وسط دهشة العالم الذي يقع الكثير من دوله تحت ضغط الخوف، والجوع، والحرب، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة عن تبنيها لنهج مختلف تماماً، لا علاقة له بالإنجازات العمرانية أو الإنشائية التي تشتهر بها الدولة وتتميز بسرعتها عن غيرها من الدول المتقدمة، ولم يتضمن مبادرات دولية، أو تعليمية، أو تجارية، أو سياحية أو غيرها، بل غطاء كامل لكل أوجه الحياة، يجعل لكل تلك الإنجازات والمبادرات طعما وأهمية، غطاء يبحث عنه الجميع في هذه الحياة بلا استثناء يتمثل في «السعادة» التي تعد ملاذ الروح وسكينة الانسان ودافعه للاستمرار والعطاء والابداع، وهو هدف لكنه في الوقت ذاته نتيجة يمكن تحقيقها والوصول إليها بحسب تأكيد المسؤولين عنها، لتكون «أسلوب حياة» لا «هدفا»، وهي بالطبع لها مسؤولون، بل ووزيرة ووزارة لضمان تحقيق هذا الاسلوب والهدف، إذ جاء انشاء «وزارة السعادة» لمواءمة خطط الدولة وبرامجها وسياساتها كافة لتحقيق سعادة المجتمع.
هدف أساسي
ولا يقتصر الهدف الاساسي لهذه الوزارة على إسعاد الشعب، بكل فئاته المتنوعة، بل والوصول بالإمارات لتكون الأولى على مستوى العالم في السعادة، أي أن يكون شعبها الأسعد في العالم، وتم الإعلان عن تشكيل وزارة السعادة ووزيرتها معالي عهود الرومي خلال فبراير من العام الماضي، وتلاه في مارس إعلان معالي الرومي عن البرنامج الوطني للسعادة، ليكون بمثابة خارطة طريق لتحقيق هذا الهدف وجعله واقعا لا مجرد شعارات.
برنامج وطني
وعند إعلانها عن البرنامج الوطني للسعادة، أكدت معالي عهود الرومي وزيرة دولة للسعادة أن السعادة باتت موضوعا علميا لا مجرد شعار أو توجه، وأن الحكومة تؤسس لتجربة جديدة تتجاوز الأبعاد الفلسفية للسعادة إلى الجانب العلمي، فالسعادة مجال للبحث والدراسة والقياس يستند إلى أدوات علمية، مبينة أن أكبر الجامعات حول العالم وأكثرها عراقة كـ «هارفارد» تّدرس السعادة، ولديها 29 بروفيسورا لتدريسها في كلية الطب، ويوجد في موقع أمازون 78 ألف عنوان يتناول هذا الموضوع، إضافة الى 58 محاضرة في «TED» عن السعادة يشاهدها ما يقارب 100 مليون شخص، اضافة الى مؤسسات وجهات عالمية تقيس وتقيم مستويات السعادة لدى مختلف الشعوب.
وأكدت آنذاك أن الإمارات تحديداً لها خطط وبرامج وسياسات لتتوافق مع هذا المفهوم، والحكومة فيها متضامنة لتقديم السعادة سواء على الصعيد المحلي أو الاتحادي أو الخاص، وأن الحكومة الاتحادية فيها ما يزيد على 50 جهة متنوعة، وتضم أكثر من 90 الف موظف، وميزانيتها تصل إلى 48.5 مليار درهم كلها مسخرة لتحقيق السعادة لمجتمع الإمارات، مؤكدة في الوقت ذاته أن السعادة برأيها هي: السعادة المستدامة التي تبقى للأجيال المقبلة، وهي التي يتم فيها حفظ حقوق كافة فئات المجتمع.
محاور
وينقسم البرنامج الوطني للسعادة إلى ثلاثة محاور رئيسية، الاول: السعادة والإيجابية في العمل الحكومي، ويتناول العديد من المبادرات التي ستقوم بها الحكومة لتعزيز بيئة السعادة والإيجابية والارتقاء بمستوى الخدمات لإسعاد الناس، وتحويل مراكز خدمة المتعاملين إلى مراكز سعادة المتعاملين، وتحويل مسميات موظفي خدمة المتعاملين إلى موظفي اسعاد المتعاملين، واطلاق ميدالية «ابطال السعادة والإيجابية» لتكريم موظفي الصف الأمامي، واصدار دليل سعادة المتعاملين، وقياس سعادة المتعاملين، والثاني: السعادة والإيجابية كأسلوب حياة، ويتناول تعزيز السعادة والإيجابية في المجتمع عبر إطلاق العديد من المبادرات المجتمعية، وتحفيز السعادة المؤسسية في القطاع الخاص، واطلاق جائزة اسعد بيئة عمل لمؤسسات القطاع الخاص في الدولة، واطلاق تصنيف مؤسسات القطاع الخاص في الدولة بحسب مستوى السعادة، والثالث: قياس السعادة والإيجابية عبر إطلاق مؤشرات لقياس التقدم في السعادة والإيجابية، وتنفيذ مسوحات خاصة، وتصميم مؤشرات، واعداد تقرير سنوي للسعادة، وعمل مسح عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
كما أن محور قياس السعادة والايجابية سيقيس لدى الأطفال كلاً من: الخدمات الصحية، والاستقرار السكني، والوالدين، وبالنسبة للمراهقين سيقيس: التعليم، والاصدقاء، والرياضة، وبالنسبة للشباب: فرص العمل، والخدمات الصحية، والاستقرار السكني، والزواج، ولكبار السن، خدمات التقاعد. وتم في المرحلة الأولى التركيز على الحكومة لأنها المكلفة بتهيئة البيئة المناسبة لإنجاح جهود تحقيق السعادة والإيجابية في المجتمع، حيث ان معظم المبادرات الخاصة بالحكومة تأتي من أجل تكريس البرامج والسياسات الايجابية في الحكومة الاتحادية، نظرا لأهمية بيئة العمل، إذ أن الدراسات العالمية تشير إلى أن الموظف السعيد يقدم ضعف انتاجه، ويشعر بالطاقة والحيوية 6 مرات أكثر من غير السعيد، ويستغل ثلث اجازاته المرضية فقط، ويركز بنسبة 80% على عمله، فيما أن الموظف غير السعيد يركز على عمله بنسبة 40% فقط، وتخسر مؤسسته بسببه 100 يوم عمل أي نحو ثلاثة شهور ونصف.
وظيفة الحكومات.. سعادة المجتمع
تعتبر حكومة دولة الإمارات أن السعادة هي وظيفة مهمة بالنسبة للحكومات، وأن الوظيفة الرئيسية للحكومة هي إيجاد السعادة، ففي عام 2011 شجعت الأمم المتحدة الدول الأعضاء للنظر إلى السعادة كنهج شمولي للتنمية، وترى الحكومة أن دورها هو خلق مناخ يمكن للناس الازدهار فيه ويمكنهم الاستفادة من أقصى طاقاتهم، والاختيار بأن يكونوا سعيدين لأن السعادة خيار داخلي، لذلك تعي الدولة أن خلق المعرفة أمر هام لمساعدة الناس على اتخاذ قرارات صائبة ليكونوا سعيدين في حياتهم.
ميثاق وطني
وفي هذا السياق، اعتمد مجلس الوزراء برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الميثاق الوطني للسعادة والإيجــــــابية والذي ينص على التزام حكومة دولة الإمارات من خلال سياستها العليا وخطــــطها ومشاريع وخدمات جميع الجهات الحــــــكومية على تهيئة البيئة المناسبة لسعادة الفرد والأسرة والمجتمع وترسيخ الإيجابية كقيمة أساسية فيهم مما يمكنهم من تحقيق ذواتهم وطموحاتهم.
كما اعتمد مجلس الوزراء مجموعة من المبادرات والمشاريع ضمن البرنامج الوطني للسعادة والإيجابية الذي عرضته معالي عهود بنت خلفان الرومي، سياسات وبرامج وخدمات لموظفي الحكومة لخلق بيئة العمل الحكومية الأسعد عالميا ويتضمن البرنامج رئيسا تنفيذيا للسعادة والإيجابية في الجهات كافة وإنشاء مجالس للسعادة والإيجابية في الجهات الاتحادية وتخصيص ساعات لبرامج وأنشطة السعادة في الحكومة الاتحادية وإنشاء للمكاتب الإيجابية والسعيدة، كما يتضمن البرنامج الذي اعتمده مجلس الوزراء تحويل مراكز خدمات المتعاملين لمراكز سعادة المتعاملين، وبرامج لتغيير ثقافة الموظفين من خدمة المتعاملين لإسعاد المتعاملين بالإضافة لتصميم مؤشرات ومسوحات وتقارير سنوية لقياس مستويات السعادة في كافة القطاعات.
وتعمل حكومة الإمارات على ركائز مهمة للوصول إلى حكومة سعيدة وسياسات وبرامج وخدمات ومناخ للعمل لجعل السعادة نمط حياة، فعلى سبيل المثال الخدمات الحكومية يمكن قياس سعادة المتعاملين فيها ومدى رضاهم بشكل واضح.
قياس
تعتمد الوزارة في قياس السعادة على أدوات قياس السعادة والتقارير العالمية، وتعمل على تطوير الأدوات الخاصة بها والتي تتناسب مع خصوصية دولة الإمارات لقياس السعادة بطريقة علمية وبكفاءة عالية، وتسعى لمعرفة ما يسعد كل فئة في المجتمع لتتمكن من تطوير سياسات وبرامج.
16
اعتمد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، أجندة دبي للسعادة التي تضم 16 برنامجاً رئيساً ضمن أربعة محاور، وتتضمن 82 مشروعاً يتم تنفيذها على مستوى مدينة دبي. وستعتمد أجندة السعادة أساليب عالمية منهجية وعلمية فريدة من نوعها لتعزيز سعادة المدينة بأسرها، وتتشعب مضامير أجندة السعادة لتتجاوز المفاهيم التقليدية للسعادة المقصورة على رفاه المجتمعات، وتذهب إلى أبعد من ذلك لتفرض الاستجابة لاحتياجات الأفراد الحياتية اليومية، وتشمل تجارب المدينة بأبعادها كافة. ولتحقيق السعادة على مستوى المدينة ككل.
رسالة
تتمحور رؤية البرنامج الوطني للسعادة حول أن تكون الإمارات أكثر الدول سعادة في العالم، ورسالته: أن تكون السعادة أسلوب حياة والهدف الأسمى للعمل الحكومي في الدولة، ويتضمن 7 أهداف هي: مواءمة خطط الدولة وبرامجها وسياساتها وتشريعاتها لتحقيق الإيجابية وسعادة المجتمع، وتحفيز الجهات الحكومية والخاصة لإطلاق وتبني المبادرات والمشاريع والسياسات لتحقيق السعادة والإيجابية والتنسيق مع الجهات المعنية لتنفيذها، وترسيخ ثقافة السعادة والإيجابية كأسلوب حياة في الدولة ونشر الوعي بأهميتها، وتطوير مؤشرات لقياس مستوى السعادة في الجهات الحكومية وعلى مستوى الدولة، ومتابعة أداء الدولة في مؤشرات السعادة العالمية، والترويج للدولة وتعزيز سمعتها كمركز عالمي للسعادة والإيجابية.
01
تصدرت الإمارات الدول العربية في السعادة، بحسب التقرير الدولي الذي يصدر تحت إشراف الأمم المتحدة، عن مؤشر السعادة، وحصلت على المرتبة 28 عالمياً بين الدول الأكثر سعادة، لتحتل بذلك طليعة الدول العربية والخليجية.
وأعلنت الأمم المتحدة رسمياً في تقرير السعادة العالمية 2016، أنها وجدت الدنماركيين أسعد شعوب الأرض، في دراسة شملت 156 دولة، وذكر التقرير أن «رفاهية الإنسان يجب أن تراعى من خلال اتباع نهج شامل يجمع بين أهداف اقتصادية واجتماعية وبيئية». ويصنف التقرير، الدول حسب سعادة مواطنيها ورفاهيتهم الشخصية. وتم هذا العام وللمرة الأولى إضافة معايير لتقييم مدى السعادة على أساس تداعيات انعدام المساواة في المجتمعات.
مؤشر
يعتبر قياس مؤشر السعادة واحدا من مبادرات دبي الاستراتيجية الأولى «المدينة الذكية»، وهي المبادرة الأولى على مستوى مدن العالم، ويمثل المؤشر أداة قياس لهدف السعادة، وهو أكثر من مجرد أداة لتجميع التغذية الراجعة عن التجربة، فمن خلال لوحة البيانات المركزية، من الممكن رسم خارطة سعادة لمختلف أنحاء المدينة تسمح للقطاع الخاص والمؤسسات الحكومية المستضيفة لنقاط تواصل الخاصة بمؤشر السعادة من أجل ربط وتصنيف تجربة العملاء مع القطاعات الصناعية والمناطق الجغرافية، إضافة إلى التمييز بين التفاعلات المباشرة والتفاعلات من خلال الإنترنت.

