نفى أرشاد هورموزلوا كبير مستشاري عبدالله غول رئيس الجمهورية التركية لشؤون الشرق الأوسط، أن تكون بلاده تبحث عن دور قيادي في المنطقة على غرار «الإمبراطورية العثمانية» الجديدة، مشدداً على ضرورة أن تسود علاقات الصداقة الندية بين جميع دول المنطقة، وأكد في حوار خاص مع «البيان» على هامش فعاليات منتدى الإعلام العربي في دورته العاشرة؛ رفض بلاده لأي تدخل إيراني في الشؤون الداخلية لدول الخليج العربية، أو أي تدخل خارجي في شؤون أي دولة، بينما لم يستبعد مشاركة تركيا في عمل عسكري بري في ليبيا شريطة صدور قرار أممي ملزم للجميع، بينما هون من مخاوف ظهور بوادر استقلال كردي في المنطقة بعد الأحداث الجارية في سوريا، التي جدد الدعوة إلى إجراء تغييرات ديمقراطية فيها لضمان عودة الهدوء والاستقرار.

 

اضطرابات سوريا

إلى أي مدى تربك الاضطرابات الحاصلة في سوريا تركيا؟

المنطقة بشكل عام تهمنا وما يحدث في العالم العربي اليوم يهمنا، وبالنسبة لسوريا فلها خصوصية كونها رقماً صعباً في المعادلة العربية والشرق أوسطية، وتربطنا بسوريا علاقات تاريخية قديمة ولنا حدود جغرافية مشتركة بمئات الكيلومترات معها، كما أن الشعب الذي يسكن جانبي الحدود هم أقارب وأحباء، وبالتالي أية قضية تمس سوريا تهمنا وما يفرح السوريين يفرحنا وما يؤلم السوريين يؤلمنا، وبالتالي كانت نظرتنا لما يجري في سوريا من هذا الإطار والمنبع. لقد قلنا في أكثر من مرة سواء بالنسبة لسوريا أو بالنسبة لجميع دول المنطقة، بأن موقفنا في تركيا واضح وصريح، وهو بأننا لسنا مع أي نظام أو ضد أي نظام، ولكن نحن مع الشعوب.

فإذا كان الشعب يريد أن يخطط حياته وأموره بالشكل الذي يراه فهذا أمر يعود إليه، ونحن نتعاطف مع هذه المطالب وبالنسبة لرياح التغيير التي عصفت بالمنطقة فنحن نقول إن رياح التغيير أمر حتمي وواجب، وبأن التغيير تأخر أكثر مما ينبغي، فبعد انتهاء الحرب الباردة حصلت متغيرات جديدة في جميع أنحاء العالم، وكان على هذه المنطقة أن تواكب تلك المتغيرات بنفس الأسلوب والسرعة والكفاءة، وهذا لم يحصل. التغيير تأخر أكثر مما ينبغي، ولكن في نفس الوقت نحن نرى أن قادة الأنظمة يجب أن يكونوا في موضوع الإصلاح أجرأ من الشعوب ذاتها في تسريع عمليات الإصلاح والالتفات إلى مطالب وصوت شعوبها وهذا ما ذكرناه.

هل ما تخشاه تركيا من الاضطرابات التي تشهدها سوريا بأن تستغل من قبل 4 ملايين كردي يعيشون في سوريا للمطالبة بالانفصال عن سوريا، والذي قد يقود إلى مطالبة 15 مليون كردي يعيشون في تركيا بالانفصال عنها، ويقود أيضاً لانفصال الأكراد عن إيران لتأسيس حكم ذاتي كردي؟

بغض النظر عن طبيعة الأرقام التي ذكرتها ولكن بالنسبة لأي فرد في هذا الجانب أو في ذاك يجب أن يكون له الحق في حرية التعبير دون اللجوء لأساليب العنف والإرهاب. نحن نرفض العنف والإرهاب والشدة، وكما قلت فإن الاحتكام لصناديق الاقتراع بطريقة ديمقراطية شفافة هو ما يجب أن يسود، وبالنسبة لتركيا حرية التعبير متاحة إذا كانت في حدود العملية الديمقراطية السليمة وليس بالاحتكام إلى العنف والإرهاب والسلاح وقتل المواطنين الأبرياء وبالتالي ليس هناك ما يقلقنا في هذا الشأن الذي تحدثت عنه. إذا تسارعت وتيرة الإصلاحات في هذا البلد أو ذاك يكون جميع أفراد الشعب في أي دولة مواطنين من الدرجة الأولى، ولذلك لا يكون هناك مجال للحديث عن اعتراض معين عن طبيعة هذا النظام أو ذاك، الأنظمة يجب أن تواكب مطالب الشعوب والأسس الديمقراطية الشفافة الدستورية الراسخة في هذه المناطق.

 

التزام بالإرادة الدولية

تركيا عضو وثقل مؤثر في حلف شمال الأطلسي «ناتو»، إلا أنها رفضت المشاركة في العمليات الجوية للحلف في ليبيا لماذا؟.. وإذا ما قرر الحلف تدخلاً برياً في ليبيا ماذا سيكون الموقف التركي؟

في الشأن الليبي كانت هناك عمليات ضد الأراضي الليبية حتى قبل صدور القرارات الدولية، ونحن نمتثل للإرادة الدولية ونطبق القرارات الدولية ونطبق القرار 1970 و1973 وكذلك نشارك في عملية الحظر الجوي في ليبيا. كنا ضد التدخل البري في ليبيا، لأننا لا نرى الدم الذي يسفك في ليبيا، سواء كان لثائر ليبي أو جندي ليبي أو معارض ليبي مختلفة عن بعضها البعض، نحن نرى الدم الليبي يسفك ونحن نريد وقفاً فورياً لإطلاق النار والاحتكام إلى الأساليب الديمقراطية الراسخة وإلى تسليم السلطة إلى الشعب بإرادة حرة منتخبة من قبل الشعب.

وعما إذا كنا سنتدخل في عمل عسكري بري في ليبيا إذا ما تدهورت الأوضاع هناك، فلكل حادث حديث، إذا كانت هناك قرارات للمجتمع الدولي اقتنع بها المجتمع الدولي، فهذا أمر ملزم ليس لتركيا فقط ولكن لجميع الدول أيضاً، كما حدث في دول كثيرة، وفي فرض عقوبات على دول كثيرة ولكن ليس بإرادة منفردة، وكما قال دولة رئيس الوزراء التركي بأننا لا نبدل آلاف آبار النفط في ليبيا بقطرة دم ليبية واحدة، نحن نرى الدم الليبي وليس آبار النفط في ليبيا، وقلنا ونقول ونكرر بأن تركيا تضع ثوابتها قبل مصالحها في هذا الشأن، وهذا كان موقفنا في مصر وليبيا وسوريا أو أي بقعة أخرى من العالم العربي.

هل يمكن اعتبار مصادرة تركيا لشحنة الأسلحة التي كانت متجهة من إيران إلى سوريا دفعت إيران إلى نصح القيادة السورية بعدم الإصغاء لنصائح رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان.. وهذا ما نراه حاصلاً رغم العلاقات التركية السورية المتينة؟

ما فعلناه بمصادرة شحنة الأسلحة هذه كان امتثالاً من تركيا للقرارات الدولية التي يجب أن تلتزم بها أي دولة، وهذا الأمر يختلف عن المنظور الإيراني تجاه سوريا والمنظور التركي تجاه سوريا، هذا الأمر مختلف، ولكن نحن مع عملية الإصلاح ومع تسريع وتيرة الإصلاح، سواء في سوريا أو في أي بلد آخر. كانت هناك أخطاء ارتكبت في هذا البلد أو ذاك، وحتى في تركيا لقد أخطأنا في تاريخنا من انقلابات عسكرية وتدخل في طبيعة الحكم.. الخ. ولكن وصلنا في النهاية إلى مفهوم مارسناه حتى في هذه الأنظمة الانتقالية، وهو المحافظة على شرف الصندوق والنظام دائما ينبع من إرادة الشعب والصندوق، وهذا ما يجب أن يتم بطريقة ديمقراطية دستورية شفافة في هذه المناطق.

 

الاحتكام للحوار

هل ستتدخل تركيا في الشأن السوري، وهل تعدون لمبادرة لتهدئة الأوضاع في سوريا والتي تصب في مصلحة تركيا؟

أنا أرى أن الاحتكام للحوار هو الأسلم والأنفع عوضا عن الاحتكام إلى السلاح والرصاص، وهذا الأمر يجب أن يكون في جميع الميادين، والاحتكام للحوار والاستماع إلى صوت الشعب مطلوب ليس فقط في سوريا، ولكن في جميع بقاع العالم. وهناك تساؤلات وردت بشأن طبيعة هذا النظام أو ذاك وكما ذكرنا، فإن هناك أنظمة في منطقتنا رأت في القوات الأجنبية والقوى الغربية كشركات تأمين لها، ونحن نرى أن الحل يجب أن ينبع من الداخل وألا نحيل قضايانا إلى مقاولين من الباطن ومقاولين ثانويين، بل يجب أن نحل هذه القضايا من منظور إقليمي وداخلي دون الاحتكام لوساطات خارجية.

في ظل سياسة الولايات المتحدة التي تتسم بالفوضى في المنطقة، وفي ظل عدم الاستقرار الذي لا تزال تعيشه مصر التي لا تزال تعيش مرحلة انتقالية، هناك من يقول بأن تركيا تخطط لقيادة الشرق الأوسط.. ما صحة تلك الافتراضات؟

تركيا لا تبحث عن دور وليس لها أطماع في المنطقة، سواء في القيادة أو غيرها، نحن نعيش في المنطقة كدول ذات سيادة والتعامل بندية مع هذه الدول. تركيا لا تبحث عن دور ولكن الدور يبحث عنها، بمفهوم بأننا لا يمكن أن نتغافل عن الحقائق التاريخية والجغرافية التي تنيط بنا أدواراً لنكون متناغمين مع هذا الشعب والمنطقة، ومع جذورنا الراسخة وعلاقتنا الراسخة مع هذه المنطقة. وهذا لا يعني تدخلاً في شؤون المنطقة. وكما ذكرت نحن لا نصمم بيت الآخر ولكن نصمم بيتنا.

نحن لا نبحث عن دور معين، ولا ننافس أي دور إقليمي معين في هذه المسألة. ونحن نرفض من يتحدث عن دور للعثمانية الجديدة أو مسألة مطالبة تركيا بدور ريادي في هذه المسألة أو تلك، نحن دولة ذات سيادة ولنا علاقات راسخة مع المنطقة وأقول دائما إن العلاقات بين الدول يجب أن تبنى على ضلعين، أولهما الثقافي والتاريخي والديني والاجتماعي.. الخ، والضلع الثاني الاقتصادي، وإذا ما اقتصرت العلاقات على الضلع الأول، فإنني أخشى أن تبقى هذه المسائل في بطون الكتب والمجلات، ونبقى نتغنى بأمجادنا وتكون هذه مادة للندوات فقط، وإذا اقتصرت العلاقات على الاقتصادية، فهناك دوماً بدائل أمام الدول، ولكن إذا ما التحم الضلعان ستكون العلاقات دائمة. وبالتالي علاقاتنا مع المنطقة يجب أن تكون نابعة من سياسة الرجوع إلى أصولنا وجذورنا، وفي الوقت ذاته تقوية العلاقات الاقتصادية مع هذه الدول والاهتمام بالاستثمار المتبادل وتحقيق التكامل الاقتصادي في هذه المنطقة، ما يعود بالنفع على الجميع.

 

إيران.. لا للتدخل بالخليج

إيران تثير غضب بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية في تدخلها في شؤون تلك البلدان، وأنتم تربطكم علاقات متينة مع البلدان الخليجية، وأيضاً مع إيران، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا في حث إيران على عدم التدخل في الشؤون الخليجية؟

أنا أرى أنه لا ينبغي على أي دولة التدخل في الشأن الخليجي أو شؤون الدول الخليجية والبلدان الخليجية تحل قضاياها ومسائلها في بيتها الداخلي. وعلاقتنا مع إيران نابعة من كون إيران دولة مهمة وجارة لتركيا وتربطنا بها علاقات قوية وراسخة. نحن لسنا مع أي تدخل أجنبي في دخول البلدان الخليجية، سواء من إيران أو أية دولة أخرى، الخليجيون أدرى بمصالحهم وبحلولهم وهم أجدر بحل قضاياهم بأنفسهم، وهذا بالفعل ما يفعلونه الآن ضمن المنظومة الخليجية.

إذا ما يقال عن تدهور في العلاقات التركية الإيرانية مؤخرا غير صحيح؟

ــ ليس صحيحا والدليل أن كثير من المبادرات جرت في تركيا، بما فيها مباحثات الملف النووي الإيراني، وتركيا كانت من الدول التي رفضت أثناء عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي العقوبات المفروضة على إيران.