قدّمت القمة الحكومية خلال الجلسات دراسة استكشافية حول الابتكار في القطاع العام لدى دول مجلس التعاون الخليجي، وتم إعداد هذه الورقة النقاشية بغرض تقديمها في «القمة الحكومية»، والتي يعقدها مكتب رئاسة مجلس الوزراء في دولة الإمارات في الفترة ما بين 10 12 فبراير في دبي، وترمي هذه الدراسة إلى تبني نهج استكشافي للوقوف على الابتكار في القطاع العام لدى دول مجلس التعاون الخليجي، وننوه هنا بأن هذه الدراسة تستخدم مصطلح «الابتكار» بالمعنى الواسع للكلمة، والمجال المحدود لهذه الدراسة يحول دون الخروج بنتائج جازمة، ومع ذلك، تحيل هذه الدراسة المواضيع البارزة إلى مزيد من التحليل المعمق للابتكار في القطاع العام في هذه المنطقة الجغرافية وإلى المقارنة مع أشكال الابتكار في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).
كتب هذه الورقة النقاشية «أرثر ميكولايت» والذي يعمل محللاً سياسياً في دائرة (OECD) للحوكمة العامة والشؤون الإقليمية، أما الإشراف الاستراتيجي فقد قدمه كل من «إدوين لاو» رئيس قسم إصلاح القطاع العام و«كارلوس كوند» رئيس برنامج الحوكمة بين منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الشرق الأوسط وشمال افريقيا (OECD MENA-). وتُعتبر هذه الورقة النقاشية امتداداً للأعمال القائمة والمستمرة في مختلف أرجاء (OECD) خاصة برنامج الحوكمة لمنظمة ومينا ومرصد (OECD) للابتكار في القطاع العام «المرصد». ويجدر هنا القول إن المعلومات المتعلقة بحالات الابتكار الفردية تستقي ما لم تتم الإشارة إلى غير ذلك، من كل من مدخلات دول (OECD) في قاعدة بيانات المرصد، والمدخلات الخاصة المعتمدة من البحرين والإمارات، ومن دراسات الحوكمة الإلكترونية للمنطقة ومن مراجعات الحوكمة العامة للمنظمة.
حالات ابتكار حكومية في دول مجلس التعاون الخليجي ودول المنظمة
البوابات الوطنية للحكومة الإلكترونية
تملك الأغلبية العظمى من الدول اليوم بوابات الكترونية باعتبارها منفذاً رقمياً للخدمات العامة والمعلومات، وقد شرعت العديد من دول «المنظمة» قبل حوالي عقد من الزمن في تشغيل بوابات موحدة للحكومة الالكترونية، ومرت منذ ذلك التاريخ بتطويرات متعددة، ومع ذلك، تستمر الحكومات في التحسين والابتكار في هذا الميدان بسبب استمرار وجود التحديات، ويبدو أن بعض هذه التحديات مثل زيادة الخدمات الالكترونية تنطبق لدى معظم الدول.
البحرين، بحرين «بي. ايتش»
البيئة
مرت البحرين بتطورات اقتصادية سريعة على مر العقود السابقة. ويعزى هذا التطور إجمالاً إلى اكتشاف مصادر البترول، حيث يغطي انتاجها حوالي 30% من الناتج الإجمالي المحلي و60% من إيرادات الحكومة، إضافة إلى التوسع في القطاعات المالية والخدمية المحلية، من جانب آخر، تضاعف عدد السكان خلال العقد السابق متجاوزاً 1.2 مليون نسمة في هذه الأيام، ويُشكّل غير المواطنين أكثر من نصف عدد السكان، بمن فيهم وافدون ذوو مهارات عالية أو متدنية، ويظهر التطور الاجتماعي بجلاء، حيث تحتل الدولة المرتبة 42 في المؤشر العالمي للتنمية البشرية، وقد قامت حكومة البحرين بصياغة «الرؤية الاقتصادية 2030» بغرض انجاز خارطة نمو مستدام وتنافسي وعادل، ومع ذلك تبقى التحديات المتعلقة بمشاركة ودمج الجماعات المهمشة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
في اطار هذه البيئة، تضع الحكومة أهدافاً طموحة للحكومة الالكترونية، فقد قامت «هيئة الحكومة الالكترونية» «الهيئة» بتطبيق استراتيجية الحكومة الوطنية الالكترونية في الفترة ما بين 2007 و2010، وكانت الاستراتيجية تهدف إلى رقمنة القطاع العام، وتطوير بنى تحتية الكترونية حكومية متبادلة، وتطوير خدمات عامة رقمية.
التحدي
تُعتبر بوابة الحكومة الإلكترونية «بحرين. بي. ايتش» واحدة من أبرز مشاريع التطوير الوطني للحكومة الالكترونية والتي قامت «الهيئة» بتطويرها وتدشينها في عام 2006، حيث كانت تقدم مجموعة أولية من الخدمات الحكومية الالكترونية.
تم تحديد الصعوبات المتعلقة بالبوابة الالكترونية من حيث سهولة الاستخدام ومن حيث دمج الخدمات الجديدة، وعليه برز التحدي في إعادة تصميم البوابة بطريقة تتيح للمستخدمين مرونة أكثر في استخدام الخدمات الالكترونية بصرف النظر عن مستوى قدراتهم، أو بيئاتهم، أو قنوات الدخول الخاصة بهم وتتيح للإدارة العامة مرونة أكثر في توسيع مجال الخدمات العامة المقدمة.
الابتكار
تم اطلاق الاستراتيجية الأولى للحكومة الوطنية الالكترونية في عام 2007 بغرض إجراء مراجعة شاملة للبوابة الالكترونية «بحرين. بي. ايتش» من أجل معالجة التحديات الرئيسة، وخلصت الاستراتيجية إلى نتيجة مفادها إعادة تصميم البوابة بصورة كاملة وجديدة، بحيث تدمج أكثر من 30 خدمة الكترونية من مختلف الوزارات الحكومية، وتتيح للمستخدمين امكانية تسديد مدفوعات الكترونياً لصالح الحكومة، أما في الأعوام التي تلت ذلك، فقد تعاونت «الهيئة» مع شركاء بغرض اطلاق طائفة من الخدمات الجديدة ومنها:
ـ إصدار نسخة انترنت متنقلة من بوابة «بحرين. بي. ايتش» 2009
ـ إنشاء أكشاك خدمة عادية في مختلف أرجاء الوطن ومخصصة للمستخدمين الذين تحول قدراتهم المحدودة دون الوصول إلى الانترنت 2009.
ـ وضع مجموعة من تطبيقات الهواتف الذكية المخصصة للوصول إلى المعلومات الحكومية والخدمات العامة 2012.
ـ خلال عملية تصميم وتطبيق مختلف أقسام بوابة «بحرين. بي. ايتش» واجهت الهيئة بعض التحديات غير البعيدة عن تلك التي واجهتها دول «المنظمة» ألا وهي:
ـ وجود عجز في المديرين المتمرسين والموظفين الماهرين الاختصاصيين بالمشاريع الالكترونية، ولا يقتصر ذلك على العاملين في الإدارة، بل انه يشمل الخبراء على المستوى الوطني بشكل عام. وكعلاج سريع لهذا التحدي، قامت الحكومة بتوظيف عدد كبير من غير المواطنين، أما على المدى البعيد فقد اطلقت الحكومة برامج تنمية المهارات والقدرات التي تستهدف موظفي القطاع العام.
ـ تقلب مستويات شراء الأسهم من المساهمين، لضمان الالتزام في الحكومة، تم إنشاء بنية حوكمة جديدة تقوم عليها لجنة توجيهية رفيعة المستوى يترأسها نائب رئيس الوزراء. كما تم تشكيل فرق مهمات متخصصة في كل وزارة من الوزارات عهد اليها تطبيق الاستراتيجية الوطنية للحكومة الالكترونية، بحيث يتم التنسيق بين هذه الفرق مركزياً.
ـ تطوير معايير وسياسات جديدة بهدف جعل الخدمات الالكترونية القائمة متوافقة مع البوابة الوطنية «بحرين. بي. ايتش».
ـ قلة الوعي والقبول بين المواطنين من أجل تعزيز مكانة البوابة الوطنية للحكومة الالكترونية. تم شن حملات توعوية وتدريبية، كما تم انشاء أكشاك خدمة عادية بغرض توسيع امكانات الوصول للخدمات.
ـ التوجس والشعور بالرهبة من الدفع الالكتروني، ثم وضع بنية تحتية للتعريف والتوثيق الرقمي في عام 2012 «المفتاح الالكتروني ».
الإمارات: التصنيف النجمي
البيئة
تُعتبر الإمارات مصدراً رئيسياً للبترول ومركزاً مهماً للأنشطة المالية والتجارية الدولية، كما أن تركيبتها السكانية فريدة جداً، حيث يُشكّل المقيمون من غير المواطنين ما نسبته 80% من عدد السكان، وهم مزيج من الوافدين ذوي المهارات العالية والمتدنية، أما بالنسبة للأولويات الوطنية بعيدة المدى فهي مشمولة في «رؤية 2021» بما في ذلك التشعب نحو الاقتصاد المبني على المعرفة، وتعزيز دور المواطنين الإماراتيين في القطاعين العام والخاص، وتطوير التميز في الخدمات العامة، والتوجه نحو أنماط المعيشة المستدامة.
إن الحكومة الاتحادية في دولة الإمارات هي المحرك الرئيسي الذي يدفع باتجاه تطبيق الرؤية، حيث تشدد «استراتيجية الحكومة الإماراتية 2011 2013، التركيز على تحسين وتجانس جودة الخدمات العامة في الإمارات السبع كافة. في الحقيقة، تعتبر التفاعلات الحكومية على المستويين الاتحادي والمحلي محدداً مهماً لجودة الخدمة بناء على طبيعة التركيبة الاتحادية للدولة.
التحدي
بطبيعة الحال، تتباين جودة الخدمة العامة بين مزودي الخدمة كل على حدة، وتطمح الحكومة الاتحادية في الإمارات إلى رفع جودة الخدمات في كافة أرجاء القطاع العام بصورة مستدامة، وعليه حددت الحكومة تحديين مترابطين اثنين ألا وهما:
- كيفية إعلام مستخدمي الخدمة عن جودة الخدمة التي يتوقعون تلقيها من الدائرة أو الهيئة الحكومية أو أي محطة تقديم خدمات؟
- كيفية تبني نظام ديناميكي يحافظ على استمرار التحسن والابتكار في الخدمات العامة؟
اقتصر استخدام التصنيفات لقياس جودة الخدمة العامة في مستهل اطلاق «استراتيجية الحكومة الإماراتية 2011 2013 على مجالات سياسية محددة أو مناطق جغرافية معينة، فعلى سبيل المثال، يتم تقييم المدارس في القطاعين العام والخاص في أبوظبي ودبي من هنا، تمثل التحدي بالنسبة للحكومة الاتحادية في إنشاء نظام تصنيف قابل للتطبيق على أي هيئة خدمات عامة في دولة الإمارات، بصرف النظر عن خصوصية طبيعة أو موقع المؤسسة المعنية.
الابتكار
أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي،رعاه الله، نظام «التصنيف النجمي» في عام 2011، وبمقتضى هذا النظام، يتم منح ما بين نجمتين إلى سبع نجوم للمؤسسات التي تقدم خدمات عامة للأفراد أو مؤسسات الأعمال، ويعتمد التصنيف الأولي على انجاز مجموعة من معايير الجودة التي تغطي المواءمة الاستراتيجية بين خدمات الهيئة، ومختلف عوامل تقديم الخدمة، واستخدام أدوات التمكين مثل تنمية القدرات والتطبيقات التكنولوجية، أما انجاز أرفع تصنيف «سبع نجوم» فيقتضي الانفتاح في تبادل المعرفة الخاصة بممارسات تقديم الخدمة والاستمرار في تحقيق نتائج مرتفعة في مستوى الرضا وفقاً للمسوحات التي تتم للمستخدمين والموظفين.
«تسهيل» محطات الوقفة الواحدة
قبل اطلاق خدمة «تسهيل» كانت وزارة العمل الاتحادية مسؤولة عن رسم السياسات وإجراءات المعاينات، وإصدار تصاريح العمل، وتسجيل أصحاب العمل، غير ان التدفق الكبير من العمال في الإمارات ضغط على الموارد، وعليه، تبين بأن إصدار تصاريح العمل للعمال، إضافة إلى غير ذلك من الممارسات الإدارية، هي عقبات كبيرة تعوق تقديم خدمة التوظيف بصورة فاعلة، وقد قدرت وزارة العمل بأن 80 % من الموارد تذهب إلى تقديم خدمات «الخط الأول» الإدارية، بينما تخصص 20 % من الموارد لتنمية السياسات والمعاينات، ويعني ذلك بأن هناك انحرافاً في تركيز الموارد يبعد الوزارة عن انجاز الهدف الأساسي لها المتمثل في صياغة سياسات توظيف استراتيجية وتحسين مستوى الالتزام بالتشريعات.