يعتقد البعض أن مدن المستقبل التي تم تسليط الضوء عليها على مدار 3 أيام في القمة الحكومية الثالثة في دبي، ستكون مجرد طرق ومبانٍ مدججة من أجل استيعاب الروبوتات الآلية وطائرات بدون طيار، إلا أن كينت لارسون، مدير علوم المدن بمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا، فاجأ الجميع بتصور مختلف لتلك المدن قائم على نموذج يحاكي أسلوب القرون الوسطى في تصميم الأحياء السكنية التي كانت بسيطة وسهلة الحركة، مفسراً ذلك بأن الماضي دوماً هو من يحمل أسرار المستقبل. لذا فإن المدن المقبلة ستصمم من أجل الناس وليس الآلات.

«إعادة تغيير الفضاء المكاني هو المستقبل»، و«مهمتنا تكمن في العمل لأجل الناس»، أمران طغيا على حديث واهتمام البروفيسور كينت لارسون، يوم أمس، خلال اليوم الختامي للقمة الحكومية الثالثة، بمدينة جميرا، متحملاً مسؤولية بناء مجتمعات مدنية أكثر فاعلية، وأقل ازدحاما، في حديث وُسم بعنوان «مدن المستقبل: دور التكنولوجيا في تغيير نمط الحياة والعمل والتنقل». مدللاً كينت على مشاريعه وأبحاثه برسوم بيانية ونماذج من قطع لعبة «الليغو»، وأخرى ثلاثية الأبعاد. فضلا عن استفاضته في عاملين محددين يشكلان مفهوم المدن الابتكارية، مثلهما بـ «الكثافة» و«القرب».

تصاميم كينت التي يصفها البعض بأنها مذهلة تعكس رأيه، من حيث صعوبة تحديد ماهية معنى الابتكار، لذلك فإنه وبطبعه يتجه للنظر للمساحات والأماكن التي يمكن إسقاط المدن عليها، لافتاً أن القرب والكثافة لا يقصد بهما المساحة الجغرافية فحسب، من جانب التوزيع الديموغرافي بالنسبة إلى الوصول للخدمات الترفيهية، والصحية، والخدمية وغيرها، بل أيضا من جهة تنوع تلك الخدمات من ناحية كون الجهات التي تقدمها شركات ناشئة أو رائدة، خاصة أو حكومية. إلى جانب التنوع الذي يطال المتعاملين من كونهم من الفئات الشابة أو المتقدمة في العمر، وهكذا.

مشاريع حقيقية

استند البروفيسور، الذي يتسلم زمام إدارة مجموعة «المختبرات الإعلامية لتغيير المنازل»، خلال جلسته، إلى تطبيقات ونماذج ومشاريع حقيقية عمل وفريقه على تصميمها، مؤكداً عبر معظم الأمثلة أن فئة الشباب هي الأكثر تقبلاً للتغيرات التي يفترضها لتقليل المساحات، على سبيل المثال، بينما المسنون كانوا أكثر تحفظاً، وهنا يبرز عامل جديد يمكننا إدراجه ضمن العوامل الخاصة بالمدن الذكية، أو المستقبلية، وهو مراعاة احتياجات واهتمامات العميل.

وأخذا بعين الاعتبار الكثافة السكانية التي وازاها ارتفاع عدد المركبات، التي نجم عنها الازدحامات المرورية الخانقة، التي تقاسيها الصين كمثال واقعي، طرح كينت عدة مشاريع تعتمد في جوهرها على «سهولة التنقل» و«القرب من أماكن العمل بالنسبة للأشخاص»، بحيث تكون تلك الوحدات أو المجمعات السكنية مرنة من ناحية التنقل، لاسيما عبر السير بالأقدام، حينها لن يحتاج القاطن لمركبة يستثمرها كوسيلة مواصلات.

وفي حال تم الاهتمام والتحكم بحركة الكثافة السكانية وقربها من أماكن العمل، وذلك على نحو مناسب، فإن استهلاك الموارد سيقل بالنسبة إلى الفرد الواحد.

الكثافة السكانية

تدرجت الكثافة السكانية بالنسبة إلى الوحدات السكنية عبر الزمن، وهو مثال طرحه كينت، بدءا بالقرون الوسطى، في أوروبا أو أميركا اللاتينية، حيث كانت المباني قريبة، ويمكن القول أنها لصيقة ببعضها البعض، لكن مع توسع النمو بمرور الوقت، انتشر عموم الأفراد في استقرارهم وتوزيعهم بين الوحدات.

وفضَّل المتحدث أخذ مدينة باريس، مثالا محددا، التي تحولت بعد نموها لمناطق مختلفة نتيجة الثورة الصناعية والنشاط الإنساني.

 ليتسارع نمو شبكات الطرق، ويزداد انتقال الأفراد بين قطاعات الصحة والتعليم وغيرها، ناهيك عن انتقال أماكن إنتاج الأطعمة، وبالتالي الاضطرار إلى نقلها من أماكن بعيدة وصولا للمدينة، ما أدى إلى تطور وسائل المواصلات وصولاً لاختراع السيارات. وبالمقابل، رأى كينيت أن توزيع الخدمات، والربط بينها من خلال شبكات طرق سريعة، كما يتم في الصين ذات الكثافة السكانية، أدى إلى ازدحام السير.

اقتصاد لا مركزي

قد يلحظ متابعو جلسات القمة تقاطع أفكار البروفيسور كينت لارسون مع رأي كيفين كيلي، الشريك المؤسس لمجلة «وايرد»، الذي أبداه خلال اليوم الأول من جلسته في القمة الحكومية الثالثة، بضرورة انتهاج استراتيجية الاقتصاد الحر بلسان كينت، أو كما سماه كيلي باللامركزية والمشاركة، من جهة توفير كافة الموارد للأشخاص بالابتعاد عن الملكية الخاصة نحو المشاركة، وهو مفهوم يؤمن به كينت وطلابه من الشباب، كسيارات تتوفر حسب الطلب، وبنية تحتية مرنة للقطارات، يمكن تغييرها باستمرار.