أشاد البروفيسور جفري ساكس، رئيس مركز الأرض بجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية، بتصدّر الإمارات قائمة الدول العربية الأكثر سعادة، بحسب المسح الثاني للأمم المتحدة لمؤشرات السعادة والرضا بين الشعوب، والمرتبة الـ14 عالمياً، ما أظهر أن الإمارات من أفضل الأماكن السعيدة في العالم، نتيجة العمل الرائد الذي تقوم به القيادة الرشيدة في الإمارات، ووصف دبي بالنموذج الرائد في تقديم الخدمات التي تحقق السعادة للمواطنين والاهتمام بالأطفال، وذلك في إطار سعيها لبناء مستقبل أفضل لأبنائها.

وقال إننا نتطلع إلى إكسبو 2020 في دبي بما سيحمله من آفاق تلهم العالم أجمع، وتضيف معنى جديداً للسعادة، وتطرق إلى دور الحكومات في توفير السعادة، من خلال توفير الغذاء السليم والمناسب والخدمات الصحية المتميزة والتعليم والأمن.

تصريحات ساكس جاءت على هامش الجلسة الثانية في اليوم الثالث والأخير من أعمال القمة الحكومية التي تحتضنها دبي حالياً، والتي أدارها عادل الطريفي، رئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط، والتي جاءت تحت عنوان «السعادة مقياس الحكومات» والتي تطرقت إلى دور الحكومات في إرساء السعادة لدى الشعوب، والتحديات والفرص الراهنة أمام تعزيز وتحسين جودة حياة المواطنين، كما تناولت تجارب الدول في وضع السياسات الرامية إلى إسعاد المواطنين.

وأشاد ساكس بجهود قيادة وحكومة الإمارات الحثيثة، وحرصها الكبير على إسعاد شعبها، وضمان تحقيق جودة حياة عالية للأطفال، بما تعكس العمل العمل الدؤوب للحكومة، معرباً عن أمله في أن تحذو الولايات المتحدة حذو الإمارات في تبوؤ مرتبة أكثر تقدماً في مؤشر السعادة، ومشيداً بالتعاون القائم بين الإمارات ومعهد الأرض، لقياس السعادة بأفضل الطرائق الممكنة وكيفية إدراكها، ووصف دور الإمارات في هذا السياق بالقيادي الذي يمكن أن يستفيد منه العالم.

كما أشاد بجهود الحكومة من خلال جلسات العصف الذهني، والتواصل عبر وسائل التكنولوجيا لتلبية متطلبات المواطنين وحل مشكلاتهم، فضلاً عن التواصل المباشر بين الحكومة والمواطنين الذي وصفه بالنموذج الجديد في عالم الحوكمة، والسبيل لتحقيق النمو المستدام في القرن الـ21. وأشاد أيضاً بإشراك الحكومة للمواطنين والطلاب في حل المشكلات، ووصفه بالنموذج الرائع للغاية، لافتاً إلى جهود مشتركة يقوم بها بالتعاون مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لتفعيل حل المشكلات، من أجل مواجهة التحديات التي يعيشها العالم، ولخلق مزيد من السعادة لدى شعوب العالم.

اهتمام

من جانبه، أكد عادل الطريفي، رئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط، أن الإمارات تحظى باهتمام كبير من قبل الشباب العربي للعمل فيها، لما تتحلى به من مقومات السعادة، وتوفير فرص النجاح، وتحقيق الحياة الكريمة، مشيراً إلى أن الشباب العرب يفضلون اليوم العيش والعمل في الإمارات على العيش والعمل في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، في حين أشاد ساكس بطريقة العيش المتجددة في الإمارات، قائلاً إن هناك دائماً ما هو جديد في الإمارات.

واستهل الطريفي الجلسة بسؤال ساكس عن مفهوم معنى السعادة، والترويج للسعادة بين المواطنين، إذ استعان ساكس في رده بفلسفة الفيلسوف الشهير أرسطو الذي وصفه بأنه أدى دوراً كبيراً وجوهرياً في مساعدة البشرية على تحديد مفهوم السعادة قبل أكثر من 200 عام، وقال إن «يونومونيا»، وهي كلمة يونانية قديمة، شرحت مفهوم السعادة، فالسعادة ليست هي ما نقدمه للآخرين، أو تلبية احتياجات الآخرين، أو المادة التي تلبى الاحتياجات عبرها، وإنما السعادة هي مسعى الحياة كأفراد ومجتمعات في ظل جهود تقوم بها الحكومات، سعياً منها لتحقيق السعادة لشعوبها، من خلال تقديم الخدمات للجمهور، ودعا ساكس الحكومات إلى التحلي بالشفافية والرؤية الواضحة، وأن تجني ثقة الناس بقدرتها على إحداث التغيير.

ويرى ساكس أن السعادة لا ينبغي أن يقع تحقيقها على عاتق الحكومات، بل يجب أن يكون للأفراد والمجتمع دور أساسي في تحقيقها. وأضاف أن السعادة تعني تحقيق الفضيلة التي يرى أن العالم قد تخلى عنها اليوم، واستشهد ساكس بالقيم الإسلامية النبيلة في ترسيخ الفضيلة والقيم في المجتمع، من خلال التكافل والتعاون وتفعيل العمل الخيري. وحذر ساكس من الحرية المفرطة بلا حدود التي تنتشر في عالم اليوم، قائلاً إن الحرية بلا ضوابط ليست فضيلة، ولن تقود إلى إرساء الفضيلة، وداعياً إلى الالتزام بالوسطية والاعتدال، وتجنب الراديكالية، لا سيما في عصر اليوم الذي يتاح فيه كل شيء.

سعادة الأطفال

وأكد أهمية تحقيق السعادة للأطفال، من خلال حب كاف من آبائهم، وحصولهم على التعليم والغذاء السليم، وشعورهم بالأمن، فالعلم أثبت أن الكثير من أساسيات السعادة مرتبط بهذه الأمور التي تؤثر بحياته في الكبر.

وقال إن 25% من الأطفال في أميركا ينشأون في أماكن فقيرة، ويعانون خللاً في التعليم، وسلوكهم غير سوي، منتقداً حكومة بلاده، لعدم تمكنها من توفير احتياجات الأطفال في المجتمع، وفقاً للأساسيات المطلوبة، وتلك الضغوط على الأطفال تترك آثارها على نمو عقول هؤلاء الأطفال.

وقال ساكس إن السعادة لها أبعاد عديدة ضمن مفهوم «هيراشية القيم»، مشيراً إلى أن الأشخاص الذين لديهم رخاء يتمتعون بكثير من السعادة، وقائلاً إن من يحصلون على دعم اجتماعي أكثر سعادة، ومشدداً على أهمية الصحة النفسية والجسدية والعقلية، وتمتع الإنسان بالحرية في اتخاذ القرار التي تعد مؤشراً مهماً إلى السعادة.

وحذر المجتمعات التي تسعى للمادية فقط من أنها مجتمعات لا يمكن أن تحقق الرخاء والسعادة، مؤكداً أن السلوك المتصل بالفضيلة أساسي في تحقيق السعادة.

من جانب آخر، قال إن المجتمعات التي يسود فيها الفساد لا تشعر شعوبها بالأمان والسعادة، موضحاً أن الشفافية وقوة القانون من الأمور المهمة لتحقيق الرخاء في المجتمع، ومضيفاً أن السعادة يجب أن نسعى إليها بالاعتماد على مسؤولية الأفراد والمجتمعات، وعلى أداء الحكومات.

وقال إن السعادة لا تقدَّم على طبق من ذهب، وإنما يجب أن تنجز من خلال تضافر جهود الأفراد والمجتمعات والحكومات، . الدساتير

تحدث جفري ساكس، عن إذا ما كانت الدساتير التي تضعها حكومات العالم قادرة على تحقيق السعادة للشعوب، قائلاً: إن الدساتير تحقق الاستقرار، وتقضي على الاضطرابات من خلال القوانين المنظمة لشؤون الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في أي بلد. المادة والمال مهمان لكنهما لا يعنيان كل شيء

تساءل عادل الطريفي رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط، موجهاً حديثه إلى ضيفه جفري ساكس، إن كان يمكن قياس السعادة بالدخل، وإن كانت البلدان الثرية هي الأكثر سعادة، فأجاب ساكس بأن المادة والمال مهمان جداً، ولكنهما لا يعنيان كل شيء، معترفاً بسوء الشعور بالفقر، وقائلاً إنه في أميركا كان هناك تناقض خلال السنوات الماضية، فقد ارتفع الدخل بنحو ثلاثة أضعاف، إلا أن مقياس الرفاه لم يتغير، ومعترفاً بأن أميركاليست أكثر البلدان سعادة في العالم برغم امتلاكها ثروات كبيرة، ومؤكداً أهمية الدخل لتلبية الاحتياجات الأساسية للإنسان التي عادة لا تهم الأغنياء، ولكنها تهم بدرجة أكبر المحتاجين والفقراء. وفي ما يتعلق بمنهجية تقرير السعادة العالمي، وإغفاله مؤشر التقدم كأحد المعايير المهمة في قياس السعادة، اعترف ساكس بأهمية هذا المؤشر، لارتباطه الوطيد بقياس السعادة، مشيراً إلى أن الدول ذات التضخم المفرط هي الأقل سعادة.

وأكد ساكس ضرورة أن تتحلى الحكومات بالشفافية، وأن تبذل جهوداً حثيثة في مكافحة الفساد، وتتحلى برؤية واضحة في مكافحته، قائلاً إنه عندما تأخذ الحكومات شعوبها إلى المسار الصحيح، فسيقود ذلك إلى خلق الثروات ومعالجة الكثير من المشكلات.

وبسؤال الطريفي لساكس عن الدروس التي يمكن لمنطقة الشرق الأوسط الاستفادة منها، وكيف يمكن للحكومات تأمين السعادة؟ أكد ساكس أن الحكومات في العالم تؤدي دوراً مهماً في تحقيق السعادة لشعوبها، قائلاً إن هناك حكومات في العالم تهدف إلى إرساء الخير، وهي حكومات مؤتمنة على ثروات بلدانها.

بالغذاء لا بالسلاح

من جانب آخر، انتقد ساكس التدخلات الخارجية في الأزمة السورية الحاصلة، مؤكداً أنها ليست في مصلحة الشعب السوري الذي أنهكته الأزمة، وداعياً إلى ضرورة وقف تدفقات الأسلحة في سوريا من كل حدب وصوب، ومشيراً إلى أهمية وقف تلك التدفقات التي لا تخدم الشعب السوري، ولن تحل الأزمة، وستقود إلى تصعيد الخلاف. وانتقد ساكس استخدام نظام الأسد السلاح الكيماوي ضد أبناء شعبه، داعياً الولايات المتحدة الأمريكية والدول الكبرى الأخرى إلى فرض مزيد من الضغوط على النظام السوري لوقف المأساة الحاصلة في سوريا ضد الشعب السوري، وقائلاً إن سوريا هي مهد الحضارات، والشعب السوري يستحق حياة كريمة وآمنة، وداعياً إلى تضميد جراح السوريين، وتغذية سوريا بالغذاء لا بالسلاح، ومعرباً عن حزنه العميق لتحول سوريا اليوم إلى دمار، وحاثاً العالم على دعم الأطراف السورية حال استطاعت إيجاد تسوية سلمية في ما بينها.

وبسؤال الطريفي لساكس عن التطورات الحاصلة في مصر، وصف ساكس مصر بأرض الحضارات، داعياً إلى تغليب الحوار بين جميع الأطراف، وأكد أهمية استمرار المسار الديمقراطي في مصر، وأهمية بقاء مصر دولة قوية ومستقرة الذي من شأنه أن يخدم مصر والمنطقة بأسرها.