حين استمعت إلى الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة وهو يتحدث في القمة الحكومية التي اختتمت أعمالها أمس الأول بدبي عن كثير من قضايا الوطن والمواطن أدركت مدى ما نحن مقبلون عليه وما سوف ينفتح علينا من أبواب المستقبل وما ينتظرنا من نتائج إيجابية نتيجة حسن التخطيط الذي ظهر في حديثه من خلال الوقوف على حجم التحديات المحيطة بنا محلية وإقليمية وعالمية وكيفية معالجتها حتى لا نفاجأ بها على حين غرّة .. لقد كان حديثاً بقدر ما فيه من تركيز على كثير من التحديات الكبيرة بحجم كبر المرحلة القادمة بقدر ما هو مفعم بالأمل والانفتاح والتفاؤل.

حب الوطن

حين استمعت إليه بقلب وعقل مفتوحين وحللت مفاصل حديثه عرفت مدى ما عليه قيادتنا من حب لوطنها وشعبها وما تتسم به من حنكة وحكمة وحسن تدبير وفهم ومعرفة بحجم التحديات المستقبلية المحيطة بنا خاصة في التحدي الأكبر الذي ربما نتجاهل حجم تأثيراته المستقبلية ولربما لا نريد أن يطرق سمعنا شيء من الحديث عنه وهو تأثر ثروتنا الأساسية وهي البترول بعوامل مصيرية وذلك لكونها قوام اقتصادنا وسبب حجم التغيير الكبير الذي طرأ على حياتنا لذلك نحاول أن نسد أسماعنا عما يمكن أن يشير بأن وقتاً قادماً ستشهد فيه هذه الثروة كساداً أو نضوباً ولكنني رغم ذلك الذي تخوفت منه حين طرح سمو الشيخ محمد بن زايد هذا الأمر لكوني عشت جزءاً من التغيير الكبير الذي حدث لنا بسببه خاصة وقد حدد سمو الشيخ محمد بن زايد وقتاً لا يتعدى خمسين سنة لتأثر هذه الثروة بعوامل قادمة وما أقرب هذا الرقم في حياة الأمم والأجيال ولكنني اطمأننت بل سعدت حين أكمل بقوله إنه حين ترحل آخر سفينة محملة بآخر برميل من البترول عندها سنحتفل بهذا الحدث وذلك نظراً لما تقوم به القيادة من إجراءات عملية وفاعلة من خلال التركيز على أهم ما يمكن أن يساهم في حل هذه المعضلة وهو التعليم بجميع مشتملاته للوصول إلى جودة مخرجاته وتعدد هذه المخرجات.

وقد طمأن سموه الحضور على ما اتخذ من إجراءات كفيلة بتحقيق هذه النتيجة المستهدفة في مستقبل الدولة وقد ذكر سموه بعضاً من الأرقام الإيجابية في كثير من المجالات إذ ليس بغريب على الدولة أن تصل إلى هذا المستوى المتقدم من المعالجات والازدهار نتيجة ما حققته من تنمية بشرية وعمرانية واقتصادية واجتماعية وغيرها من أوجه ومجالات على كثير من المستويات والأصعدة وعلى سبيل المثال أذكر أنه في عام 1972م عندما تخرجنا من الثانوية العامة لم يكن في دبي سوى ثانويتين فقط والآن لو نظرنا إلى التنمية التعليمية في الإمارة لوجدنا أعداداً كبيرة من المدارس والكليات والجامعات وبما يفوق التوقع أليس ذلك ما يلفت النظر ويطمئن الإنسان على مسيرة الدولة وتوجهها إلى مستقبلها بإمكانية وقدرة مما يساهم في تحقيق الأهداف والغايات المرسومة وما يبشر بالخير على هذا الصعيد التنموي في هذا القطاع البشري الهام والحساس الذي أولته الدولة أهميتها ورعايتها مما حققت به مستوى متقدماً بين جميع الدول ..

 لقد أبان المتحدث عن أن منهج القيادة كان مستمداً من مؤسسها الأول الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله وظل هذا المنهج نهجاً سارياً على يد الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة ،حفظه الله، يستهدي به في قيادته الحالية بما يعني أن المنهج والنهج ذو جذور ضاربة في أصالة الماضي وتراث الوطن وقيم الآباء وليس بطارئ على ذلك أبداً.

فرص الإبداع

لقد أبان المتحدث عن مدى حب القيادة لمواطنيها والاعتماد عليهم وتوفير الفرص لإبداعاتهم حيث إن ذلك يعد أصلاً مكيناً من أصول فكر هذه القيادة الذي صاغه مؤسسها الأول الشيخ زايد بن سلطان ،رحمه الله، وذلك حين سأله صحفي أجنبي بأنه يدلع المواطن فرد عليه رحمه الله: (بأن هناك فرقاً بين الدلع وأداء الواجب تجاه المواطنين فهؤلاء أبناؤه وأنه يقوم بواجبه تجاههم مما يستوجب منه الصرف عليهم وتوفير متطلباتهم) مما كان من نتيجته كما يرى المتحدث أنه بعد مرور مدة من الزمن وعندما حدث ظرف احتلال الكويت الشقيقة تسابق هؤلاء الأبناء على تلبية نداء الواجب للدفاع عن الوطن وانخرطوا بحب وأريحية في أداء هذا الواجب الوطني حيث تقدم لهذه المهمة أعداد فاقت ما كانوا يتوقعونه وأصروا على الانخراط في سلك التجنيد رغم كبر سن بعضهم ويتكرر اليوم المشهد بذات الصورة حيث إنه لما أصدرت القيادة نظام الخدمة الوطنية تدفقت جموع المواطنين على الالتحاق بها رغم أن بعضهم كان معفياً قانوناً منها بحكم أن كلاً منهم الولد الوحيد لوالديه لكنهم رغم ذلك أصروا على الالتحاق بهذا الواجب وتلبية نداء الوطن كما أن هناك من تمنعهم بعض الظروف المرضية من ذلك لكنهم أصروا على القيام بهذه الخدمة الوطنية السامية ووجه لهم الشيخ محمد بن زايد الشكر ولوالديهم معهم الذين أحسنوا تربيتهم على حب وطنهم وقيادتهم.

كان مشهداً من الحديث ينم عن شيء كبير من الإيجابيات والإنجازات والتفاؤل بما هو قادم في مستقبل الأيام مما يعني أن الدولة لم تخسر في استثمارها في عناصرها المواطنة الذين كانوا عند حسن الظن بهم عندما يتطلب الواجب مشاركتهم ومساهمتهم ولقد أحسنت الدولة في هذا الاستثمار الذي تخطت به حدود المألوف إلى ما يلفت النظر إذ حققت فيه أرقاماً كبيرة من التنمية.

إضافة كبيرة

كان حديث الشيخ محمد بن زايد إضافة كبيرة على مشهد القمة الحكومية ورائعاً إلى حد ملفت للنظر والعقل معاً فيما تضمّنه من حقائق وأرقام وإن كان المتحدث في بعض الأحيان لا يعول كثيراً على أهمية ومصداقية الأرقام في بيئة مثل بيئة الإمارات التي تسبق فيها الأخلاق والقيم والحب نطاق الأرقام ولربما تجاوز الواقع فيها كثيراً من هذه الأرقام ..كان يبين جلياً في حديثه الاهتمام بالعنصر المواطن وإعطائه الأولوية في الرعاية والعناية لمدى يقين المتحدث بما يشكله هذا العنصر من أهمية في عملية التنمية والبناء المستقبلية وتحصينهم من المؤثرات الخارجية لكونهم الثروة الحقيقية للوطن.

كان حديثاً فيه شيء كبير من الفهم والعمق والتحليل والتفاؤل والثقة بموعود الله ثم بمدى ما تقدمه القيادة من فكر وعمل وما تتسم به من حب لأبنائها وتسخير للثروة لبنائهم وتنمية قدراتهم مما يبين عن مدى ثقة القيادة في أبنائها ومواطنيها ومدى التلاحم الفطري الذي يتصف به الطرفان مع بعضهم البعض، لقد كانت جلسة تقدير لدور الشعب وإنجازاته وإخلاصه وجلسة مكاشفة ومصارحة قيادية منقطعة النظير أحسّ بها الجالسون والمشاهدون على الشاشات وكشفت عن مدى ما تتسم به القيادة من حب لشعبها وتفان في خدمتهم والاهتمام بهم وتقديم ما ييسر لهم حياتهم ويبني مستقبلهم في ظل أوضاع محيطة صعبة استطاعت القيادة أن تطوعها وتتجاوز سلبياتها لصالح شعبها حتى غدت الدولة واحة أمن واستقرار وازدهار وعمل وبناء وتقدم.

مقاطع مفصلية

ومن يتمعن في حديث الشيخ محمد بن زايد يقف على مقاطع مفصلية فيما تشعر به القيادة وما تتخذه من قرارات وإجراءات لصالح البلاد والشعب وما تتكلفه من عناء من أجل بناء مستقبل هذه الدولة ولصالح شعبها وأبنائها.

لقد أبان الحديث عن معنى الحب السامي الذي تحمله الدولة لكل أبنائها ومدى ما يبادله الأبناء لقيادتهم وبلادهم من حب وتفان وضرب أمثلة ببعض رجال الأعمال الذين حينما أرادت القيادة شراء آلاف من السيارات بسبب حرب الكويت وأرادت أن تدفع فاتورة شرائها أبى مالكها أن يستلم شيئاً من ذلك واعتبره واجباً عليه يشارك به في خدمة بلده.

وذكر المتحدث الشيخ محمد بن زايد بشيء من الفخر والعرفان مدى ما قدمته بعض الشخصيات الهامة في بناء الدولة أمثال معالي الأستاذ أحمد خليفه السويدي ومحمد الحبروش كدليل على ما تشعر به القيادة من تقدير للذين قاموا بجهد كبير في العمل الوطني وبناء دولتهم في أي مرحلة من مراحل البناء وكانت تلك لفتة مهمة وثمينة نالت استحسان الحاضرين والمتابعين بأن يبقى جهد من خدموا في إطار اهتمام القيادة ورعايتها لا يمكن أن ينسى.

كان حديث الشيخ محمد بن زايد مليئاً بكثير من المعلومات والمعارف ويمكنني أن أعتبره وثيقة وطنية هامة أبانت عن فكر القيادة وتوجهها ومدى ما يمكن أن تحققه في مستقبل الأيام مما ينتظره الشعب منها والذين شعروا بكل أريحية واطمئنان بأن دفة السفينة بيد أمينة ومدركة لخطورة المرحلة وما تتطلبه من بناء وتكاتف وتنمية شاملة لتبقى دولة الإمارات في مركزها المتقدم بين الأمم والشعوب.