قد يحدث أن يتعرض الموظف لعقوبة ما، وكثيراً ما يشعر بأنه مظلوم، ولا يستحق الجزاءات الموقعة عليه، فيلجأ إلى لجنة التظلمات في جهة عمله، فتصدر قرارها بتثبيت العقوبة.

وكثيراً ما يشعر الموظف بأن اللجنة لم تنصفه، وبأن قرارها قد شابته شوائب ما، وقد يقول لنفسه: هنالك محاباة لمدير ما أو مسؤول كبير، أو أن اللجنة لم تعطه الفرصة لشرح موقفه بالشكل الكافي، وربما يستبد به الشعور بالغضب، وتفترسه التساؤلات: من ذا سينصف موظفاً صغيراً على حساب مسؤول كبير؟

إن صغار الموظفين، إذا ما اختلفوا مع مدرائهم، يصبحون معرضين لجزاءات مجحفة في معظم الأحيان لا أحد يشعر بهم أو يتعاطف وإياهم. والمؤكد أن الإحساس بالظلم يعد إحساساً مؤلماً بالنسبة لأي موظف، فهو يصيبه بالإحباط والقنوط، ومن ثم عدم الشعور بالرضا الوظيفي، وهو الأمر الذي ينعكس سلباً على مستوى الإنتاجية، ومن ثم على مساعي الحكومة الاتحادية وجهودها، نحو رفع مستويات الإنجاز، وتطوير الأداء الحكومي بشكل عام.

ومؤخراً أصدر معالي حميد القطامي، وزير التربية والتعليم رئيس مجلس إدارة الهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية، قراراً بتشكيل لجنة مركزية تتولى مهمة النظر في الاعتراضات التي يتقدم بها موظفو الحكومة ضد الجزاءات التي تصدرها لجان التظلمات في جهات عملهم، وستنظر اللجنة في كل الاعتراضات على الجزاءات، في ما عدا جزائي الإنذار ولفت النظر الكتابيين. فإلى أي درجة ستسهم اللجنة الجديدة، والتي ستعقد اجتماعها الأول في غضون الأيام القليلة المقبلة، في تعزيز مبدأ الشفافية الذي تتبناه الحكومة الاتحادية؟ وكيف استقبل موظفو الحكومة قرار تشكيل اللجنة، وما مدى شعورهم بدورها في أنها ستعطي كل ذي حق حقه؟ ومن ناحية أخرى ألا يمكن أن يشعر بعض الموظفين بالخوف من أن تؤدي اعتراضاتهم، إلى تعرضهم فيما بعد إلى التنكيل والعقاب وربما «البطش» من مدرائهم المباشرين- وما هي الآليات التي ستتبعها اللجنة لضمان أن تكون قراراتها عادلة ومنصفة لكل الأطراف؟ هذه الأسئلة وغيرها هي ما نسعى للإجابة عليه في السطور التالية..

تعزيز العدالة

في البداية يقول معالي حميد القطامي: إن تأسيس هذه اللجنة يأتي للاستجابة لتوجيهات الحكومة الاتحادية، بضرورة تعزيز مبادئ العدالة والشفافية، وتحقيقاً لفكرة أن كل موظف لدى الدولة، لديه حقوق لا يجوز الانتقاص منها، وعليه واجبات يجب أن يؤديها، وذلك في إطار من مناهج مؤسساتية وأطر قانونية ملزمة للجميع، بما يؤدي إلى تعزيز الاستقرار الوظيفي، وتحقيق التوازن المنشود بين الموظف والجهة التي يعمل بها. ويضيف: إن آلية عمل اللجنة تقوم على الشفافية المطلقة، حيث سيتم إصدار القرارات المتعلقة بالاعتراضات، من خلال تصويت الأعضاء، وسيتم اعتماد القرار الذي يقره نصف الأعضاء زائد واحد، وفي حال تساوى عدد الأصوات، سيتم اعتماد القرار الذي ينتمي إليه صوت الرئيس. وستكون قرارات اللجنة ملزمة وواجبة التنفيذ لكافة الأطراف، علماً بأنه يحق للجنة أن تصدر قرارات، إما بتثبيت العقوبة الموقعة على الموظف، واعتماد ما اتخذته لجنة التظلمات من قرارات سابقة، أو بتخفيف الجزاءات الموقعة عليه في حال ارتأت أنها مبالغ فيها، أو إعادة القرار لجهة العمل، حتى تعيد النظر فيه، كما يحق لها إسقاط العقوبة تماماً إذا ما استقر رأيها، على أن الموظف لا يستحقها، أو في حال عدم كفاية الأدلة على وقوع تقصير يستوجب معاقبته.

ويضيف وزير التربية والتعليم: إن الموظف يستطيع بحكم القانون، أن يتقدم بتظلم خطي إلى لجنة المخالفات في جهة عمله، وذلك خلال مدة لا تزيد على أسبوعين من تاريخ توقيع الجزاء عليه، وفي حال شعر بأنه لم يجد الإنصاف المنشود، يحق له رفع الأمر إلى اللجنة المركزية، والتي تمارس دورها بشكل بالغ الحيادية، مشيراً إلى أن استثناء جزائي الإنذار ولفت النظر الكتابيين مما تنظره اللجنة، يهدف إلى تخفيض الضغط الذي قد يقع عليها، وبالتالي يسمح لها بالنظر في ما لديها من اعتراضات بشكل أكثر تمعناً، ما يتيح لقراراتها أن تكون أكثر حيادية وانسجاماً مع روح العدالة ويجب على الموظف أن يرفع اعتراضه للجنة خلال فترة أقصاها أسبوعان من تاريخ توقيع العقوبة عليه، وفي حال تجاوز هذه الفترة، يصبح قرار لجنة التظلمات في جهة عمله، نهائياً لا رجعة فيه.

أولويات اللجنة

وعن أولويات اللجنة قال القطامي: إن اللجنة المركزية للتظلمات، تضع على رأس أولوياتها الخروج من البيروقراطية، ولن تكتفي بالنظر إلى الأوراق، وقد تستدعي موظفين من جهة عمل صاحب الاعتراض للاستماع إلى شهاداتهم، حول الواقعة محل الاعتراض، كما يحق لها تكليف من تراه مناسباً لتقصي الحقائق، وذلك حتى تصدر قراراتها على أرضية راسخة من الإلمام بمختلف الملابسات. ورداً على سؤال حول انخفاض ثقة صغار الموظفين في أنهم سيجدون من ينصفهم، قال معالي الوزير: إن هذه مشكلة نفسية تراكمت لدى بعض الموظفين، نتيجة لشيوع مقولات غير واقعية، وما أستطيع الجزم به هو أن اللجنة المركزية ستمارس عملها بمنأى عن أية ضغوط، وستسعى إلى تلبية طموحات الحكومة الاتحادية في إقرار العدالة، وتوفير مناخ وظيفي صحي يحظى فيه الجميع بكافة الحقوق، موضحاً أن لجوء الموظف إلى الاعتراض لن يؤدي إلى الانتقاص من حقوقه الوظيفية، ولن يتسبب من قريب أو بعيد في تعرضه لأية مؤثرات سلبية.

قنوات متعددة

من جهتها ترى شمسة سالم الشامسي، موظفة في إدارة التخطيط بالهيئة الاتحادية للكهرباء والماء، أن الحكومة الاتحادية قد خطت خلال السنوات القليلة الماضية، خطوات كبيرة نحو ترسيخ مبادئ العدالة والمساواة، ولم يعد صغار الموظفين يشعرون الآن بأن «ظهورهم للوراء» على حد تعبيرها، فالجميع يتمتع بكافة الوسائل التي تكفل له التظلم والاعتراض ورفع شكواه في حال شعر بالغبن والظلم. وقالت شمسة: إن تأسيس لجنة الاعتراضات بصفة مستقلة عن سلطة أية جهة حكومية سيمنح قراراتها مصداقية عالية، وسيجعل أصحاب الشكاوى والاعتراضات مقتنعين بأن اعتراضاتهم لن يلقى بها في الأدراج، ولن يتم حفظها أو تجاهلها، وهو الأمر الذي سيشيع في أعماق كل موظف لدى الدولة، شعوراً بأنه يمارس عمله وفق مبدأ العدالة، وبأن القانون الذي يحكم العلاقة في ما بينه وبين مرؤوسيه، يملك القدرة على إلزام الجميع بنصوصه، مهما اختلفت مناصبهم ودرجاتهم الوظيفية. وتضيف: إن شعور الموظف بأنه سيحظى بكل حقوقه يعزز إحساسه بالانتماء إلى مؤسسته، وهذا الشعور الإيجابي سيدفعه إلى بذل كل ما في وسعه من جهد لخدمة هذه المؤسسة، ولعل هذا الأمر هو ما يضمن لمؤسسات الدولة أن تحقق ما تصبو إليه من تطوير الأداء، وتحسين مستوياته ومن ثم الوصول إلى هدفها الأسمى والمتمثل في رضا العملاء.

الاستقلالية

وفي نفس السياق قال محمد الحوسني، مدير إدارة الأنشطة الاجتماعية بالمركز الوطني للتأهيل: إن استحداث لجنة تتلقى اعتراضات الموظفين، تمثل خطوة مهمة لفتح قناة مباشرة بين الموظف، في حال شعر بالغبن، وبين جهة مستقلة لا تنتمي إلى مؤسسته، والمؤكد أن تمتع هذه الجهة بالاستقلالية سيعزز الثقة في قراراتها، وسيشيع في نفوس موظفي الدولة، أنهم جميعاً ينضوون تحت مظلة واحدة، ألا وهي مظلة القوانين والقواعد الوظيفية الملزمة للجميع. ويرفض الحوسني فكرة أن يتعرض موظف ما للغبن من قبل مديره بسبب وجود خلافات شخصية، مؤكداً أن شخصنة العلاقات الوظيفية تؤدي بالضرورة إلى تراجع مستويات الأداء، والتأثير سلباً في الخطط التي تنتهجها الدولة للنهوض بالأداء الحكومي وتحديثه. ويضيف: إن الحكومة الاتحادية قد خطت خطوات واسعة، وحققت قفزات غير مسبوقة في مجال رفع معدلات رضا العملاء، وما من شك في أن الموظف الموكول بمهمة تحقيق رضا العميل، يجب أن يشعر هو أولاً بالرضا الوظيفي وبالاستقرار النفسي حتى يتمكن من ممارسة مهام عمله كما ينبغي.

ويختتم الحوسني قائلاً: لكي نكون منطقيين وعقلانيين، علينا أن نعترف بأن بعض المسؤولين ما زالوا يجلسون في أبراج عاجية، وهم يشعرون بأنهم أصحاب السلطة المطلقة، وبأن قيامهم بعقاب موظف ما، أو ترقية آخر، مسألة تخضع للهوى الشخصي، وعلى الرغم من أن مثل هؤلاء المسؤولين لا يشكلون نسبة واضحة في مؤسسات الدولة، إلا أن الدولة في الآونة الأخيرة قد أثبتت بالدليل القاطع ضبط الأداء الحكومي، بحيث يكون كل الموظفين على اختلاف حلقاتهم ودرجاتهم الوظيفية سواسية أمام القانون، وأن الموظف مهما علا شأنه لا يمكن أن يكون «الحاكم بأمره» فالحكم أولاً وأخيراً للقوانين.

رضا وظيفي

قال العميد محمد صالح بداه، مدير إدارة العلاقات العامة في وزارة الداخلية، إن الدولة بتوجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، وبمتابعة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، قد حققت خلال الأعوام القليلة الماضية، إنجازات كبيرة على صعيد تحسين المناخ الوظيفي، وتطوير التشريعات والقوانين التي تضبط العلاقة بين صغار وكبار الموظفين. ويضيف: إن الاستراتيجية الاتحادية للدولة، قد ركزت على فكرة الرضا الوظيفي وتطوير قدرات الموظفين ومهاراتهم، ما يؤكد أن خطوة استحداث لجنة الاعتراضات قد جاءت ضمن سياق متكامل وفي إطار توجه عام يستهدف التأكيد على المساواة في الحقوق والواجبات، وعلى أن العلاقة بين الموظفين على اختلاف مناصبهم ودرجاتهم تخضع لضوابط ملزمة ونصوص قانونية لا تحتمل التأويل. وتابع بداه بقوله: إن النظر في أحكام القضاء الإماراتي، وكذا في قرارات لجان التظلمات في المؤسسات الحكومية، أو في اللجان المحلية، يكشف أن الكثير من القرارات والأحكام، تنصف صغار الموظفين وتعيد حقوقهم، وهو الأمر الذي يعد وسام فخر على صدر الدولة، وتأكيداً على أن الإمارات تتمتع ببيئة وظيفية تتسم بالشفافية والانفتاح.

شفافية

حق اللجوء للقضاء مكفول

قال معالي حميد القطامي، وزير التربية والتعليم رئيس مجلس إدارة الهيئة الاتحادية للموارد البشرية: إن شكوى أي موظف لا يمكن أن تنعكس سلباً عليه، وفي حال تعرض لظلم من قبل أحد المسؤولين من جراء شكواه، فبوسعه أن يعود إلى اللجنة مرةً أخرى لتنظر في شكواه الجديدة، ومن ثم البت فيها.

وأضاف: في حال لم يشعر الموظف بأنه حظي بحقوقه فبوسعه رفع شكواه في ما بعد إلى القضاء العادل، وهو حق مكفول للجميع، وليس هناك ما يحول دون أن يستخدم كل ذي حق حقه.

ورداً على سؤال حول رد فعله في حال تقدم أحد موظفي وزارة التربية بشكوى ضده شخصياً، أكد الوزير أن مبدأ الشفافية المكفول في قوانين الدولة، والذي تؤكد عليه الاستراتيجية الاتحادية، يدفعني إلى القول «هذا حقه ولا ينبغي لي أن أغضب من إجراء قانوني»، مشيراً إلى أنه ليس عضواً في لجنة الاعتراضات، وإنما يرأسها مدير الموارد البشرية في هيئة الموارد البشرية، وتضم في عضويتها عدداً من رجال القانون من ذوي الخبرة والمشهود لهم بالنزاهة.

ثقة

خوف من تردد صغار الموظفين

قال مدحت صبحي، موظف، إن اللجنة التي تتشكل من عدد من كبار مسؤولي الدولة، وتضم في عضويتها عدداً من رجال القانون، ستمثل الغطاء الآمن الذي يلوذ به كل موظف له حق مسلوب، فيما يرى علي العويس، موظف، أن صغار الموظفين قد يترددون في رفع تظلماتهم إلى اللجنة، خوفاً من أن يؤثر هذا التصرف سلبياً عليهم، وهو الأمر الذي يستدعي أن تعلن اللجنة قراراتها على الرأي العام، حتى تكتسب المزيد من الثقة.

وقال مجدي العسال، موظف، إن وجود اللجنة يمثل أمراً مهماً، وإنجازاً يضاف إلى جهود الدولة في مجال تحسين المناخ الوظيفي، مشيراً إلى أن الموظف المتضرر من جزاء ما، يستطيع أن يرفع مظلمته للقضاء، ما يفتح أمامه قنوات السعي لنيل حقوقه، مشيراً إلى أن التجربة المحلية لإمارة دبي، والتي اعتمدت النظام الأساسي للجنة التظلمات، ونجحت في رد الحقوق للمظلومين، يجب أن تكون نموذجاً يحتذى به من قبل اللجنة الاتحادية، فيما يؤكد وسام العايدي، موظف، أن التظلم لدى اللجنة سيكون أشبه برفع أحكام القضاء إلى دوائر قضائية أعلى، حيث سيحظى بالمزيد من التدقيق والدراسة.