لليوم الثاني على التواليّ، تستمر النقاشات التي يطرحها مؤتمر المنظّمة العالميّة للصحف وناشري الأخبار في دبي بإثارة مجموعة من المواضيع المهمّة. ومع تعدّد هذه المواضيع وتغطيتها مختلف زوايا العمل الصحافي وارتباطه بالإعلان، تُشكّل الجلسات النقاشيّة استمراريّةً لما طُرح في جلسة أوّل أمس، التي عُقدت حول أسلوب تحسين الأداء الإعلانيّ في الشرق الأوسط، والتي شارك فيها كلٌّ من أحمد الحمادي، المدير التنفيذي للشؤون التجاريّة والتسويق في مؤسسة دبي للإعلام، ودانفير كانجي من «إنكا» للإعلان، وبندر العسيري من «الخليجيّة»، ونجم خواجا من «دي دي بي» الشرق الأوسط، كما أدار الجلسة محمد عليّان، من «الأردن المتّحدة للنشر». ومع بداية الجلسة، لخّص عليّان بمجموعةٍ من الأرقام الأداء الإعلانيّ خلال السنوات بين ‬2008 و‬2010، متحدّثاً عن انخفاضَ في معدّل الإنفاق، زادت نسبته عن ‬13 بالمئة، وطلب من المتحاورين أن يقدّموا آراءهم حول الاستراتيجيّات التي يُمكن اتّباعها لدفع العمليّة الإعلانيّة قُدُماً.

دانفير كانجيّ كان أوّل المتحدّثين، حيث أكّد على كلام عليّان حول انخفاض الإنفاق في المجال الإعلانيّ في المنطقة، إلا أنّه استثنى دولة الإمارات إلى حدٍّ ما، نظراً لعدم معاناتها كبقيّةِ الدّول. وأضاف كانجيّ بأنّ عمليّة الإبداع في خلق الإعلان، وتصميمه، تلعب دوراً كبيراً في إنجاحه، فليس من السهل الوصول إلى الملأ، خصوصاً في هذه المنطقة، حيث يتمّ إنتاج مختلف الإعلانات، المنشورة في الصحف أو المُذاعة عبر قنوات التلفاز، في دولٍ أوروبيّة، وتكون النتيجة عدم توافق الرسالة مع وسيلة التوصيل. وزاد على ذلك قائلاً: «طبيعيٌّ أن تكون المنتجات متشابهة في مختلف البلدان، السيّارات والحواسيب، ولكنّ الاختلاف يكمن في بيع هذه المنتجات، فقد شهدت بلدان هذه المنطقة انخفاضاً في نسبة البيع لأنّها لا تفهم تماماً ما يريده العملاء».

بندر العسيري، المدير العام لشركة الخليجيّة للدعاية والعلاقات العامّة، تطرق في حديثه إلى عدّة نقاط، الهدف منها هو زيادة زخم الأداء الإعلانيّ في الشرق الأوسط. وفي بداية حديثه، قال العسيري: للمقارنة بين كميّة الانفاق الدعائيّ في مختلف المناطق، لا بدّ أن نأخذ بالحسبان إنفاق الفرد. وعليه، أعتقد أنّ إمكانيّة التطوير موجودة، ولكنّني لست متفائلاً جدّاً بخصوص الإعلانات في الصحف والجرائد. وأعتقد انّ التحدّي الأكبر الذي نواجهه في منطقة الخليج هو أنّ ‬70 بالمئة من سكّان السعوديّة، على سبيل المثال، دون سنّ الثلاثين، وكذلك العديد من دول المنطقة. ممّا يعني أنّهم متّصلون بشبكة الانترنت والمواقع الاجتماعيّة، كما انّهم يفهمونها أكثر من العاملين في هذا القطّاع. وبغضّ النظر عن الجهود التي تبذلها شركات النشر للتكيّف مع هذا الواقع، هنالك تحدٍّ كبيرٌ نواجهه مع مواقع التواصل الاجتماعيّة، ولا سيّما أنّ مواقع شأن «تويتر» و«فيسبوك» ليست ملكاً لنا، أيّ أننا لا نملك قنواتنا الإعلاميّة، وهذه تجربةٌ جديدةٌ في الشرق الأوسط.

ولم يتوقّف العسيري عند هذه النقطة، حيث طرح قضيّةً جدليّة خالفه فيها الكثير، عندما صرّح بأنّ الكثير من المؤسّسات الإعلاميّة، لا تملك القنوات التكنولوجيّة خاصّتها، إلا أنّها تملك الخبر والمحتوى، الذي «لم يعدّ بالأهميّة التي كان عليها سابقاً»، حسب رأيه. ممّا أثار حفيظة مديرة النشر في صحيفة «غلف نيوز» التي اعترضت على تعليق بندر، وأكدت أنّ محتوى الوسيلة الإعلانيّة أهم من أيّ شيءٍ آخر، قائلةً: «إلا لم يكن محتوى وسيلة الإعلام هو الملك، من يكون الملك إذاً يا سيّدي؟».

اختار نجم خواجا، رئيس المجلس التنفيذي لـ«دي. دي. بي الخليج»، ألّا يتحدّث عن الأرقام، وجاء على ذكر أحد الكتب الصادرة عن وكالة خاصّة للعلاقات العامّة، كان لها دورٌ مهمّ في غيّر المنظور نحو الصحافة، عبر الانتقال من تقديم المحتوى على إدارة الأفكار على كافّة المستويات. وأعطى أمثلةً على ذلك عبر قوله: «عبر كلّ وسائل الاتّصالات، التلفاز أو حتّى الجرائد، أكثر ما يهمّ هو الرسالة التي نُريد أن نوصلها، فهي الأكثر أهميّةً بالنسبة للمعلن. فالناس في هذه المنطقة شأنهم شأن الناس في كلّ أنحاء العالم، فهم يتغيّرون، ونحن نعرف أنّ لدينا نسبة عالية من الشباب، ونعرف أنّهم على اتّصال دائم بشبكة الإنترنت. الا أنّ التغيير يجب أنّ يتمّ على الشخصيّة المتلقّية، فالإعلان في الصحف مرتفع، وكذلك في التلفاز، إلا أنّه في ارتفاعٍ دائم على شبكة الإنترنت».

وتعقيباً على كلام المُشاركين، أضاف الحماديّ مُداخلةً تطرّق فيها إلى أُسلوب بيع الإعلان الرقميّ، حيث قال: «التواصل مع العملاء لا يأتي بوسيلة واحدة، حيث يُمكن الاعتماد على الوكالات الإعلانيّة، وفي الوقت ذاته يُمكن توظيف فريق مبيعات اختصاصيّ ومكرّس، تعامله مباشر مع فريق التحرير، صُنّاع المحتوى، وهذه هي الطريقة التي أُفضّلها شخصيّاً».

دانفير كانجي من جهته، تحدّث عن العلاقة بين دور وسائل الإعلام والوسيط الذي تستخدمه لاستقطاب الإعلان حيث قال: «القنوات الإعلاميّة، مقروءةً كانت أم مرئيّة أو مسموعة، ليس وسائل ترفيهيّة فحسب، بلّ إنّ هناك دائماً رسالةٌ وراء ما تقدّمه. فحسب نوعيّة الجمهور، يُمكن لمتخصصّ المبيعات أن يسوّق أيّ وسيلة، ضمن اختصاصه من الجمهور، فهذا مفهومٌ بسيط».

واعتراضاً على فرضيّة أنّ الوكالات الإعلانيّة ليس لديها أقسام رقميّة، قال خواجا: «الكثير من الوكالات لديها الوعي تجاه الإعلانات الرقميّة، ونحن على سبيل المثال نتعامل مع هذا النوع من الدعايات منذ فترة، إلا أنّنا لم نطلق هذا القسم في الشرق الأوسط، حيث لم نشعر بالحاجة لذلك. على الرغم من أنّ قسمنا هذا متقدّم لأبعد الدرجات، والعاملون فيها على اطّلاعٍ كبير حول تقنيّات هذا الحقل».

وكالات الإعلان «نائمة»

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن موضوع الوكالات الإعلانيّة وخصوصيّتها في دولة الإمارات، قال ظاعن شاهين، المدير التنفيذي رئيس التحرير «البيان»: «لا تزال وكالات الإعلان نائمة من ناحية الأفكار، فمن خلال متابعتي للإعلانات المنشورة منذ سنة ‬1984 تقريباً، لم أجدّ أفكاراً جديدة تُطرح في السوق. وبالعودة إلى صنّاع الإعلان أو مصمّميه، لطالما سمعنا تعبيرا «للضيافة أو الفخامة عنوان»!. ولغاية يومنا هذا لا يزال مصمّمو الإعلان يستخدمونها، ولا أعتقد أنّ هذا هو السبب في تقليص الإعلان، إلا أنّنا باللغة الإعلانيّة نعرف بأنّ الإعلان هو السهل الممتنع، عبر تقديم أفكار مُبدعة ومختصرة، الأمر غير الموجود في الإمارات. فضلاً عن العديد من الإعلانات التي لا تتوافق مع قيمنا الاجتماعيّة على سبيل المثال، فأحد الإعلانات المقدّم لنا سابقاً، لو نشرناه، لا بدّ سيسبّب كارثةً اجتماعيّة. وبالانطلاق من هذه النواقص، أرى أنّ على صنّاع الإعلان، مع شديد احترامي، يحتاجون إلى زخمٍ من الأفكار الجديدة، وعليهم أن يكونوا على اطّلاع واسع بقيم المجتمع الذي ستُنشر هذه الإعلانات بين أفراده. ولنأخذ الإعلان المصري على سبيل المثال، أنا أحترمه لأنّه يتكلّم عن البيئة المصريّة، فهو قادرٌ على توصيل الرسالة بأسلوب بسيطٍ وراق أيضاً».

وفي ردّه على تعليق شاهين، قال عليّان إنّ هذه النقطة مطروحةٌ بالفعل، فالكثير من الوكالات الإعلانيّة لا تأتي بأفكار خلّاقة ومتناسبة مع البيئات المحليّة وطلب من الخبيرين المُشاركين في النقاش أن يُدلو بآرائهما حول هذه القضيّة. وهذا بالفعل ما أكّده خواجا، حيث قال: «هذه القضيّة مهمّةٌ لدينا بالفعل، فعلى الرغم من أنّ مدير وكالتنا في الشرق الأوسط، موجودٌ في هذه المنطقة منذ ما يُقارب الثلاثين عاماً، إلا أنّ هنالك المزيد الذي يُمكن أن نقدّمه لنُثبت أنّنا مُبدعون، وقادرون على توفير خدماتٍ جديدة للصحف».

ومن ناحيةٍ أخرى، قال بندر العتريسيّ إنّ من مصلحة الوكالات أنّ تقدّم أفكاراً مُبتكرة، ولا سيّما أن هذه الأفكار بالتأكير تزيد من ربحها، فكلّما كانت الفكرة مُبدعة، كلّما زاد المردود المادّي. وأضاف العتريسي بأّنه يطلب من مديري الأقسام الإبداعيّة بوكالتهم دائماً مُساعدتهم على المضيّ قُدُماً في هذا الحقل. أما بخصوص التوافق مع البيئة المحليّة، فيلوم العتريسي أقسام البحث في الوكالات الإعلانيّة، لأنّها الأقسام المتخصّصة باستكشاف البيئات المحليّة واستنتاج الأفكار المتوافقة معهم، والابتعاد عمّا يُمكن أن يُسيء لأيّ قيمة اجتماعيّة.

اختيار

سيطرة الوكالات الإعلانيّة

من النقاط المهمّة التي تناولها النقاش في مؤتمر المنظمة العالمية للصحف وناشري الأخبار، اعتماد عمليّة اختيار المُعلن للوسيلة الإعلانيّة على المعارف الشخصيّة، حيث أكّد عليّان على اختلاف طريقة اختيار الوسيلة التي ستحمل الرسالة الإعلانيّة في الشرق الأوسط، وبعدها طلب من بندر العتريسيّ أن يتحدّث عن هذه النقطة، فأجاب: «إن المعارف بالنسبة لنا موازيةٌ تماماً لخلق المحتوى، فلا بدّ من وجود المعارف، وهذا ما يتمّ عبر الشركات الإعلانيّة الكبيرة. ولكنّ ما أعترض عليه هو حصر هذه الخصوصيّة في الشرق الأوسط، لأنّ ما ينطبق هنا ينطبق على مختلف أرجاء العالم، فالعديد من الإعلانات في العالم مرتبطة بالقدرة التنافسيّة للأسعار، فكلّما كانت الوكالة أكبر، كلّما كانت القدرة أكبر على التفاوض مع العميل والوسيلة الإعلانيّة». وعند هذه النقطة علّق عليّان بأنّ هذا المفهوم يخلق ضغطاً على الوسيلة الإعلاميّة، حيث يُمكن للوكالة الكبيرة أن تتحكّم بالأسعار، وتأخذ نسبةً عاليةً من تكاليفها.

من جهته أكد دانفير على كلام عليّان، قائلاً: «يُمكن للوكالات الإعلانيّة الكبيرة أن تترك أثراً سلبيّاً فعلاً، من خلال قدرتها على السيطرة. ولكنّ هنالك أهميّة لهذه التحالفات، فنحن كناشرين بحاجة إلى وسائط توصلنا إلى قاعدة كبيرةٍ من العملاء».

تخصيص

منصّات إعلانيّة رقميّة

محمّد العليّان، بصفته مديراً للجلسة، طرح على مختلف المشاركين سؤالاً يتعلّق بالمنصّات الإعلانيّة الرقميّة، مستشهداً بأنّ العديد من وكالات الإعلان ليس لديها أقسام مخصّصة للإعلانات الرقميّة، وتوجّه بالسؤال إلى ممثّلي المؤسّسات الإعلاميّة، عمّا إذا كان في نيّتهم تخصيص هذه الحصّة الإعلانيّة من السّوق لصالحهم، كي يتمّ استغلا فرصة غياب الوسيط الإعلانيّ، والتعامل مباشرةً مع المُعلن في هذا الخصوص.

أحمد الحمادي، من مؤسّسة دبي للإعلام كان أوّل المعلّقين على طرح عليّان حيث قال: «أنا مقتنعٌ تماماً بأنّ المؤسّسات الإعلاميّة التي لا تعتمد على أكثر من قناة توصيل، شأن الجرائد وإذاعات، ومحطّات التلفزة، يُمكن أن تُعاني من كثيراً في المراحل الانتقاليّة. وأقصد هنا الانسجام بين الإعلام التقليديّ والإعلام الحديث، وأحداث مصر هي أكبر دليل على ذلك، فالكثير من القنوات التلفزيونيّة تعتمد على مصادر بسيطة جدّاً، شأن الموبايل، وفي نفس الوقت، جُدران ميدان التحرير كانت مغطّاة بالجرائد. وبالتالي تعدّد قنوات وصول الخبر إلى الجمهور، وبالتالي تعدّد قنوات إيصال الإعلان إلى الجمهور في السويّة ذاتها».