ليس من الخطأ أن يسعى الإنسان ليبدو أجمل شكلا وأصغر عمرا، وليس من العار مكافحة تقدم العمر للمحافظة على النضارة والشباب، ولكن الخطأ يكمن في الانجراف وراء التقليد الأعمى لتغيير الشكل، عن طريق عمليات التجميل التي باتت تستهوي الصغار والكبار من الجنسين للظهور بـ " نيو- لوك" كما يقال ليبدوا أكثر جاذبية و تأثيرا .

وقد وصل حجم سوق التجميل في الدولة وفقا لإحدى الدراسات المتخصصة العام الماضي إلى ما يقرب من 700 مليون دولار ، وفقا للدكتور إبراهيم كلداري أستاذ الأمراض الجلدية في جامعة الإمارات ، وهو رقم كبير يعكس مدى الاهتمام بالمظهر .

حيث إن إقبال الشباب على عمليات التجميل وتحديدا البوتكس والليزر لإزالة الندبات وزراعة الشعر قد يكون ظاهرة جديدة على مجتمعاتنا العربية، و هي آخذة بالازدياد مع ظهور جيل" الإنترنت والفضائيات" ، الذين يتابعون باستمرار آخر التطورات في مجال التجميل ، إضافة للجوء الشركات المصنعة لمستحضرات التجميل إلى إنتاج مستحضرات تجميلية للرجال تحمل نفس المواصفات الخاصة بالنساء لزيادة مبيعاتها، و تحقيق عوائد مالية طائلة بعكس كبار السن الذين يتخوفون من إجراء أي عملية لقلة الوعي الذي لديهم حول الطرق المتبعة و الأجهزة و الأدوات المستخدمة.

حيث تغص مراكز التجميل والأمراض الجلدية بشباب من مختلف الأعمار بعضهم جاء لزراعة الشعر والبعض الآخر للتخلص من آثار حب الشباب أو الندبات بالليزر والبعض الآخر لإجراء الليزر ، وفي الصالة المخصصة للسيدات فتيات في العقد الثالث أو الرابع، الكل ينتظر دوره لإصلاح ما أفسده الدهر، والظهور بمظهر جديد يعرف بين الشباب " نيو _ لوك " ،ولدى سؤالنا بعض الشباب حول ألأسباب التي تدعوهم لإجراء هذا النوع من العمليات، رد جورج على الفور من لبنان : ( ببساطة لأنه يعطي الإنسان ثقة بالنفس، فرؤية الإنسان لذاته تبدأ بثقته بشكله و مظهره، ثم بعقله و تفكيره التي ستسهم في زيادة عطائه وابداعه في المجتمع) ،بهذه الكلمات يصف موقفه من التجميل، و لأنه في منتصف العمر فقد أصبحت زراعة الشعر من الضروريات، خاصة بعد ان فقد الكثير من الشعر، وشجعه على ذلك زوجته وأولاده.

زميله محمود من الأردن يتردد على أحد مراكز التجميل منذ فترة لإجراء عمليات الليزر لإزالة بعض الشامات المزعجة الظاهرة على الوجه والرقبة ، وإجراء أيضا عملية الفلرز للتخلص من التجاعيد البارزة حول الفم بسبب التدخين .، وقال: (وظيفتي " كمضيف طيران " تتطلب منى المحافظة على مظهري الخارجي خوفا من فقدان وظيفتي ، و"النيو - لوك" يزيد الثقة بالنفس واعتقد أن الجمال و الشباب ثروة لا يشعر الإنسان بدفء شمسها إلا عندما تبدأ بالغروب ).

 

الثقة بالنفس هي الأهم

صالونات التجميل التي اصبحت ظاهرة تجرف معها من الشباب المهووس و الخائف من تقدم العمر ما لا يستوعبه العقل، عجزت عن تغيير فكر و مبدأ و مظهر بعض الرجال، فجاسم الشاب المواطن ابن ال34 عاما ، راض عن مظهره و سعيد بحياته، ويرفض فكرة "النيو _ لوك" التي تستهوي شباب اليوم ، مؤكدا ان القناعة و الثقه بالنفس سلاحان مهمان على الرجال ادراكهما للتخفيف من انتشار تلك الظاهرة. و يؤمن جاسم أن المظهر الخارجي للشاب ليس مفتاح السعد والرزق، فالمهم الجوهر، مشيرا الى أن كثيرا من العلماء والمفكرين لم يهتموا يوما بمظاهرهم الخارجية بل أن اهتماماتهم انصبت على نواح أخرى.

 

الجنس الناعم يؤيد

آراء الجنس الناعم حول هذه الظاهرة، لا تختلف كثيرا فالموظفة السورية (لارا جميل ) ترى انه لامانع من لجوء الشباب لإجراء عمليات التجميل إذا كان هناك مشكلة حقيقية تستدعي ذلك، كإزالة الشامات أو الندبات، "فالله جميل يحب الجمال"، و لكنها ضد فكرة "النيو لوك" بالمعنى الحقيقي ( أي تغيير الشكل ) لأنها أصبحت صرعة العصر و تلقى رواجا بين الشباب لتقليد المشاهير.

زميلتها نيفين من اشد واكبر المتحمسات لمظهر الشباب، و تؤيد بشدة إقبال الشباب على التجميل كل 6 أشهر للتغيير و التجديد، و لا ترى حرجا في ذلك ان كانت الامكانيات المادية تسمح بذلك ، لأنه من المعروف أن مثل هذه العمليات مكلفة، فعملية حقن البوتكس مثلا تكلف 3 الاف درهم، و الليزر 800 درهم للجلسة الواحدة ، و (بالتالي انا شخصيا أحب التغيير دائما ، وأن أتماشى مع الاماكانيات المادية).

 

زراعة الشعر والبوتكس

الدكتور إبراهيم كلداري استشاري جراحة التجميل وأستاذ الأمراض الجلدية في جامعة الإمارات، أكد أن أكثر العمليات المنتشرة بين الشباب تتمثل في زراعة الشعر واثار حب الشباب والحفر التي تظهر احيانا على الوجه أو الليزر لإزالة الشامات والندبات والتاتو ، مشيرا الى أن الأمر بالنسبة لكبار العمر يتمثل باللجوء الى البوتكس والفليرز لإخفاء تجاعيد الوجه والجبهة ، لافتا الى أن السيدات يقبلن على عمليات البوتكس والفليرز لإخفاء التجاعيد التي تظهر على الوجه خاصة مع التقدم في العمر.

وأوضح أن هناك ظاهرة أخرى تتمثل في تضخيم الشفاه وتصغير الأنف وغيرها ، مشيرا الى أنه في حال إجراء مثل هذه العمليات من قبل غير المختصين أو في البيوت فقد تحدث اعراض جانبية ومضاعفات يمكن أن تبقى آثارها لأشهر عدة .

وحول حجم سوق تجميل الرجال و انتشار ظاهرة التجميل في الإمارات، قال الدكتور كلداري أن بعض الدراسات أشارت إلى أن حجم سوق التجميل في الدولة يصل سنويا إلى ما يقرب من 700 مليون دولار وهذه الظاهرة آخذة بالازدياد بما لا يقل عن 20% سنويا.

وقال الدكتور كلداري أن اهم اسباب انتشار هذه الظاهرة يعود للانتشار الواسع لمراكز التجميل التي تشجعهم على إجراء مثل هذه العمليات، بالإضافة الى الانتشار الواسع للفضائيات التي تصور المشاهير والفنانين بأفضل حلة تجعلهم أكثر تأثيرا في الشباب حتى لو كان عن طريق اجراء بعض العمليات التجميلية لتصبح اشكالهم مثل فلان أو علاّن.

أهمية الجلد

وبدوره، قال الدكتور حسن يوسف حطيط استشاري ورئيس قسم الأنسجة في هيئة الصحة في دبي: ( الجلد مسؤول عن إظهار التعبير على الوجه و تفاعل الجسد الاجتماعي و نقل التفاعلات العاطفية والانفعالات، كما أنه المسؤول أيضاً عن نقل الأحاسيس والمشاعر المتعلقة بحاسة اللمس و بالألم و بالحرارة وليس مجرد غطاء أو عازل بل هو جزء لا يتجزأ من منظومة الأجهزة و الأعضاء فيه وهو خط الدفاع المتقدم و المستميت عن هيئته و صورته الخارجية و هو المحامي الأول عن أنسجته و خلاياه و مناعته و هو الواقي الأساسي أمام الحوادث و الصدمات و الضغوط و عند تغيرات و تقلبات المناخ مقابل أشعة الشمس وهو المتصدي الأساسي لهجومات و تعديات الجراثيم والطفيليات وهو المحافظ على توازن السوائل في الجسم وهو المسؤول عن تصنيع الفيتامين- د - وعن نقل المواد الهامة كالأوكسجين وغيره عبر أوعيته الدموية لتغذية الأغشية و الأنسجة المحيطة به و نقل الفضلات منها).

وفي النهاية يبقى موضوع التجميل من الأمور المثيرة للجدل خاصة إن تحدثنا عن الرجال، فلربما أحوال الزمن و عناده قد بان أثرها بشكل جلي على جبين البعض ، فمنهم من باحت ملامح وجهه بأقدار ليس له بها من ذنب، ومنهم من باحت تقاطيع وجهه بقسوة الزمن عليه دون سابق إنذار. فيبقى المرء محفوفا بثقافتين، إما التغيير لإرضاء الآخرين و إما القناعة بنظر المحبين.

 

أهمية الجلد

أظهرت الأبحاث الجديدة و الاكتشافات الحديثة أن للجلد أدواراً ووظائف مستقبلية ستكون حاسمة و شديدة الأهمية في تطور الطب والعلوم بشكل عام، إذ أثبتت إحداها أنه يمكن الحصول على خلايا جذعية ذات نوعية فائقة و بشكل مباشر عبر تحفيز خلايا الجلد ومن دون اللجوء إلى تقنيات الأجنة المستنسخة والمستعملة حالياً في الأبحاث. أما الاكتشاف الذي أثار اهتمام الباحثين فهو الإثبات الذي حملته إحدى الدراسات والذي تناول قدرة الخلايا الجلدية على التحول إلى خلايا جذعية و عبرها إلى خلايا وظيفية متنوعة كالخلايا الدهنية و العضلية و العظمية مع ما يعنيه ذلك من احتمالات تطبيقية بالغة الأهمية على صعد الترميم و معالجة الحروق و زراعة الأنسجة و إصلاح التلف الدماغي أو العصبي و معالجة الآثار الجانبية لمرض السكري ومرض ألزهايمر و الجلطات و غيرها. و الجدير بالذكر أن بعض الأبحاث الحديثة أظهرت قابلية الجلد أيضا على إصدار "نسخ" أو "طبعات" أو "لفائف" من الخلايا الجلدية المنسوخة أو المصنّعة مخبرياً عن طريق زرع خلايا جلدية لمريض ما واستخدامها في معالجته من التلف النسيجي أو الحروق أو في الجراحات التجميلية و الترميمية و غيرها.

 

إضاءة

 

يعتبر الجلد أكبر الأعضاء مساحةً وحجماً و نسبةً و امتداداً ، وهو أيضاً عضو ضروري و أساسي و حيوي مثل باقي الأعضاء الأساسية و الحيوية و أنّ إصابته بالتلف أو الأمراض أو الأورام يمكن أن تؤدي إلى الوفاة و بشكل سريع أو مأساوي كما في بعض الأحيان (في حالات الحروق المتقدمة أو في بعض الأورام).