بجسد كما البندول خرج (أمين) ليلتها من المقهى متأرجحاً يمنة ويسرة متمتماً ببعض الكلمات غير الواضحة، كلمّا حاول الاقتراب من منزله ابتعد الطريق عنه، حتى رأسه المّثقل ليلتها لم يُفلح سوى بتثبيت خواطر مجهولة المدى. بالكاد كان يُبصر ضوء أعمدة الإنارة من حوله، يسير قليلاً ثم يتكئ ممسكاً بخاصرة إحداهن والتي سرعان ما ترفض فضوله فيذهب إلى أخرى. أمّا روحه المتعبة فقد ناضلت حتى يستجمع بعض من قواه التي تبعثرت على أرصفة الطرقات وسط ضجيج أبواق السياّرات.

أخيراً ترفّقت به قدماه فوقف بعد جهد كمن حطّه السيل من علٍ عند مقعد في إحدى الحدائق العامّة فجلس مُعلناً جسده الانهزام والاستسلام أمام الخبر الذي تلقّاه كالصاعقة في صبيحة هذا اليوم! وبينما هو في شروده الغائر في عصب السكون إذا به يسمع صوتاً خافضاً لم يدرك ماهيّته ولكأنّه الصدى، يقول له: يبدو أن ليلتك عصيبة! حاول ترتيب فسيفساء الصورة التي أمامه فلاح له من بينها وجه امرأة ردّ عليها بصعوبة بالغة: من أنت؟ ومتى جئت إلى هنا؟يمكنك القول بأنني عابرة طريق لا أكثر، أحضر كثيراً إلى هنا، ولا يهم من جاء في البداية بل ما آل إليه حال كل منّا أليس كذلك؟!ابتلع بعضاً من أوجاعه عسيرة الهضم ثم قال: نعم، فأنا الآن بعضٌ من كُل ولقد بِتّ حطاما، حائرا تائه النهُى لا أقوى حتى على القيام!

لابد وأنّه أمر جلل قد فعل بك ما فعل.

هو كذلك يا سيدتي هو كذلك! أثقلني، أتعبني، سابقت فيه الريح وتوّسدت الحريق وامتطيت خيله بلا سرج وأُعُتقت شرارته بخبرٍ فاجأني به اتصال هاتفي من صديقي اليوم، تنهّد بعدها قليلاً ثم لاذ بالصمت.

تابعت هي: إذا أحببت أن تحكي المزيد لتزيح بعضاً من همومك فأنا كُلي آذان صاغية.

وما ذنبك أنت حتى أزُجّ بك في تلك المتاهات وأذيقك بعض من هذا الحنظل.

لا عليك فأنا لست متضايقة أبداً كما إنني ذات حصون منيعة من مثل هذا فلا تحمل همّي.شكراً لك وأنا لا أخفيك شعرت بنوع من الأريحية في الحديث معك، وكأنّ الله أرسلك لتخففّي عنّي.

لا بأس إذاً سأكمل..آه يا سيّدتي، هل داهمتك جيوش القشعريرة يوماً فرفعت معها رايات من شجن باح الغمام به ندىً معسولا واقتُلِع ضِرس عقلك فاستشعرت وجع القصيدة حين تداعبها الأنامل، أو تنهّدت كالبحر موجة فموجة وتفيّأت ظلال فردوس أرضها مسك ومزاجها زنجبيلا ثم سموت إلى عوالم مهرجانات كاملة الدسم والكثير من ذات الإبحار.

قالت بنبرة فضولية: ما كلّ هذا؟

ألم تسمعي برحيق العشق المعتّق، ذاك الذي فحواه استبسال وحِما وحمّى!ضحكت ثم قالت: لقد سمعت بالـ.. أقصد بشيء آخر معتّق.

جاوبها بنبرة استياء: فهمت ما تعنين، أرأيت ها أنت منذ البداية تسخرين منّي!

ـكلاّ أنا فقط أمازحك حتى تتناسى قليلاً.

خففّ من لهجته الحادّة ثم واصل قائلاً: لا تتعجّبي، فهكذا كانت (بلقيس) يا سيدتي، (كالسيف اليماني) تقطع حزن أوتاري، (كمهر جموح) يتسلّق صهيلها أهداب ليلي ونهاري، ويكفيني بأنّها تُحيلني في لحظة إلى إنسان يستشعر عظمة الحواس الخمس. هي باختصار شديد (أنثى) وسأصدقك القول ليست كُلّ امرأة تحمل معنى (الأنوثة الحقيقي).

تغيّر مناخها وكأنّها تشير إلى امتعاضها من عبارته الأخيرة، لكنّه كان سريع الملاحظة والبديهة فأدرك غيرتها اللحظية فتعجّل قائلاً: وأنت كذلك تبدين أنثى ذات غيث يسقي الأرض حُلما. جرفت هذه العبارة كتل الثلج المتراكم على غصونها اليابسة وكان لها وقع الموسيقى على مسامعها المتحجرة، وبينما هي في سياحتها الوارفة الظلال قاطعها قائلاً: فيما شرودك؟ ألا تريدي أن تعرفي بقيّة قصّتي؟!

لاشيء! نعم، نعم بالطبع، واصل.

تابع قائلاً: بين عشيّة وضحاها فقدتها وأمسى كُلّ ذلك صرحا من خيالٍ فهوى! فقد سمعت اليوم بأنّها تزوّجت فطرق الخبر كالناقوس في محرابي. للأسف لم يُمهلني أهلها حتى أستعيد أنفاسي وتوازني وها قد أصابني ما أصابني وهو ليس بخافياً عليك.

فما حياتي بعدها إلاّ الفنا.. فعليها وعلى الصبر سلام.

ــ كُل شيء مقدر وإن كنت تحّبّها حقّاً فستجد لها الأعذار. من يدري ربّما تدور دائرة الأيّام وتكون غداً لك هذا بالطبع إن وقف القدر بجانبك.

تحررّت منه بعض التأوّهات الحبيسة التي بللّها بندى إجابتها تلك فطفق يعاود إصلاح تفكيره المحطّم قائلاً: نعم ربّما، أشكرك حقّاً لقد جددت بعضاً من خلايا جسدي الميّتة التي أتلفتها أخرى!

عجبي! كنت قبل قليل تمدحها فما بالك قد قلبت ظهر المجن عليها!

من تعنين بذلك (بلقيس)؟ ابتسم ثم قال: وهل أستطيع حتى خدش طيفها؟! فأنا اقصد بحديثي هذا امرأة غيرها.

توسّعت حدقتا عينيها كقدور النحاس ثم قالت: ماذا؟! أوهناك غيرها؟! يا للطمع، ألا تكفيك واحدة يا رجل؟!

سيدتي، هلاّ تريّثتي قليلاً، الأمر بعيد تمام البعد عمّا تظنّين، فلست بزير نساء وقصدت بالأخرى زوجتي (إيريكا) التي وصلت معها إلى طريق مسدود. كلانا من بلد وبتفكير وعادات مختلفة، فنحن منذ البداية كخطين متوازيين، قد بات ما بيننا منتهي الصلاحية ولا أمل في إعادة نبضه!