلى البحث العلمي.
البلاد المتقدمة كلّها قائمة على بناء مؤسسات صنع القرار. الحكومة لا تصنع القرار في بلد مثل أميركا، من يصنع القرار هي مراكز البحث، والحكومة تدرس منتجات مراكز الأبحاث وترسم خططتها بناء على هذه الدراسة. فمعهد الشرق الأوسط هو الذي صنع السياسات الأميركية بالفترة الماضية. فالمسألة هي هل نحن نعتمد على رؤية وتحقيق مستقبلي أم تجرّنا المشكلات اليومية. إدارة الدولة مثل إدارة المؤسسة أو أية إدارة أخرى. إذا كان المدير يضيّع وقته في المشكلات اليومية فلن يجد الوقت للتفكير بالمستقبل وهذه أسوأ نواع الإدارة.
الإدارة الجيدة هي التي تستهلك 20% فقط من الوقت للأعمال اليومية وتعطي 80% للمستقبل وهذا الوقت يحتاج للبحث العلمي والعلماء ولوجهات النظر المختلفة والمتباينة لكي تستطيع أن تخرج بنتائج. أما الانشغال في المشكلات اليومية وإطفاء الحرائق فهذا معناه ضياع المستقبل.
التشخيص والعلاج
* هذا يأتي في إطار التشخيص المعتاد. كيف ترى الوسائل العملية للخروج من وضعية التشخيص إلى مرحلة العلاج. وإذا كانت المشكلة العربية في صناعة القرار، متى نصنع صانع القرار القادر على تحويل الرؤى إلى نتائج؟
معظم مشكلاتنا العربية تكمن في غياب الكوادر القيادية وتربية القيادات في المدارس، الجامعات، في مراكز البحث، في المؤسسات الوطنية، في مؤسسات الإنتاج، في مؤسسات الدولة والحكومة. مسالة القيادة مهمة جداً، كيف نعد القائد، وما هو نوع المعرفة الذي يحتاجه القائد. نحن ليس لدينا الكثير من هذه النوعية من القيادات، ربما لأسباب تاريخية كثيرة، ولهذا يجب على الجامعات ان تنهض بهذه المسؤولية وهي إعداد الكوادر القادرة على القيادة في مجتمع متغيراته متسارعة سواء في العلم او التكنولوجيا أو السكان أو غيرها.
وللأسف نحن ندخل عالما اخر لسنا من صنّاعه، وحضارة لسنا من صنّاعها. نحن مستهلكون ولا نصنع فهذه الاجهزة التي تستعملها في التسجيل نحن لا نصنعها ولا نسهم في صنعها، وإذا استمرينا على هذا الحال فربما نخرج من التاريخ. نحن لدينا الكثير من الامكانات، فإذا استطعنا أن نحوّل هذه الثروة الشبابية من نقمة نعيشها إلى ثروة فإننا نحقق النجاح. لدينا ثروة بشرية هائلة. المعرفة حالياً سهلة جداً، وأنت تجلس الآن تستطيع بجهاز صغير أن تجلب المعرفة إليك. المعرفة أصبحت الآن مثل التيار الضوئي الذي لا يستطيع أحد أن يحد من تأثيره.
مهما حاولت القوى الأجنبية التي صنعت هذه التكنولوجيا أن تصنع حواجز لمنع وصول التكنولوجيا إلى العالم الثالث فلن تستطيع. المعرفة باتت متاحة ونحن نستطيع امتلاكها، والقدرة على التعامل مع المعرفة أصبحت حالياً أفضل مما كانت عليه سابقاً وذلك بسبب التكنولوجيا. لدينا إمكانات تاريخية عالية جدا للخروج من هذه الأزمة. الثروة العربية كبيرة وإمكاناتنا اكبر من واقع التنمية الذي نعيشه.
مصنع القيادات
* لنتوقف عند المشكلة القيادية، هل للأمر علاقة بحالة تاريخية تعودنا فيها أن يكون مصنع القيادات هو اما الجيش او الاحزاب السياسية؟
مجتمعنا العربي نشأ مع التحديث وهو مجتمع ينهض، فإذا قارناه بالقرن الماضي نجد أن الأمة العربية تقدمت كثيراً وهي في حالة نهضة، وكانت الجيوش دائماً في مقدمة هذه النهضة والتحديث في العالم العربي، وكانت هي دائماً تصنع التقدم بحكم التكنولوجيا والتنظيم والانضباط والنظم وهذه مدرسة أخرى لا تقل عن الجامعات وبالتالي يجب أن يستمر العالم العربي في تفاعلاته حتى ينتج واقعه الجديد.
لكن هذا الدور للجيوش مرحلة مرت بها دول أوروبية وخرجت منها
الجيوش المتقدمة في الدول العربية هي التي تحمي الحداثة وهذه حقيقة تاريخية وسوسيولوجية لا نستطيع ان ننكرها أو نلغيها، ففي مصر على سبيل المثال الجيش هو المنطقة التي تتقدم فيها مصر حالياً، ولولا الجيش المصري لما صمدت الجامعات ولا صمدت الأحزاب.
* هل ترى ان هذا هو سبب المؤامرة والاستهداف الذي يتعرض له الجيش المصري. وفي الوقت الجاري دخلت مفاهيم جديدة مثل الديمقراطية والتعددية وليس بالضرورة ان يكون القائد مفروزاً من الجيش، أليس كذلك؟
طبعاً ففي مصر إما الجيش أو المنظمات الظلامية التي أخذت فرصتها في العمل تحت الارض بإنتاج فكرها الظلامي، الجيش كان دائماً هو قوة الحداثة وهو مدرسة بحد ذاتها.
الحراك الشعبي يغير شكل المجتمع عموماً لكننا نريد حراكاً طليقاً مبنياً على العلم والمعرفة والتفكير والمستند إلى ثورة ثقافية. نحن مشكلتنا في العالم العربي ثقافية. طه حسين كتب عام 1930 كتاباً قال فيه إن العقل الاوروبي قائم على التنمية والعثلانية والانضباط التنظيمي وتساءل عندما أبحث عن العقل المصري لا أجد وصفاً.
* أنت تقول إن المعرفة سهلة لكن أليست هناك خطورة في السهولة، فالسرعة في التكنولوجيا والمعرفة جاءت على حساب اعمال العقل، كان الباحث سابقاً يسافر بعيداً ويجول على مكتبات العالم لإعداد دراسة ما وهذا يرسخ البحث ويدرب العقل بدلاً من الحصول السريع على المعلومة، ألا تتفق؟
ليس بالضرورة، توماس فريدمان له كتاب اسمه العالم أصبح مفتوحاً وقامت مؤسسة محمد بن راشد مشكورة بترجمته ويقول فيه إن رئيس اتحاد الجامعات الأميركية استضافه لشرح تجربة ناجحة في التشريح. ويضيف أنه استدعى عبر الانترنت تسجيلاً مصوراً عن العملية. ويعلّق فريدمان أن العلم لم يعد مختبئاً ولم يعد رئيس الجامعة مضطراً للذهاب إلى الجامعة بل أصبح بالإمكان استدعاء العلم إلى جهاز صغير.
الإعلام
* العقل العربي في التعاطي مع الاعلام متلقي من دون تفكير أو تمحيص فالموجة الإعلامية هي التي تصنع الرأي العام على نحو أكثر حالياً. أليس كذلك؟
لا يوجد إجماع حالياً حول قوى الحراك العربي. نحن في عصر الإعلام الفضائي الذي تغيب عن قسم كبير منه المهنية وهذه كارثة والمهنية هي المعرفة والمهارة والاخلاق إذا انهار أي ضلع من هذا المثلث ينهار المثلث كله، وأنا أهيب بالإعلام العربي والمصري أن ينهض وفق هذا المثلث لأن الحرب التي نخوضها حالياً هي حرب إعلامية بالأساس.
* عبر التاريخ كان انتقال المراحل في الأمة العربية تبدأ من مصر في الحالة الإعلامية بكل ما تحتويه مصر من تاريخ وموروث وطاقات، لماذا هي متخلفة إعلامياً؟
نحن الآن لم نعد نعيش في وطن إنما في العالم كله حدث صغير في أي قرية صغيرة تتدخل فيه العولمة بطريقة أو بأخرى وبالتالي فإن ظاهرة تقدم البعض في الإعلام أو تأخره متعلّقة بمدى ارتباطه بالعالم، العالم الذي يريد ان ينظر إلى المنطقة العربية نظرة خاصة به وعلى الدول العربية أن تكون واعية لهذا وأن تملك زمامها وأن تتفاعل مع العالم بما تريد أن تحققه، ولا بد ان تعود وحدة الصف العربي مرة أخرى لأن الخطر يهدد الجميع ولا بد من التعامل مع العالم من موقع قوة من أجل النهضة العربية الشاملة.
إضاءة
د. حسن البيلاوي أستاذ علم اجتماع التربية في جامعة حلون بمصر، وأمين عام المجلس العربي للطفولة والتنمية. حصل على الدكتوراه في علم اجتماع التربية من جامعة بتسبرغ بالولايات المتحدة الأميركية عام 1980. عمل عميداً لكلية التربية بجامعة بنها من 1995 حتى 1999، وكلية التربية بجامعة الإمارات العربية من 1999 حتى 2005، ووكيل أول وزارة التربية والتعليم في مصر (2001-2005)، ومستشاراً وخبيراً في المنظمات الدولية.







