قال د. إيريك براينيولفسن، مدير مركز الاقتصاد الرقمي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إن الثورة الرقمية التي يعيشها العالم تمضي قدماً في طريق تقليل الاعتماد على العنصر البشري في الكثير من النشاطات الصناعية والفكرية والاجتماعية، وأن المستقبل القريب سيشهد ولادة أجيال من الرجال الآليين القادرين على التفكير والتصرف والعمل بسرعات تفوق قدرات البشر، لافتاً إلى التقنيات الذكية خلقت تطبيقات وخدمات تقدر قيمتها بحوالي 300 مليار دولار هي غير مدرجة فعليا في حسابات الناتج المحلي الأميركي.
واتسون الخارق
وأشار إلى ان الكمبيوتر الخارق واتسون الذي طورته شركة آي بي إم نال شهرة بعد تحقيقه فوزاً تاريخياً في برنامج مسابقات أميركي عام 2011 يمكن أن يتيح إمكاناته الضخمة للعمل في مجال خدمة العملاء وكذلك عمليات التشخيص الطبي قبل الذهاب إلى الطبيب، وغيرها الكثير من المجالات الحيوية.
ويمكن أن يطرح الحاسوب للعمل على الخطوط الساخنة ويقدم الدعم لزملائه من البشر وفقا للشركة التي أشارت إلى أن واتسون يمكنه فهم لغة البشر، كما يمكن استخدامه من قبل أي شركة لديها الاستعداد لدفع نحو ربع مليون يورو.
واستعرض د. إيريك براينيولفسن، في جلسة بعنوان «كيف ستسهم الثورة الرقمية في إعادة رسم ملامح الاقتصاد العالمي»، ضمن فعاليات اليوم الأول للقمة الحكومية، التحدي الذي يواجه الحكومات في خضم التطور المتسارع الذي يشهده العالم الذي يتجه بشكل متزايد نحو الاقتصاد الرقمي، ونموذج الاقتصاد المستقبلي المستند إلى الثورة التكنولوجية الهائلة التي مر بها العالم خلال العقود السابقة. وأشار ايريك إلى ان الإنجاز الأهم هو قدرة أجهزة الذكاء الاصطناعي على صياغة القصص أو الكتابة وترجمة الصوت إلى نص، وهو ما اصبحنا نراه في بعض المواقع الإخبارية.
تطبيقات مجانية
وقال ان التقنيات المتطورة سمحت بأن يضع الفرد عشرات التطبيقات مجانا في هاتفه المحمول، فسابقا كانت تقنية التتبع بالاقمار الصناعية تكلف آلاف الدولارات لحملها عبر أجهزة كبيرة، أما الآن فهي موجودة في الهاتف الذكي بشكل مجاني، اضف إلى ذلك المئات من التطبيقات المتاحة مجانا سواء للأغراض الطبية او الترفيهية او المعلوماتية.
وأوضح ان هذه الخدمات التي تتاح عبر التطبيقات تبلغ قيمتها 300 مليار دولار لا تدخل في حسابات الناتج المحلي الأميركي على سبيل المثال. وهو ما يجعل هناك ثغرة كبيرة بين الواقع الرقمي وما يمثله من حركة اقتصادية وحجم وحساب الناتج المحلي للدول.
قوى فاعلة
وأشار براينيولفسن إلى أن تغيير العالم يخضع لشرطين هما: القوى الفيزيائية التي تحرك وتغير الأشياء، والقوى العقلية التي تتحكم وتقرر ما الذي ينبغي فعله وكيفية القيام به، وقال إن الثورة الصناعية في القرنين السابع عشر والثامن عشر استندت على القوى الفيزيائية التي يعد المحرك البخاري والطاقة الكهربائية الأمثلة الأبرز عليها، وقد أدت الاختراعات المتتالية التي ميزت تلك الحقبة إلى الدخول بالبشرية إلى عصر الثورة الصناعية التي غيرت وجه الاقتصاد العالمي إلى الأبد.
وبين أن الثورة التكنولوجية التي شهدها العالم في النصف الثاني من القرن العشرين على وجه الخصوص، مكنت الإنسان من التحكم بالآلات، وقد أدى التطور الكبير في التقنيات وسرعة تبادل المعلومات إلى دخول الاقتصاد العالمي إلى عصر جديد ارتكز في مجمله على الحوسبة والأتمتة الشاملة لجميع مناحي الحياة، إلى جانب الذكاء الاصطناعي الذي غير شكل اعتماد الاقتصاد على الآلة من كونها مكملة للجهد البشري إلى ما يمكن أن يصبح بديلاً كاملاً لتدخل الإنسان في العملية الإنتاجية.
وأوضح براينيولفسن أن الفرق الرئيسي بين البشر والآلات والذي يتمثل في إمكانية التحكم الذاتي بالحركة واستخدام اللغة للتواصل والقدرة على حل المسائل المعقدة، بدأ يتلاشى شيئاً فشيئاً، إذ إن الآلات بدأت تقوم بالأعمال التي كانت تقتصر بشكل كامل على البشر، واليوم لا تستطيع الروبوتات تمييز الصوت البشري والاستجابة له في تنفيذ المهمات فحسب، بل تعدته إلى التعلم من التجربة وإنتاج محتوى جديد كلياً.
آلات تتحدث
قال إيريك براينيولفسن: نحن اليوم على مشارف فترة فريدة في تاريخ البشرية، إذ أصبح بإمكاننا اليوم التحدث إلى الآلات التي تعي تماماً ما نقوله وتنفذ المهام المتعددة وفقاً لذلك، كما أصبح بإمكانها حل المسائل والإجابة عن الأسئلة المعقدة حتى تلك المتعلقة بالأدب والفن والاقتصاد.
وبين أنه ظهرت إلى الوجود عدد من التناقضات في البنية الاجتماعية والاقتصادية لم تكن موجودة في السابق، فقد صعد نجم حملة الشهادات العليا مقابل العمالة متوسطة أو منخفضة المهارة، وازدادت ثروات أصحاب رؤوس الأموال في الوقت الذي تراجع المستوى الاقتصادي للطبقة العاملة، بينما مكنت التكنولوجيا الحديثة أولئك الذين يقدمون حلولاً قائمة على الابتكار من خدمة قطاع عريض من المجتمع، وفي المقابل جعلتهم يجنون الملايين.
