جمعت صفحة «الامتحان لا دين له» على فيس بوك 791 معجبا، وعلى الرغم من أن الرقم ليس كبيرا بحسابات مواقع التواصل الاجتماعي الالكترونية، إلا أن هذه الصفحة لم تقف وحدها في الساحة لحشد «اللايكات»، ويقصد بها توقيعات الاعجاب، من كارهي الدراسة.
وإن كانت هذه الصفحة «الامتحان لا دين له» قد ألصقت نعت الإرهاب بالامتحانات مباشرة عبر تسميتها، فإن مشاركين آخرين اعتمدوا في تسجيل «كومنتاتهم»، أي تعليقاتهم، على البرهان في إثبات صفة الارهاب للدراسة، على الرغم من أنهم ألبسوا برهانهم ثوب النكتة والسخرية الذي يترك أثرا أكبر، فجزم منطق بعضهم أن الدراسة تتطلب أن يجلس طالب إلى جانب طالب آخر، والمجموع يساوي بذلك «طالبان» وهذا تنظيم متهم بالإرهاب.
حملت الصفحات أسماء كثيرة تشير بوضوح إلى العلاقة بين أصحابها وبين الامتحانات والدراسة، وإضافة إلى «الامتحان لا دين له» و«كارهي الامتحانات»، هناك «الامتحان على الأبواب وأنا لسة ما فتحتش كتاب»، و«ليلة الامتحان»، و«أنا آسف يا امتحان»، و«لو الامتحانات صعبة علينا التحرير هيبقى بيت لينا».
وإن كانت في أسمائها وتعليقاتها تدل على كره كبير للامتحانات والدراسة، بل ومع أخطائها اللغوية واستخدامها اللهجة المحكية، إلا أنها لا تدلّ أبدا على غباء، وإنما على ذكاء وسرعة بديهة تجعل المتابع يتمنى لو استثمر أصحابها قدراتهم تلك في التحصيل الدراسي.
منطق السخرية
ومن البرهان والاستنتاج المبني على السخرية والنكتة والاستهزاء أحيانا، استنبط كارهو الامتحانات منطقهم من روح نماذج الأسئلة ذاتها المتكررة في الامتحانات، وانطلاقا من هذا المنطق يعرّف أحمد كلمة «امتحان» على أن الألف «أيام نكد وعذاب»، والميم «مخ من المذاكرة ذاب»، والتاء «تعب وزهق واللي يقول غير كده كذاب»، والحاء «حالة نفسية هباب»، والنون «نرفزة وملل من الكتاب».. وفي سياق التعريف كذلك تناقل كثيرون على «بروفايلاتهم» تعريفا مبدعا للنوم فهو وفق رؤيتهم شعور يهاجم الانسان بقوة شديدة بمجرد التفكير بالمذاكرة.
الحكمة والمثل والابداع في تحريفهما استثمار ذكي آخر، على الرغم من سلبية هذا الذكاء، لإظهار العداء للدراسة، ويسجل «أدمن» أو مشرف صفحة «ليلة الإمتحان» على صفحته «اطحن يا ابن آدم الكتب طحن الوحوش .. بردو هيجيبولك الامتحان من اللي ما ذاكرتوش» ليتناقله آخرون مثلاً يشيع عبر الشبكة العنكبوتية، أما اسلام سمسم الذي استعار اسما تذروه الرياح، فيقتبس من لغة العظماء «أنا رجل لا تهزني رياح عاتية.. لكن تهزني ورقة فيها أجب عن الأسئلة الآتية».
مرثية
آخرون قد تكتشف لديهم موهبة شاعر، ونجد أنور يرثي نفسه على إحدى الصفحات:«ذاكرت وقلت أنا مش نافع.. وشجعت نفسي بكل دافع.. حفظت اللي مكانش شافع.. واتكعبلت في كل الموانع.. سلاحنا كان برشامنا.. والمراقب واقف قدامنا.. بندور مش لاقيين نجاحنا.. في كل لجنة في بلادي.. كلمة هدبلر بتنادي».
مرثية تجذب آخرين إلى حوار يبدأه إحسان إبراهيم بايجابية ليسجيل «كومنت» تذكير يقول «المجتهدون بيذاكروا واحنا مش معاهم»، مما يثير استغراب أنور من هذه الايجابية مستنكرا «يعني إيه مجتهدين أساسا؟»، فأسعفته إجابة شادي ألونسو في «كومنت» حمل قمة السخرية «المجتهدون دول يا جماعة هما اللي بيأثروا على مستوانا»، ويعود أنور ليزيد من حجم السخرية وهو يشكر ألونسو على التوضيح ويعتبره «فعلا جينيس»، ولكن لا يترك كل ذلك أثرا في نفس احسان الذي يرد بهدوء «لا.. المجتهدون دول اللي بيذاكرو كثير..» مع تكراره الياء.
مغلق للامتحانات
وعلى الرغم من أن عشاق الدراسة كانوا ندرة أو كادوا يغيبون في هذه الفترة عن صفحات فيس بوك إلا أن تذكير إحسان يدلل على أن هؤلاء لم تترك لهم الدراسة وقتا حتى للتعبير عن حبهم للامتحانات، وكثيرون هم من استبدلوا صور بروفايلاتهم وعلقوا عليها شعار «مغلق للامتحانات». ولا يحتاج كارهو الامتحانات إلى من يذكرهم بأن فيس بوك يتحول في ذاته إلى وسيلة إلهاء للطلبة عن دراستهم، فهم أنفسهم يتركون «كومنتات» تشدد على ذلك.. «يا قاعد على الفيس وعندك امتحان.. الخيبة التقيلة في الورقة هتبان».
ومحاولات الأهل قد لا تنجح في إبعاد أبنائهم عن هذا الإلهاء، ويسجل أحدهم ذلك في طرفة «أحلى حاجة إنه أبوك يبقى مخبي سلك الكمبيوتر وانت قاعد طول اليوم وفاتح الفيس بوك من الموبايل وبعدين تزهق تقوم ماسك شوي الكتاب، ويقوم أبوك داخل عليك ويقولك: يا ابني ربنا يوفقك.. يا ابني ريحلك شوي المذاكرة مش على طول كدة».
ويحللّ «أدمن» إحدى الصفحات كلمة فيس بوك ليستخلص أن الفاء «فكك من المذاكرة»، الياء «يا ابني دراسة إيه بس»، السين «سيبك النهاردة بكرة تبدأ تذاكر»، الباء «بلاش تذاكر واعتمد على الدروس»، الواو «وحتى لو ذاكرت»، الكاف «كدا كدا ساقط». وقد لا تكون نهاية هذا «الكومنت» وحدها التي تشير إلى فقدان الأمل حتى مع المذاكرة، فكره الامتحانات لا بد وأن لها أسبابها وعلى رأسها صعوبتها التي يشكو منها الطلبة في جميع المراحل، وعلى وجه الخصوص الثانوية والجامعة.
مذاهب
شيماء وهي على ما يبدو طالبة جامعية تصنف أساتذة الجامعة وفق مذاهبهم في وضع الامتحان، فتذكر المذهب التشكيكي وهو الذي يجعل الطالب يشك في ورقة الامتحان بأنها من مادة أخرى ومن كلية أخرى وصلت إليه بالخطأ، أما المذهب التصفيري فيركز على أن لا ينال الطالب أكثر من صفر في الامتحان، والمذهب التعليمي حيث يتذكر الدكتور جميع الأمور التي نسي أن يشرحها خلال المحاضرة ثم يضعها على شكل أسئلة ليتعلمها الطلبة.
دعاة الغش وجدوا فيه ضالّتهم في التغلب على هذه الصعوبة، وفي صفحات فيس بوك ضالّتهم لبث دعوتهم الضالّة، ووصل الأمر بأحدهم إلى الإيهام بفوائد للغش يسجل منها تقوية الروابط الاجتماعية بين الطلاب ونشر روح التعاون وتسلية المراقب بدلا من جلوسه متململا، والنجاح في الامتحان والتفوق وتبييض وجه الجامعة، ودخول الجنة بسبب إسعاد الوالدين، وفي نهاية «الكومنت» يترك توقيعا «مع تحيات لجنة غششني وأغششك»، ويسجل آخرون تحت عنوان حكمة اليوم «غشش زميلك.. يرتاح ضميرك».
وتبقى فترة الامتحانات فترة طوارئ للجميع سواء كارهي الدراسة أو عشاقها، والنجاح مطلب لا يمكن لأحد التخلي عنه، ولكن قد لا ينفع عض أصابع الندم «أدمن» صفحة «الامتحان لا دين له» بعد فوات الأوان وهو يسجل «كان لازم أذاكر من الأول.. ومكنتش ضيعت الوقت.. والله بجد أنا بستهبل.. طب هعمل إيه لو سقطت.. هنجح ولا هعيد مش عارف.. ملزمتي بايدي ومش شايف».
سجلت أميرة بدر «كومنت» تذكير على إحدى الصفحات تقول فيه «يا ورقة الامتحان يا ورقة الامتحان.. كتبت أنا فيك اللي ذاكرته من زمان.. يا رب بس أنجح ويكون مجموع كبير.. وآخذ الشهادة وأجيب أعلى تقدير.. ويفرح بابا بية وياخذني بالاحضان.. ويجيب لي أحلى هدية ويهنوه الجيران.. وكمان ماما تفرح وتفرق الشربات.. وتقول شكرا يا رب يا مجيب الدعوات.. يلّا يا اللي انت ناسي ولسة ما ذاكرتش.. لسة في فرصة جاية الحق يلّا وركز.. ربك عمره ما يضيّع أجر العاملين.. ذاكر يلّا وادعي لمجيب السائلين.
طرفة
استعارت دينا اسم «دارك اينجل» الملاك الأسود لتسجل «كومنت» طريف تقول فيه «أنا مش سوبر مان.. أنا طالب غلبان.. مذاكر نص المادة والربع نسيتو كمان.. هتقول هات تعريف هرسم في الورقة رغيف.. هتقولي مزايا وعيوب هرسملك دبدوب.. واوعى تقولي أهمية هكتبلك أغاني عاطفية.. أوعى تقول مفهوم هسيب اللجنة وأقوم».
