أسراب البعوض التي هجمت على الناس في بداية الأزمة الاقتصادية جعلتهم يتعاطفون مع الأسر التي فقدت منازلها لتعيش في العراء.. هذا تماما ما قد يخلص إليه الشخص المتأمل لحدث من جملة أحداث وقعت في العقد الأول من قرننا الحالي، الواحد والعشرين. لا شك أن تاريخنا المعاصر سيؤرخ تلك الأحداث التي أثرت في الناس سلبا وإيجابا، إلا أنه سيتوقف عند بعض الحوادث التراجيدية كحادثتي تسونامي وزلزال الصين، اللذان كانا الأقوى والأكثر تراجيدية من بين بقية الأحداث التي وقعت في دائرة الفترة الزمنية. لكن المساحة النفسية الأكبر ستكون بتقديري لحادثة اسمها (أزمة الرهن العقاري) التي وقعت في أميركا وانعكست على أوروبا وبلدان العالم اجمع بلا استثناء، لكونها علامة سلبية فارقة بين تلك الأحداث لجهة أنها أضرت بالقاعدة الأعرض من البشر العاديين وفي مساحة جغرافية هي العالم كله تقريبا.فبعيدا عن التقارير الاقتصادية التي غالبا ما تغرق الإنسان بهول الأرقام، تؤشر المعطيات إلى أن خسائر العالم اقتربت من (تريليونين وسبعمائة مليار دولار). وإذا كان المال (يأتي ويروح) كما يقولون باللهجة الشعبية، إلا أن هنالك ما إذا (راح) لا يأتي إلا بشق الأنفس، وهو منزل العمر.. فما هي الحكاية؟بحسب الإحصائيات الحديثة، ومنذ بدء أزمة الرهن العقاري وحتى الآن، فقد أكثر من مليون مواطن أميركي منزله. إذ كان على هؤلاء المواطنين إخلاء منازلهم وعقاراتهم التي لم يعد بمقدورهم دفع أقساطها الشهرية والسنوية المترتبة إلى البنوك التي وضعت عليها اليد في أكثر من ولاية أميركية. وتلك الأزمة كانت شملت فيما شملت (المنزل المتواضع والفيلات والقصور فالأبراج والمدن السكنية..إلخ) قبل أن تعبر المحيط إلى أوروبا فالعالم أجمع الذي ما زال يعاني من ذيولها. الطريف المؤلم في هذه القصة أن البيوت التي أخلاها أصحابها كانت فيها مسابح تركت ملآى بالماء حفاظا على جدرانها من التصدع في حالة جفافها، وبمرور الأيام وغياب العناية تحولت تلك المسابح إلى مكان خصب لأسراب البعوض والتي لم تكتف بتلك المساحة المائية من المنزل لتتغذى على طحالبها وتلهو، بل انتقلت إلى السكان المجاورين لتعطيهم أمراضا كان العالم قد نسيها من عقود طويلة من بينها المرض العتيد الملاريا القاتلة، الأمر الذي دفع بالجهات الصحية الاستعانة بكميات كبيرة من الأسماك آكلة البعوض ونشرها في أكثر من ‬4000 مسبح للحد من هذا الخطر الداهم والسيطرة عليه. البعوض تسبب في دفع مزيد من الناس البعيدين عما حدث للوقوف على تفاصيل أزمة الرهن العقاري، للتعاطف مع أصحاب المنازل التي أخليت بضغط البنوك ومن دون رحمة.